islamaumaroc

السمط في خبر السبط

  الحسن السايح

19 العدد

يعتبر ابن الآبار من الكتاب الأندلسيين ذوي الأسلوب الرائع المحكم، سيما حين يطلق عنان شجيته فتنساب فياضة في تعابير رقيقة ومفردات منتقاة وقالب جميل الصوغ، وليس الموضوع في هذا الحديث إلا التعريف بمخطوط صغير من كتب هذا العالم الأندلسي التي كتب لها أن تنجو من الحريق الذي شب في كل كتبه بعد إعدامه حرقا في تونس، وهذا المؤلف ليس مجهولا عند المؤرخين بل إن كثيرا منهم ذكروه واقتطفوا منه وإنما عثرت عليه كاملا فأردت أن أقدمه للقارئ الكريم مؤملا ان يقدر له الطبع فيتملى الأدباء بأسلوبه الرائع وتعابيره الرقيقة.
وقد سمى ابن الآبار كتابه(بالسمط في خبر السبط) وقبل أن أقدم الكتاب نقدم ترجمة لمؤلفه إذ ربما نلقي بهذه الترجمة ضوءا على الأسباب التي حدث بالمؤلف إلى أن يكتب كتابه هذا، لنصل على تثمين هذا الكتاب ذي الأسلوب الشعري والتعبير الإنشائي البليغ:
أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن الآبار القضاعي ولد في بلنسية سنة(595) خمسمائة وخمسة وتسعين وتوفي في تونس سنة 658 ستمائة وثمانية وخمسين الموافقة لسنة 1259 ميلادية وأخذ العلم بمسقط رأسه بلنسية وهي مشهورة بالعلماء والأدباء والكتاب والشعراء، لذلك كانت بلنسية عظيمة الأثر في تكوين عقليته وتكييف ذكائه، ولذلك أيضا أصبح أمام في العربية وعلومها، كما قال مترجموه القدماء، وأصبح مالكا لناصية البيان عظيم الإطلاع على أسرار البلاغة، بارعا في الحديث وأسانيده واسع الثقافة.
حتى قال الغبريني عنه في كتابه القيم(عنوان الدراية) أنه لا يكاد كتاب من الكتب الموضوعة في الإسلام إلا وله فيه رواية أما بعموم أو بخصوص، وكان هذا الإطلاع عظيم الأثر في فكره العلمي حيث يعتبره المترجمون مؤرخا وأدبيا وكاتبا وشاعرا ومحدثا وفقيها ومؤلفا أيضا وقد كانت نهاية هذا الأديب بتونس حيث مات بها قتيلا سنة 658 ثمانية و خمسين و ستمائة و ما اشبه مصيره بابن الخطيب في فاس فقد تشابهت نهايتها فسجنا ثم قتلا وأحرقا وكانت مأساة ابن الأبار أعظم من مأساة مواطنه ابن الخطيب حيث أحرق ابن الآبار مع كتبه وأوراقه ودواوينه الشعرية فلم يمت وحده بل ماتت بجابنه آثاره الفدة...
وبلغ إلينا من تأليفه كتابه المشهور تكملة الصلة أي(صلة ابن بشكوال) الذي وضعه لأبي الربيع ابن سالم الكلاعي، وقد دامت صحبتهما بضعا وعشرين سنة، وألف معجم أصحاب ابن العربي المعافري ومعجم أصحاب الصدمي ومعجما لروايته الحديثيه، كما ألف في الحديث أربعين حديثا متنوعة سماها بالأربعينات وألف اللجين في مرائي الحسين الذي قال عنه الغبريني في عنوان الدراية( ولولم يكن له إلا كتاب اللجين في مرائي الحسين لكفاه في ارتفاع درجته وعلو منصبه وسمو رتبته( ألف في تاريخ الأندلس، الحلة السيارة تبتدئ بموسى بن نصير، وألف في الشيعية كتاب(السمط بأخبار السبط) وهو من أنفس كتبه ويروى عنه صاحب النصح كثيرا...وقد أكبر جل المترجمين ابن الأبار فوصفه ابن خلدون في تاريخه بحافظ عصره العلامة في الحديث ولسان العرب البليغ في الترسيل والشعر أما عن سبب دخوله إلى تونس فذلك أن الأسبان لما تغلبوا على بلنسية انتقل بأهله إلى تونس ونزل على سلطانها أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد ابن أبي حفص وقد قدره الأمير التونسي فقلده وظيفة كتب العلامة في صدور مكاتبته ثم عزله وولى مكانه أبا العباس الغساني لكونه يحسن كتابتها بالخط الشرقي فكان هذا سبب سخط ابن الآبار ومن هنا وعلاقته تسوء مع الأمير الحفصي إلى أن طرده نهائيا من قصره ولكن ابن الآبار استشفع بابنه المستنصر فسامحه وعاد إلى وظيفته، ولما مات أبو زكرياء خلفه المستنصر فرفع من شأن ابن الآبار وجعله يحضر مجلسه ولكن علاقته ساءت من جديد مع المستنصر، ولعل ابن الآبار كان يصيب المستنصر بسهام نقده وتهكمه سيما وقد أتهم بقصيده فيه مطلعها:
طغى بتونس خلـق                              سموه ظنـا خليفـة
وكان هذا بداية محنته بل بداية مصيره المفزع الذي انتهى بقتله ومن محاسن الصدف أن عثرت على كتابه القيم«السمط بأخبار السبط»  وهو مخطوط عزيز الوجود، يشرح مذهبه العقيدي وإيمانه الشيعي
وسأقتطف منه للقارئ بعض الفصول الممتعة مؤملا أن يطبع عما قريب.
يقول في السبط:
أي بني الطلقا- ما أقعدكم عن الأبقا، وأقامكم إلى العنقا، كبرت أن تصاد، فعليكم الاقتصاد ولا تقيموا الأرصاد، إياكم والشماتة فلن تدركوا ذلك الأحياء ولا تلك الإماتة.

فيـم الشـماتة إعلانـا بأسد وغـى               أفنانهم الصبـر إذ أبقاكـم الجـزع
لا غرو أن قتلوا صبـرا ولا عجب             فالقتل للصبـر في حكم الفنا تبـع
الحق أبلج،والباطل لجلج، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ربما ارتاب ناظر في هلكة العلوية وملكة الأموية وشفاء ما به قريب، إن كان له من الفهم نصيب، الأنبياء أشد الناس بلاء، ثم الذين يلونهم فضلا، ما كانت خديجة لتأتي لخداج، ولا الزهراء أن تلد إلا الأزهر كالسراج مثل النحلة لا تأكل ولا تلد إلا طيبا، خلدت بنت خويلد ليذكو عقبها من الحاشر العاقب ويسمو مرقبها عن النجم الثاقب،،،(ويقول في الإمام علي(ك لما رجع علي فعلا، صلح لفاطمة بعلا، الطيبات للطيبين والطيبون لطيبات فازت بعصمتها فداحه، واورى في خطبتها اقتداحه، فلم تكن تصلح إلا له ولم يك يصلح الا لها، لا جرم أن من تصدى لها صد، أو تردد في شأنها رد، حتى حسده صنفه، ذلك الفحل لا يقرع أنفه، ولو رامها أحد غيره لزلزلت الأرض زلزالها، ما أدل نقد الحمراء الدلاص على الثقة بالإخلاص، دفع إليها جنة الحرب وعرض نحره للطعن والضرب.
تهـون علينـا فـي المعالـي نفوسنـا                  ومن خطب الحسنـاء لـم يغلـه المهر
أقرضته النبوءة مـا اقرضها ناجله، وزيد المصاهرة فاقصر مساجله.
وفي تعب مـن يحسد الشمس نورهـا                ويجهـد أن يأتـي لهــا بضريـب
ويقول في السبطين"
اقتحم،(كذا بالأصل والصواب اقتسم) السبطان، على رغم أنف الشيطان خلق جدهما النبي، وخلق ابيهما الوصي، فؤدي أكبرهما  بما أذى( الصواب أوذي) به الأكبر، ولقي أصغرهما الموت الأحمر.
وأنا لقـوم ما نرى المـوت سبـة                     إذا مـا رأتـه عامـر وسلـول
تبعالأول في ذلك الأخر، وخاضا بحر السهول وهو زاخر.
كـانت مـآثـم بالعـراق تعدهـا                        أمـويـة بالشـام من أعيـادهـا
فكيف توسي الكلام، أو يتأسى الإسلام، وعلى الدهر من دم الشهيدين علي ونجله شاهدان، فهما في أواخر الليل فجران، وفي أوليته شفقان، ثبتا في قميصه ليجيء الحشر مستعديا إلى الرحمن، وأسافاه الب على الرسول أبو سفيان، ولاكت كبد حمزة هند، ونازع حق علي معاوية، واحتز هامة الحسن يزيد، لقد علقوها بالنبي خصومة إلى الله تغنى عن يمين وشاهد، (ويقول في فتنة كربلاء)
وكان ابن سرحون أشار على يزيد بتقديم يزيد عبيد الله وهو إذ ذاك عنه شاحط، وعليه فيما ذكر ساخط، فكتب إليه برضاه وجمع له أدنى العراق وأقصاه، فأعفى الركايب من مهلها ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها، لا يمر بمجلس من مجالس القوم مسلما وقد قدم من البصرة متلثما إلا قالوا وعليك السلام بابن بنت الرسول يحسبون أنه الحسين، وهيهات لا يشبه الشبه اللجين، عاشت سمية ما عاشت وعلمت أن ابنها في قريش في الجماهير، وقبل قتل مسلم حرص على ملمع بخبره معلم، فاسر إلى ابن سعد بن أبي وقاص، مقدم الحسين في الخيول والقلاص، رجاء أن يرجع ادراجه ويدع إلى موبقة استدراجه فباح لعبيد الله بذلك وارتاح لإشعاره ما هنالك وقد أمره بالكتمان وحذره خون الايتمان، فمن أجلها أخرجه لقتاله وجهزه في أربعة آلاف من رجاله. (ويقول في قتل الحسين):
في عاشر محرم أبيحت المحرمات، وأفضيت على النور الظلمات، فتفاقم الحادث، وحمل على (الطيبين الخبايث(صوابه الأخابث) وضرب البسط على عاتقه ويسراه، وما أجرا من أسال دمه وأجراه، ثم قتل بعقب ذلك ذبحا، وغودر يبكي حتى العاديات ضبحا، أجزاء حاملة الحلي، وأشلاء كرمن على البلى.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here