islamaumaroc

الدخيرة السنية قسم مطول من روض القرطاس -2-

  دعوة الحق

145 العدد

لم يكن بالإمكان أن أكتب أكثر مما كتبت في المقال السابق المنشور تحت نفس العنوان(1) رغم شعوري بضرورة توضيح بعض الأوليات و تناول بعض النقط بالمزيد من التعريف، و لكن ما باليد حيلة، إذ ما عساي أن أفعل في غمرة المفاجأة و الذهول، و الفرحة الساذجة التي كانت تحيطني و التي، لن يشعر بمذاقها إلا من عانى مثل هذا الموقف و رافقته إيجابية النتيجة.
ما كنت في يوم ما أقدر تصرف أرشميدس الغريب، و قد خرج من الحمام متعريا إثر اكتشافه لقانون الثقل النوعي، و هو يصيح ، وجدتها ! وجدتها! و ما في اكتشافه من لذة و نشوة، كما قدرتها و أنا أجني ثمرة بحث أو تنقيب في صفحات الكتب الصفراء برائحتها المتميزة و كتاباتها المخطوطة أو الحجرية المتعبة، ففرحة النتيجة المذهلة هذه، هي التي دفعت بي إلى الاكتفاء بالأهم، و هو الخبر المجرد ، و ما يحمل من حجج أولية ظاهرة، و من الحق القول، أن الموضوع سيبقى أبتر ناقصا بدون أتباعه بحلقة أو حلقات تناقش ما أغفل و تبرز ما خفي فيه، و تفصل ما أجمل حتى يلم القارئ بالموضوع. و سيرا على هدي  الحلقة الأولى سنحصر حديثنا في نقط نلتزم مناقشتها نذكرها فيما يلي :
أولا : نظرة على الكتابين موضوع المقارنة للتعريف بهما.
ثانيا : نقط الاتصال و الاشتراك في الكتابين و نحصرها في العناوين التالية :
‌أ- الجمع بين الخبر التاريخي و الاستدلال بالنصوص الشعرية تؤيده.
‌ب-  تذييل الحقبة التاريخية بملخص لأهم الأخبار أو المهمل أو الجديد منها.
‌ج- النسب الطويل الذيل للمرينيين في البربر و محاولة ربطه بالأصل العربي.
‌د-  الكلمات العامية في الكتابين أو البسيطة التي يدرجها المؤلف في أسلوبه.
‌ه- النسب و الوصف الذي يورده لكل ملك.
ثالثا : جرد مقارن عن تطابق الكتابين.
رابعا : ملاحظات متنوعة.

أولا – نظرة على الكتابين موضوع المقارنة
يتفق الكتابان في موضوعهما العام و هو التاريخ المغربي وفي أن تأليفهما يرجع إلى القرن السابع الهجري أي ما يزيد على الثمانية قرون.
كتاب القرطاس : كتاب مشهور في تاريخ المغرب يتناول دولة منذ دخول إدريس الأول إلى القرن الثامن عسر المرينيين، و بذلك فهو يؤرخ للدول التالية : دولة الأدراسة، إمارة آل موسى بن العافية، دولة مغراوة  و بني يفرن، دولة المرابطين ، دولة الموحدين و أخيرا المرينيين التي هي موضوع مقارنة هذا الكتاب مع كتاب الذخيرة السنية. و الكتاب يبدأ منذ صفحته الأولى بتعريف لمؤلفه بأنه الشيخ العلامة ... عمدة أهل المغرب في التاريخ أبو عبد الله محمد بن عبد الحليم عرف بابن أبي زرع (2) و تنتهي أخباره في أيام الملك المريني أبي سعيد عثمان سنة ست و عشرين و سبعمائة هجرية و هي زمن تأليف الكتاب حسبما جاء في الطبعة الحجرية الفاسية المعتمدة في أجراء المقارنة، و يقع القسم المخصص للمرينيين في المائة صفحة الأخيرة من الكتاب بين 197 و 303.
كتاب الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية : كتاب يؤرخ كما يدل عليه اسمه للمرينيين منذ دخولهم إلى المغرب ، يستهل الحديث بنسبهم (3) و ينتهي في أيام الملك المريني أبي سعيد سنة 726 هـ حسب تصميم الكتاب (4) و لكن الكتاب في وضعه ينتهي بتأسيس مدينة فاس سنة 677 هـ و بحوادث تستمر إلى سنة 679 أيام أبي يوسف يعقوب المريني حيث يبدأ البتر و يقول الناشر للكتاب : هذا ما وجد من هذا الكتاب و الحمد لرب الأرباب. و إذا كانت أبواب الكتاب حسب تصميم مؤلفها عشرة فالموجود منها بالكتاب يقف بذكر حوادث الباب السادس أي أن الكتاب ينقصه ما يعادل نصفه و رغم ذلك فعدد صفحاته تصل إلى تسع و ثمانين و مائة 189 بغض النظر عن الفهارس اعتنى بنشره الشيخ محمد بن أبي شنب بالجزائر و طبع بها سنة 1339 موافق 1920 (5) حسب النسخة المعتمدة و الموجودة تحت رقم 9959 بخزانة القرويين العامرة.

ثانيا – نقط الاتصال و الاشتراك في الكتابين
لم يمنعنا تعدد هذه النقط من محاولة حصرها في العناوين التالية :
أ‌- الجمع بين الخبر التاريخي و الاستدلال بالنصوص الشعرية، و يتجلى هذا في عدة أماكن و مناسبات في الكتابين معا، فبعد إيراده للنسب البربري الطويل للمرينيين مثلا أردف الخبر بأبيات شعرية من الرمل نسبها لبعض أدباء زناتة يقول :
أيها السائل عن أحسابنا
   قيس عيلان بنو العز الأول
و بنو بر بن قيس من به
   تضرب الأمثال في كل الأهل
إن نسبنا فبنو بر الندى
   طارد الأزمة نحار الإبل (6)
و في ربط هذا النسب البربري بالأصل العربي أورد شعرا نسبه لأحد الشعراء العرب و هو من الطويل يقول :
   ألا أيها الساعي لفرقة بيننا
      توخ هداك الله سبل الأطايب
   فاقسم أنا و البرابر أخوة
      نمانا وهم جد كبير المناسب
   أبونا أبوهم قيس عيلان في الورا
      لهم حرمة تشفي غليل المحارب
 
   فنحن و هم ركن منيع و أخوة
       على رغم أعداء لئام المناقب (7)
كل هذا تثبيتا للخير التاريخي و تأكيدا لما جاء فيه عن طريق الرويات و التقاييد و هكذا يورد شعرا لتماضر بنت قيس عيلان الذي يجعله جد المرينيين ترثي به أخيها بر الذي يذكر في خبره أنه هجر وطنه العربي و نأى عن أهله فتبكيه بقولها :
   لتبكي كل باكية أخاها
      كما أبكي على بر بن قيس
   تحمل عن عشيرته فأضحى
      ودون لقائه أنضاء عيس (8)
و يؤكد بأبيات أخرى لها سبب لهجته البربرية رغم عروبته بما ذكره في التاريخ بقولها :
   كأني و بر لم تعز ديارنا
      بنجد و لم نقس نهابا و مغنما
   و شطت ببر حاره عن بلادنا
      و طرح بر نفسه حيث يمما
وازرت ببر لكنه أعجمية
   و ما كان بر نفسه بالحجاز بأعجما (9)
و يستمر في نهجه هذا موردا الخبر مستدلا عليه بأشعار الشعراء في أبيات تكثر أو تقل حسب الحاجة حتى يسوق قسما من أرجوزة نظم السلموك لأبي فارس عبد العزيز الملزوزي شاعر الدولة المرينية يؤكد فيها بدوره أثر التجاور في لسان المرينيين بقوله :
   فجاورت زناتة البرابرا
            فصيروا كلامهم كما ترى
   ما بدل الدهر سوى أقوالهم
            و لم يبدل مقتضى أحوالهم
   بل فعلهم أربى على فعل العرب
            في الحال و الآثار ثم في الأدب
   فانظر كلام العرب قد تبدلا
            و حالهم عن حالهم تحولا
   لا يعرفون اليوم ما الكلام
            و لا لهم نطق و لا أفهام
   و إن تمادت بهم الأحوال
            لم يبق في الدهر لهم أقوال (10)
يجب ألا ننسى أن الغريب ليس في إيراده الأبيات بل في إيرادها بكلا الكتابين و بأننا في مجال إثبات نقط الاشتراك في الكتابين و هذه إحداها. و الكاتب حين يؤرخ لدخول المرينيين للمغرب لا يكتفي كذلك بالخبر المجرد بل يردفه بأبيات من الكامل ما يقول فيها و لعلها له إذ لم يذكر صاحبها :
   قدمت مرين إلى بلاد المغرب
            و السعد يصحبها لنيل المطلب
   في عام عشرة كان بدء دخولهم
            من بعد ست مئين فاحفظ و اكتب (11)
لم ينتقي أبياتا أخرى لصاحب الأرجوزة في نفس الموضوع يقول :
   في عام عشرة و ست ميه
            أتوا إلى المغرب من البربه
   جاءوا من الصحراء و السباسب
            على ظهور الخيل و النجائب (12)
و حين يخبرنا بوفاة الفقيه الشيخ محمد بن جرير المعروف بابن تاخميست يذكر أنه كان ينسخ  الكتب و يهبها و بأنه كان مولعا بدرس العلم و طلبه و بأنه القائل :
   أخو العلم حي ذكره بعد موته
            و أوصاله تحت التراب رميم
 
   و ذو الجهل ميت و هو ماش على الثرى
            يظن من الأحياء و هو عديم (13)
و لا ينقص الكتاب الثاني ما في الأول و أبدا بأيهما شئت.
و يتحدث عن الملك المريني أبي معرف بن عبد الحق فينهي الخبر بأنه كان عارفا بمكايد الحروب و خدعها سائسا للرعية فاهرا لبدعها صاحب حزم و حذر و يمثل بما قال صاحب نظم الدرر في أرجوزته في الكتابين معا كما هي عادته
   ثم تولى بعده محمد 
            و كان في أموره يسدد
   و كان لا يفتر عن قتال
            مواظبا للحرب و النزال
   كم عسكر لاقى و كم حشود
            و من جموع جمة الجنود
   نهاره و ليله طعان
            لكنه مؤيد معان (14)
بل لا يكتفي بذلك أي بإيراد الخبر و إتباعه بالأبيات المؤدية بل يرد الخبر في أحدهما كما يورده في الآخر كله شعرا فعل حين أورد سجلا لأعمال أبي يعقوب بن عبد الحق في الكتابين يقول المؤلف أذكرها من نظم صاحب الأجوزة و هذه بعض أبيات منها :
   سيرته أن يقرأ الكتابا
           و يذكر العلم و الآدابا
   يقوم للصلاة ثلث الليل
           و ما له عن ورده من ميل
   و يأمر الكتاب بالأوامر
           في باطن من أمره و ظاهر
   و يدخل الأشياخ من مرين
           للرأي و التدبير و التبيين
  فأمن الغرب من الفساد
           و نثر العدل على البلاد
  و رفع الظلم عن الرعية
           و قمع الطغاة في البرية
   فذاك كان فعله قديما
           بذاك نال الملك و التعظيما (15)
« و لما وصل أمير المومنين إلى الخضراء كتب إليه الرئيس أبو محمد بن أشقياولة كتابا يهنيه فيه بالفتح و في آخره هذه القصيدة »
   هبت بنصركم الرياح الأربع
            و جرت بسعدكم النجوم الطلع
   و أتت لعونكم الملائك سبقا
            حتى لضاق بها الفضاء الأوسع
   و أمدك الرحمن بالفتح الذي
            ملأ البسيطة نوره المتشعشع (16)
و القصيدة طويلة يستطيع من أرادها العودة إليها في المرجع المذكور.
هذه الاستشهادات و غيرها كثير، موزعة في الكتابين بين مختلف صفحاتهما منبثة بين الأخبار في كليهما تعاضدها و تساندها لتنطق بمؤلف الكتابين الواحد ذي المنطق و التفكير و المنهجية الواحدة، دون أن يمنع هذا من وجود بعض الاختلاف في إيراد الأبيات من حيث تقديم أو تأخير بعضها أو الاكتفاء بعدد منها في كتاب دون الآخر، و ليس لهذا أي تأثير، كما هو معلوم، على موضوعنا.
ب- تذييل الحقبة التاريخية في الكتابين بملخص للأخبار الهامة أو الجديدة .. نجد ذلك في الذخيرة مثلا بعد استيفاء أخبار الأبواب الثلاثة التي تدور حوادثها في الثلث الأول من القرن السابع و هو عصر الاضطرابات و الفتن التي عرفها المغرب بسبب ضعف الموحدين الناتج عن قيام الولاة عليهم بغية الاستقلال بما في أيديهم و ثورة بني عبد الواد برئاسة يغمراس بتلمسان و دخول المرينيين المغرب، يوقف  المؤلف الأحداث و يفتح فصلا تحت عنوان : ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت في أول المائة السابعة (17) و فيها يذكر السنة و يدرج تحتها الأحداث التي يريد عرضها، سنة بعد سنة إلى النهاية ثم يتسأنف أخباره المعتادة من حيث أوفقها.
و الشأن في كتاب القرطاس كالشأن في شقيقه الذخيرة و لكنه بشكل يستوفي الملاحظة و يكررها، و إذا لم يتكرر هذا في كتاب الذخيرة كما هو الشأن في صنوه القرطاس فما ذلك إلا نتيجة الأسباب التالية :
1) للبتر الموجود به إذ لم يصل في الأحداث التي بين أيدينا في الكتاب إلى المرحلة التي عليه أن يتوقف فيها للقيام بنفس العملية، بدليل أن كتاب القرطاس لم يقم بدوره بهذه العملية إلا بعد تجاوزه للأحداث المبتورة من الذخيرة، بل لا نجدها إلا في نهاية الكتاب بالتاريخ لأبي سعيد المريني سنة 726 هـ (18)
2) لأن القرطاس يتناول مرحلة طويلة أمكن فيها لمؤلفه تطبيق عملية التلخيص و السرد عدة مرات.
ج- النسب الطويل الذيل للمرينيين في الربر و محاولة رببطه بالأصل العربي و هذا يتجلى في الكتابين بشكل يتطابق فيه أحدهما على الآخر يكتسح في الذخيرة عدة صفحخات، في الباب  الأول حين يتصدى لتمجيدهم (19) و تحت عنوان : الخبر عن نسبهم الصريح (20) مؤكدا بالنصوص الشعرية التي أدرجنا بعضها في نقطة أخرى.
و بالعودة إلى كتاب القرطاس نجد نفس الصنيع و لكنه بشكل أوجز كما يجب ذلك حسبما عرفنا في بحثنا السابق (21) فيشغل صفحتين منه مؤكدا بدوره أبيات عدة متفرقة.
د- الكلمات العامة أو البسيطة التي تدرجها في أسلوب كتابيه نقصد بها الدخيلة أندلسية كانت أو بربرية و كذا ذات الأصل العربي التي أرخصها الاستعمال الشعبي فاستنكف الكتاب من استعمالها في أساليبهم أو التي استعملها بشكل غير سليم و هكذا نجد كلمات مثل هذه :
شاية مضلعة – طهر بلاده من الفساد و الخواطئ – و كان إذا مرض أو توشوش عليه بلده – و فيها انفسد جمع الرئيس، في كتاب الذخيرة(22).
و مثل الخصة و البيلة – جبد الشرائط ترتفع القلاع – دار الوضوء – جناتها و بحائرها – الرمان السفري، و أمثالها من القرطاس (23)
إلا أننا رغم هذا و بالملقارنة نلاحظ أن كتاب الذخيرة أقل استعمالا للكلمات الرخيصة و العامية و أقرب إلى ذات الأصل العربي أو الاستعمال السليم في حالة بساطتها و إذا ما حاولنا تعليل هذه الظاهرة برزت لنا الأسباب التالية :
1) أن كتاب القرطاس كما عرفنا يؤرخ لمراحل متعددة تعرض فيها المؤلف إلى أماكن و أشياء يصعب عليه معها التنصل من ذكر أسمائها الشائعة التي لم يكن إدراجها في كتاب تاريخي مما يحرج لشيوع اللفظ أو اسمه العربي الغريب.
2) قد يرجع هذا إلى نقطة أخرى مهمة و هي أسبقية كتاب القرطاس بالتأليف على الذخيرة و بذلك يكون قد استفاد من تجربته الأولى ، و يؤكد ما ذهبت إليه من أسبقية القرطاس بالتأليف ما ذكره صاحبه أنه نقل من تقييد أبي علي الملياني بخط يده قال، و ذكر الخبر (24) بينما يردف في الذخيرة اسم ابي علي هذا الذي أخذ عنه بلفظ رحمه الله (25) فيكون قد كتب القرطاس قبل وفاته و الذخيرة بعد الوفاة بل نجده في الذخيرة يمزج قبل إيراد الأخبار بين العبارات قال المؤلف عفا الله عنه أو قال المؤرخ لهذا التاريخ رحمه الله أو مجرد، أي يترحم على الأموات ممن يروى عنهم و يسكت عن غيرهم من الأحياء، بينما لا نجد لفظ رحمه الله في القرطاس بتاتا مما يؤكد أنه كان إذ ذاك من الأحياء و لم يكن كذلك أثناء كتابته للذخيرة.
هـ- الوصف و النسب الذي يورده لكل ملك ترجم له في الكتابين.
حين نتصفح الأبواب في الذخيرة و عناوين القرطاس التي تتصدر ترجمات امراء المرينيين نجده يأتي بنسب ذلك الأمير و يصفه و يذكر مميزاته و كنيته و أخلاقه فيقول مثلا في الذخيرة في الباب الخامس :
هو الأمير أبو بكر بن عبد الحق بن محيو ... كنيته أبو يحى أمه حرة اسمها عرونت بنت ... مولده في سنة ثلاث و ستمائة – صفته رحمه الله، أبيض اللون مشربا بحمرة تام القد سبط الجسم حسن الوجه و العينين.. بطلا شجاعا ... عطاياه تعجز عنها الملوط.. كريم(26).
و لا يخرج القرطاس عن هذا النهج رغم الاقتضاب الذي التزم به، يقول عن أخ الأمير الموصوف في الذخيرة و لكن هذه المرة في القرطاس :
هو الأمير يحيى بن عبد الحق بن محيو ابن أبي بكر بن حمامة الزناتي .. كنيته أبو يحيى أمه الحرة العبد الوادية، كان أبيض اللون مشربا محمرة تام القد بسيط الجسم حسن الوجه.. شجاعا.. و كان مع ذلك يعطي عطاء تعجز عنه الملوك ... وافيا بالعهود(27)  و أمثال هذا كثير في أغلبية الأمراء إن لم يشملهم جميعا.

ثالثا – جرد مقارن عن تطابق الكتابين
رغم أن النقط السالفة تحمل مقارنتها في ذاتها بين الكتابين إلا أن هذا لا يمنعنا من تقديم جرد مسلسل يظهر التوأمة التي تربط الكتابين رغم تلافي تكرار الفصول المدرجة و دفعا للمشقة و تيسيرا على القارئ في تتبع المقارنة فقابل بين النصوص :

القــرطــاس
* قال المؤلف عفا الله عنه، أما بنو مرين فهم أعلى قبائل زناتة حسبا و أشرفها نسبا و أغزرها كرما و أحسنها شيما و أرعاها ذمما و أرجحها أحلاما و أشدها في الحروب بأسا و إقداما و أكثرها دينا.
لهم شرف النجار و حفظ الجوار و حماية الدمار و وقود النار و إكرام الضيف و الضرب بالسيف و البعد عن الغدر و العار و الحيف ..الخ.

(28) الذخيـــرة السنيــة
* قال المؤلف عفا الله عنه أما بنو مرين فبهم أقام الله تعالى في المغرب الدين ..
و هم أعلى قبائل زناتة حسبا و أشرفها نسبا و أعزها كرما و أحسنها شيما و أزكاها ذمما و أرجحها أحلاما و أنفذها رمحا و أمضاها حساما و أشدها في الحروب بأسا و أكثرها إقداما..
لهم شرف النجار و حفظ الجوار و حماية الذمار و وقود النار و إكرام الضيف و الضرب بالسيف و البعد عن الغدر و العار و الحيف..


القــرطــاس
* لما أراد الله إظهار الدولة السعدية المرينية المباركة العبد الحقية و نسخ الدولة الموحدية المومنية لما سبق في علمه و قدره و من مبرم حكمه كان من تقدم من ملوك الموحدين أولي حزم و رأي و دين إلى أن كانت وقعة العقاب فأذنت لدولتهم بالذهاب ...
(29) الذخيـــرة السنيــة
* لما أراد الله إظهار الدولة السعدية المرينية المباركة العبد الحقية و نسخ الدولة الموحدية المؤمنية لما سبق في علمه و قدره في ساببق قضائه و مبرم حكمه ..
و كان من سلف و تقدم من ملوك الموحدين أولي حزم و رأي و دين إلى أن كانت وقعة العقاب التي أذنت لدولتهم بالذهاب.
* و في شهر ذي الحجة من سنة ثلاث عشرة المذكورة زحف الأمير أبو محمد عبد الحق بجيوش مرين إلى رباط تازا .. فخرج لحربه عاملها في جيش كثيف من الموحدين و العرب و الحشود من قبائل تسول و مكناسة و غيرهم فقتل العامل و هزم جيشه و جمع الأمير أبو محمد الأسلاب و الخيل و السلاح و قسم ذلك كله في قبائل مرين.
(30) * دخل شهر ذي حجة سنة ثلاث عشرة و ستمائة المذكورة آنفا فزحف بمن معه في أجناد مرين إلى أن نزلوا بالقرب من رباط تازا .. فأنف من ذلك عامل الرباط و اغتاظ و استشاط و جمع من كان عنده من الموحدين و العرب و حشد القبائل المجاورين له و خرج لحربه فالتقى الجمعان فكانت بينهما حروب شديدة فقتل فيها عامل الرباط و هزم جيشه و نهب عسكره بأمر الأمير أبي محمد عبد الحق فجمع السلب و الخيل و العدة و أحضر ذلك كله بين يديه فأعطى الخيل لمن لم يكن له فرس من قومه و قسم المال و السلب و السلاح في قبائل بني مرين .. الخ.
و في سنة أربع و ستمائة جدد سور مدينة وجدة و فيها أمر الناصر ببناء دار الوضوء و السقاية بإزاء جامع الأندلس بفاس و جلب إليها ماء العين ... و فيها بنى الباب الكبير المدرج الذي بصحن الجامع المذكور ... و فيها بني مصلى عدوة القرويين .. الخ.
(31)
 
 * و في سنة أربع و ستمائة جدد سور مدينة وجدة، و فيها أمر الناصر ببناء دار الوضوء و السقاية بإزاء جامع الأندلس من مدينة فاس و بها توفي، و فيها فتح الباب الكبير المدرج الجوفي بصحن الجامع المذكور، و فيها بنيت مصلى القرويين القديمة.
و في سنة ست و خمسين و ستمائة في رجب منها مرض الأمير أبو يحيى بمدينة فاس فمات بها بعد أيام حتف أنفه و دفن بباب الجيزيين من أبواب عدوة الأندلس بإزاء قبر الشيخ الفقيه الصالح أبي عبد الله محمد الفشتالي ..الخ.
(32) * السنة السادسة و الخمسون و ستمائة، فيها توفي الأمير أبو يحيى بن عبد الحق حتف أنفه بقصره من قصبة فاس مرض بها ثمانية عشر يوما و توفي يوم الخميس منسلخ جمادى الأخرى منها و صلى على جنازته صبح يوم الجمعة مهل رجب بجامع الأندلس و دفن بباب الجيزيين من أبواب عدوة الأندلس بإزاء قبر الشيخ الفقيه الصالح أبي محمد الفشتالي ..الخ

القــرطــاس
* ثم خرج إلى تلمسان و ذلك في الخامس عشر من شهر محرم من سنة ست و ستين و ستمائة في احتفال عظيم و زي عجيب بالقباب و العيال و الجيوش الوافرة و الركاب و الأموال فسمع يغمراسن بإقباله فخرج إلى تلمسان للقائه و قتاله فالتقى الجمعان بوادي تلاغ.
(33) الذخيـــرة السنيــة
* خرج إليها من حضرة فاس في النصف من ربيع الأول من سنة ست و ستين  المذكورة في احتفال عظيم و زي عجيب بالعيال و المراكب و القباب و الجيوش الوافرة و العدد و السلاح و السيوف الباترة ، و سمع يغمراسن بإقباله فاستعد و تأهب للقائه فالتقى الجمعان بوادي تلاغ.
* قال المؤلف عفا الله عنه لما تواترت الرسل و تتابعت الكتب على أمير المسلمين من ابن الأحمر يستدعيه للجواز و يستنصر به، خرج من مدينة فاس في أول يوم من شوال من سنة ثلاث و سبعين المذكورة حتى وصل إلى طنجة فبعث إلى الفقيه أبي قاسم العزقي و أمره بتعمير الأساطيل لجهاد المشركين
(34) * و قال صاحب التاريخ رضي الله عنه لما تواترت الرسل و تتابعت الكتب على أمير المسلمين أبي يوسف رحمه الله من ابن الأحمر و ابن اشقيلولة يستنصرونه و يستدعونه إلى الجواز و الجهاد خرج ملبيا دعوتهم .. فسار حتى نزل مدينة طنجة فكتب منها إلى الفقيه أبي القاسم العزقي صاحب سبتة يأمره بعمارة الأجفان الغزوانية لجهاد المشركين.

إن الجرد الذي قمت به حاولت جهدي اختصاره دفعا للملل الذي لابد و أن يتسرب إلى القارئ، إن تعدى حدوده و أما الواقع فالكتابان بشكلهما يصلح تقديمهما معا كمقارنة بديون مبالغة، و على من أراد المزيد من الفرجة العودة إلى الكتابين .
رابعا- ملاحظات متنوعة
كان بالإمكان دمج هذه الملاحظات تحت إحدى النقط السابقة و لكني ارتأيت نظرا لأهميتها الخاصة و المنفرد أن أخصها بعنوان مستقل و هي بدورها تساهم في الإيمان بأخوة الكتابين و بأن كاتبهما واحد.
الملاحظة الأولى : اعتماد المؤلف ضمير المتكلم في ديباجتي الكتابين يقول في القرطاس :« و إني لما رأيت مكارم دولته السعيدة ... أردت خدمة جمالها .. بتأليف كتاب .. يخبر بنبذ من أخبار ملوك المغرب .. و أذكرهم أميرا بعد أمير .. أبذل فيه جهدي و اظهر جلدي، فاستخرت الله تعالى في تأليفه و استعنته في تقييده، فسهل الله تعالى ما أردته، فألفت هذا المجموع المقتضب اتقيت جواهره سوى ما رويته عنه .. و قيدته .. و حذفت في الإسناد .. و جعلته كتابا مخرجا على التوسط .. و سميته ..(35)
و في ذيباجة الذخيرة يقول : « و إني لما رأيت الخلافة العبد الحقية .. أردت خدمة جلالها .. بتأليف كتاب أؤرخ فيه أيام الدولة .. أخلد فيه محاسنها و أسطر فيه .. و أذكر عزواتهم معتمدا في جميع ما أذكره على ما شهدته و قيدته و ما رويته عمن أثق به من الأشياخ و الثقاة و نسخته على عشرة أبواب(36) و سميته الذخيرة السنية .. و الله سبحانه يعين على ما أردته و ينجح القصد فيما أملته و رجوته(37)

الملاحظة الثانية : أخذه في الكتابين عن تقييد واحد، فقد جاء في الذخيرة السنية « ذكر الفقيه الكاتب البارع أبو علي الملياني رحمه الله في نسبهم ما نذكره إن شاء الله و نقلته من تقييده بخط يده قال »(38)
وجاء في القرطاس : « نقلت من تقييد الفقيه أبي على الملياني بخط يده قال »(39)
الملاحظة الثالثة : استعماله لألفاظ ليست في المشاع من الأساليب أو المطروق منها و هذه بعضها في الكتابين :
لفظ « السني » فبعد أن وردت كنعت للذخيرة جعلها في عنوانين داخليين متشابهين لكل من القرطاس و الذخيرة في قوله : « دخولهم المغرب و ظهور ملكهم السني المعجب »
و لفظ « المومنية » لنعت الدولة الموحدية بقوله : و نسخ الدولة الموحدية « المومنية » مثلا و كذا الشأن في عبارة « العبد الحقية » في وصف الدولة المرينية(40)
و هكذا نأتي على آخر نقطة لنا في الموضوع حسب التصميم الذي التزمناه فعسى أن يكون هذا مساهمة في رد الحق إلى نصابه و حمل الكتاب لاسم مؤلفه ..

(1)  العدد التاسع السنة الرابعة عشرة (دعوة الحق)
(2)  القرطاس ص 1.
(3)  الذخيرة السنية ص 8.
(4)  الذخيرة السنية ص 7.
(5)  الذخيرة السنية ص 3.
(6)  القرطاس ص 199 – الذخيرة ص 13.
(7)  القرطاس ص 199 – الذخيرة ص 15.
(8)  الذخيرة ص 16 – القرطاس ص 199.
(9)  الذخيرة ص 16 – القرطاس ص 199.
(10)  الذخيرة ص 16 – القرطاس ص 200.
(11)  الذخيرة ص 25 – القرطاس ص 201.
(12)  الذخيرة ص 25 – القرطاس ص 201
(13)  الذخيرة ص 42 – القرطاس ص 194.
(14)  الذخيرة ص 63 – القرطاس ص 207.
(15)  الذخيرة ص 101 – القرطاس ص 214.
(16)  الذخيرة ص 182 – القرطاس ص 230.
(17)  الذخيرة ص 38.
(18)  القرطاس ص 226.
(19)  الذخيرة ص 8.
(20)  الذخيرة الصفحات من (9 إلى 11)
(21)  دعوة الحق العدد التاسع السنة الرابعة عشرة
(22)  الذخيرة صفحات : 60-52-28-64-185-57..
(23)  القرطاس : صفحات 18-19-28-25-40-44-45-82-194..
(24)  القرطاس ص 197.
(25)  الذخيرة ص 9.
(26)  الذخيرة ص 67
(27)  القرطاس ص 208.
(28)  القرطاس ص 197 – الذخيرة ص 8.
(29)  القرطاس ص 200- الذخيرة ص 22.
(30)  القرطاس ص 204 – الذخيرة ص 32.
(31)  القرطاس ص 194 – الذخيرة ص 40.
(32)  القرطاس ص 212 – الذخيرة ص 91
(33)  القرطاس ص 218 – الذخيرة ص 131.
(34)  القرطاس ص 225 – الذخيرة ص 163.
(35)  القرطاس ص 3.
(36)  الذخيرة ص 6.
(37)  الذخيرة ص 8.
(38)  الذخيرة ص 9.
(39)  القرطاس ص 198.
(40)  الذخيرة ص 22 و القرطاس ص 200.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here