islamaumaroc

دراسة علم التاريخ بالمغرب

  دعوة الحق

145 العدد

هذا بحث قيم حول دراسة علم التاريخ بالمغرب كان الأستاذ المؤرخ المرحوم الحاج امحمد بنونة رحمه الله بعثه لمؤتمر طلبة الشمال الإفريقي  المنعقد بفرنسا قبل الاستقلال، و قد وجده الأستاذ السيد محمد الطنجي رئيس قسم الوعظ بوزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية ضمن أوراقه الخاصة و بخط الكاتب الأديب، فاستأذن بعض ورثته في نشره بمجلة « دعوة الحق » لما فيه من الفائدة حول دراسة تاريخ المغرب بالقرويين، و كيف ينبغي تصنيف هذا التاريخ، و أن يكون بمجموع الشمال الإفريقي نظرا للوحدة التي كانت قائمة بين الأقطار الثلاثة : تونس – الجزائر – المغرب ، حتى يشكل دائرة معارف تاريخية تكون أسمى مرجع للأساتذة و المؤلفين و الطلبة، و بذلك نكون قد أدينا – يقول الأستاذ المرحوم – بعض الواجبات نحو وطننا المشترك.

نحن الآن إذا تكلمنا في هذا الموضوع عن دراسة علم التاريخ بالمغرب فإنما سنسرد عليكم وصفا للدور الأخير من حياتنا، و تبين رأينا في كيف يجب أن يدرس هذا العلم القيم. إذ ليس لنا من الوقت ما يسمح بغير ذلك. ( فعلى الطبيب أن يبحث في أسباب المرض المباشرة و التي أدت فعليا إلى انحطاط القوى ليستخرج الدواء، و ليس عليه أن يبحث عن تفصيل دقائق حياة المريض إلا بحسب المناسبات، و لسنا في حاجة و لا مضطرين إلى تلك المناسبات التي قد لا نصل معها إلى غايتنا المنشودة، أو نصل إليها و لكن بعد تطويل ممل. و قد تكون النتيجة ليست بذات قيمة في نظر المحقق خصوصا إذا لاحظنا فقر الخزانة المغربية من هذه الناحية ).
لم يكن علم التاريخ على جلالة قدره و عظمة منفعته من المواد الأساسية المحوطة بكامل العناية بكلية القرويين و فروعها بباقي المغرب، و لم نعلم فيما نعلم أنه كان يدرس لا بصفة عامة و لا بصفة خاصة، و لم تكن له حلقة بين حلقات الألفية و الأجرومية و الشيخ خليل و العاصمية و غيرها. و كل ما هناك أن الطالب الذي يريد أن يتخرج في علم الأدب يرى نفسنه مضطرا بحكم الحرفة الأدبية أن يضطلع على بعض العصور من التاريخ الإسلامي و آخر عصور الجاهلية، و نحن إذا فحصنا دراسته هذه بمجهر البصيرة نجدها قاصرة على الناحية الأدبية من التاريخ و نجده راميا وراءه الناحية السياسية و الناحية الاجتماعية و الأخلاقية و الفنية و الاقتصادية و العلمية و غيرها، فتراه يحفظ أصول الأمثال و نوادر مستظرفة و لطائف مستملحة و يستظهر عدة عصائد لشعراء  مخلتفي الذوق و القصد و الغايات و بعبارة فلم يكن الأديب أكثر من كشكول لقصص و نكات تاريخية  لا تجمعها جامعة ولا ينظمها علم بقواعد و أصول، و إنما هي محفوظات تحلى بها مجالس السمر، حتى إذا خلقت من كثرة الاستعمال عمد إلى أسفار التاريخ واستقى منها غيرها ليستجد بها أحاديثه، و هكذا كان شأن الطالب المضطر إلى دراسة التاريخ، و هناك طائفة أخرى كانت تدرس التاريخ و تتخرج فيه بنفسها لنفسها، و من بين هذه الطائفة وجد بعض الرجال ألفوا كتبا أسموها بالتاريخ، و الحق أن أبوابها و عناوين فصولها تاريخية، و لكن الواقع أنك إذا نقدتها لم تجد أكثر من سرد حوادث و تراجم أشخاص من الأولياء و الفقهاء و الملوك و غيرهم، و إنما هذا لا يمنع من تصريحنا أنها مادة قيمة و مراجع مفيدة لمن وفقه الله لتأليف تاريخ وطني للمغرب بطريقة فنية على الأسلوب العصري القويم. و بعد فإنك ترى أننا لم ندرس هذا العلم الجديد دراسة منظمة و لا غير منظمة بكلية القرويين و لا بفروعها، و كل ما هناك أننا طالعنا كثيرا و اطلعنا على أن هذا العلم مغبون في بلادنا و أن الكتب المتداولة منه لا تصلح لأن تكون مادة درس سواء للدراسة الابتدائية أو الثانوية أو العالية، بسبب تخليطها المسائل و لصعوبة فهم بعضها أو غير ذلك من الأمور التي تسلبها ثوب الفن القشيب.
إذن يجب علينا أن نفكر في أسهل السبل للوصول إلى هذه الثغرة في حياتنا العلمية الجديدة و قبل أن نعرض عليكم اقتراحنا في هذا الموضوع نرى أن لا بأس من تبيين رأينا في كيف يجب أن يؤلف و يدرس هذا العلم القيم !
ليس في استطاعة أحد أن ينكر ما لدراسة التاريخ من الفضل العظيم على المشتغلين بتحصيله زيادة على ما يجدون في دراسته من اللذة و الانشراح، ففي التاريخ يطلع الإنسان على تراجم مشاهير الرجال و على حياتهم و ما أتوا فيها من أعمال الشجاعة و الإقدام و ما قدموه من الثمرات الجليلة بمن أعجب بهم من أبطال الأمم و بذلك ينشأ عنده حب الوطن و استرخاص كل نفيس في سبيل نفعه، و يزداد هذا الحب عنده كلما رأى ما يدل على عظمة أسلافه و حضارة بلاده. و في التاريخ تتولد في التلميذ  قوة الحكم و دقة الملاحظة و ملكة النقد فيستطيع بعدئذ أن يفرق بين الغث و السمين. و إذا كان أحد فلاسفة الإغريق يقول : أن في تعليم التاريخ تعليما للفلسفة  بالأمثلة، فإنا نرى أن التاريخ من أكبر العوامل التي تحرك العواطف و تنبه الالتفات فيتسع نطاق النخيل و تتربى به ملكة الاستدلال و التعليل باعتياد تتبع الأسباب و النتائج،  في نحو ارتفاع أمة أو انحطاطها أو انقلاب في نظام الحكومات أو اختراع علمي أو اكتشاف جغرافي، و لا ريب أن لمعرفة مثل هذه الحقائق قيمة في ذاتها.
إذا تقرر هذا فإنا نرى : أن تقسم دراسة التاريخ من حيث الموضوع إلى ثلاثة أقسام :
1- التاريخ العام المحتوي على دراسة التاريخ القديم و المتوسط و الحديث.
2- التاريخ الإسلامي، ليطلع التلميذ على ما لحضارة الإسلام من الأثر العظيم في حياة البشر و على ما جاء به صاحب الشريعة الإسلامية من المبادئ العالية التي كانت العامل القوي في تحرير الإنسان من استعباد الإنسان، و على ما قام به رجال التاريخ الإسلامي من الأعمال الجليلة فينشأ مسلما بالمعنى الكامل.
3- التاريخ الوطني، و هذا القسم يجب أن يتناول جميع النواحي بتفصيل تام فيبدأ من عصر ما قبل التاريخ و ينتهي بالعصر الحاضر و يدرس في جميع أدواره بتدقيق كاف و بحث ضاف.

أما كيفية تدريس أو تأليف هذه الأقسام الثلاثة فارى أن من الواجب على المدرس أو المؤلف أن يرمي في كتابه التاريخ أو تعليمه إلى ما يأتي :
1) إعطاء المعلومات التاريخية للتلاميذ بحيث يمكنهم من أداء واجباتهم على أنهم وطنيون يتبعون العقل و الروية.
2) تحري الحقائق في وصف أبطال التاريخ و جعل كل في المرتبة التي يستحقها.
3) جعل أحوال الشعوب التي يبحث في تاريخها أساسا لدراسة التاريخ، و ينبغي ألا يقتصر على الوقائع.
4) تعويد التلاميذ حدة الملاحظة فيما يختص بالحالة التي هم عليها سياسيا و اجتماعيا و البحث معهم في الحوادث المهمة.
5) جعل الدروس التاريخية دائرة حول حب الوطن و العظمة بأعمال السلف.

6) جعل الحد الفاصل بين الغث و السمين واضحا، و هذا من أشرف الأغراض التي يجب أن يرمي إليها المدرس.
7) تخريج تلاميذ مجبولة نفوسهم على حب الحرية و الاستقلال و الشعور بالواجب و الاتصاف بمكارم الأخلاق و الإعجاب بالشجاعة و بالمروءة و بالظفر بحق، و الافتخار بالسلف و إتباع الكريم من أخلاقهم و الشريف من أعمالهم و بالجملة الحرص على قائدة الوطن.
هذه بعض النقط التي رأيناها واجبة من الناحية العلمية و الوطنية و التي يلزم أن يلاحظها كل مؤلف أو مدرس للتاريخ.
أما الوصول إلى سد هذه الثغرة في حياتنا العلمية الحديثة من أقرب السبل، فإنا نقترح على أعضاء المؤتمر الكرام ما يأتي :
لا ريب أن كل من يضع أمامه خريطة إفريقيا يرى أن ما بين مدينتي تونس و طنجة وطن واحد ترتبطه طبيعيا تاريخيا وحدات الأطلس متعددة من قومية إلى دينية إلى سياسية على اجتماعية على لغوية، و تحكم هذه الروابط حلقات متينة هي حلقات الجنسية المغربية التي يشعر بها كل تونسي و جزائري و مراكشي من نفسه. و من غير أن يوحى إليه بها. فلا حدود طبيعية تفصلنا و لا دين يفرقنا، ندرس حياة « أنبال » كما ندرس تاريخ عبد المومن ابن علي و كل ذلك شاهد عدل على أننا أمة واحدة مهما فرقتنا الأطماع السياسية الحديثة و إذا كنا أمة واحدة و عنصرا واحدا و نريد أن نعمل لإحياء وحدة شمال إفريقيا يجب علينا أن ندرس تاريخنا دراسة متحدة تكفل للتلميذ أن يخرج من المدرسة و قد رضع من ثديها لبان هذه الحقيقة الواضحة العمل ليخير هذا الوطن الواحد وطن الأمازيغ الأباة و القحطانيين الأحرار و ليس بيننا و بين هذه الغاية المنشودة إلا أن تؤلف لجان في كل قسم من أقسام وطننا المغرب المحبوب « تونس والجزائر و مراكش » و تعني بوضع تاريخ وطني للمغرب على الطريقة الفنية و على أحدث طراز في التأليف، و تكون هذه اللجان تحت رعاية المجلس الإداري لجمعية طلبة شمال إفريقيا المحترمة. و مرتبطة ببعضها، متحدة في أبحاثها، و بعد وضع التأليف المدرسي للمراتب الثلاث حسب تقسيم علماء التربية يجب علينا أن نشرع في تأليف دائرة معارف تاريخية مغربية تكون أسمى مرجع للأساتذة و المؤلفين و الطلبة، و بذلك نكون قد أدينا بعض الواجبات نحو وطننا المشترك. و الله الموفق.
أما نفقات التأليف و الطبع و الترجمة و النشر فإني أرى توزيعها على أقسام وطننا المغرب المحبوب. و ما يستفاد من ريع هذه التأليف فيرجع لصندوق جمعيتنا المحترمة و للمؤتمر حق توزيع الأعمال على هذه اللجان و تعيين أوقات البدء و أمكنة الاجتماع إن اقتضت المصلحة ذلك، و على لجنته التنفيذية أو مجلس الإدارة أن يشرف على سير الأعمال أيام غياب المؤتمر.
هذا اقتراحنا نعرضه على المؤتمرين الكرام و نود منهم أن يناقشوه و يكملوه إن كان به نقص إذ أفكار الجماعة غير أفكار الفرد، و يد الله مع الجماعة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here