islamaumaroc

التصور الإسلامي للإنسان

  دعوة الحق

145 العدد

الفلسفة كلها تساءل للإنسان عن الإنسان. و ما يثيره البشر من موضوعات حول اإنسان لا يكاد يعدو أسئلة ثلاثة : ما الذي يمكنني أن أعرفه ؟ و ما الذي ينبغي لي أن أعمله ؟ و ما الذي أستطيع أن آمله ؟ .. و هذه الأسئلة الثلاثة تتلخص في سؤال واحد ما هو الإنسان ؟ (1) 
ففي ذهن الإنسان ( ماضيا و حاضرا ) نبتت أسئلة  أجاب عليها بعقله الذي يحمله حملا، و يفكر به تفكيرا .. فأبدع و أفتن في الإجابة حتى خرج من إطار الفلسفة إلى إطار العلم، فدرست بعناية أعضاء الإنسان، لحمه وعظامه، أنسجته ونخاعه. مخه وأعصابه، و نشأت علوم مختلفة متنوعة تحوم حوله. و رغم هذا و ذاك ظل السؤال قائما ثابتا في عقول الناس سواء في الفلسفة حيث كل عقل عقل يريد أن يرضي تساؤله أو في العلم الذي جهله مطبق. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.(2)  
إلا أن الإنسان المشكلة عند الفلاسفة المجهول عند العلماء، له صورة و تفسير في أذهان الناس قد يكون أكثر أهمية و أعمق أثرا في الحياة. فإنسان الإغريق، هو الإنسان المصارع للآلهة السارق لنار المعرفة، المعذب بحقد الآلهة و وحشيتهم !
و إنسان الرومان، هو الإنسان الغارق في بحر الملاهي و الملذات، المنغمس في الشهوات، الذي نسي الآلهة و أعرض عنها ، و أماتها في نفسه و مجتمعه و لم تعد إلا تماثيل و صور لا أقل و لا أكثر !!
و إنسان المسيحية الوثنية هو إنسان الخطيئة ، إنسان الذل و المهان، إنسان الإثم و الرهبنة(3) .
و إنسان النهضة ، هو إنسان العقل الإله، إنسان الثورة على الإله المسيحي الوثني.
و إنسان الحضارة الغربية، هو إنسان التفاهة و الضآلة، إنسان العودة إلى الحيوانية المتمردة على الله و البيئة، إنسان العبث و القتل و الجريمة، إنسان المنفعة و الرياء ..
هذه هي التصورات التي انطبعت في أذهان الناس حول الإنسان عبر التاريخ الجاهلي، و مارسوها عمليا في مجتمعاتهم فأصبحت علما لهم، و ميزة يمتازون بها عن بعضهم البعض. و هي تفسيرات إنسانية.

التفسيرات الإنسانية المعاصرة للإنسان :
التفسير الإنساني للإنسان، تفسيرات إنسانية جاهلة ( غير إسلامية ) تنطلق من الإيمان بالإنسان و لا غير الإنسان، تلحد و تتمرد، تكفر و تعبث، و غايتها التمتع بمتاع الدنيا و التيه في نعمائها، و هي في حقيقتها تعبر عن واقع نفسيتها و ظروفها و طبائعها التي كونتها في الحياة، فكونت لنفسها قاسما مشتركا يجمع شملها و إن تفرقت مذاهب شتى تجعل الرأي يتساءل أي التفسيرات أصح ؟ و أيها يعبر عن الحقيقة الكلية للإنسان ؟. (4) 

التفسير الحيواني للإنسان :
قال تعالى في سورة الأنفال : 55.
« إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون »..
ينطلق التفسير الحيواني للإنسان من شعور الجاهلية بحيوانيتها، وهو شعور طبيعي ملائم لحالتها النفسية، و صادق في وصف نفسه، فالإنسان في الجاهلية حيوان بأصله و نسبه – داروين – و حيوان بمشاعره و أفكاره – فرويد – و حيوان بتاريخه و تطوره يسعى وراء لقمة مهما كلفه الثمن دون الاعتداد بالفضائل و القيم الإنسانية و النزعات الخيرة – ماركس -(5)  .
و في نظر البيولوجيا حيوان كسائر الحيوانات، و نوع من أنواعها التي تدب على الأرض، فهو ليس إلا نتاجا للطبيعة يتغذى و يتمثل و يتناسل كسائر الحيوانات إنه خاضع لنفس الضرورات ( التي تخضع لها هذه الحيوانات ) و محكوم بنفس القوانين(6).
قال تعالى في سورة الأعراف : 179
« لهم قلوب لا يفقهون بها ، و لهم أعين لا يبصرون بها ، و لهم آذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون ».

التفسير الإلحادي للإنسان ..
قال تعالى في سورة يس : 77
« أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ».
الأصل في التفسير الإلحادي أن لا يكتفي بالخصومة و العداء لله سبحانه و تعالى بل يتطاول في الأرض على ألوهية لله سبحانه كما قال : ( أنا ربكم الأعلى ) على لسان فرعون. أو كما قال زكريا إبراهيم في كتابه مشكلة الإنسان ص : 91 « أن الوجود البشري ليس مجرد انتقال من الحيوان إلى الإنسان و إنما هو أيضا انتقال من الإنسان إلى الله. و سنرى فيما بعد أنه لابد لنا من أن نصير آلهة و إلا حقت علينا لعنة الآلهة ».
فغاية الإلحاد ليست بأي حال إنكار وجود الله عقليا، و إنما هي في الأساس التحكم في ملكوت الأرض. و في هذا يقول نيتشه : لقد صرنا بشرا و لهذا فإننا لا نريد إلا ملكوت الأرض ». و يقول ْ أين مضى الله سأقول لكم أين مضى ! لقد قتلناه أنتم و أنا. أجل نحن الذين قتلناه فنحن جميع قاتلون ! ألا تشمون رائحة العفن الإلهي ؟ إن الآلهة أيضا تتعفن ! لقد ما ت الله و سيظل ميتــــــــا »(7) 

التفسير العبثي للإنسان ..
نزلت الفلسفة من عليائها كما يقال، و أصبح الإنسان الثورة و السوبرمانية بجانب الإنسان الحيوان، يمرح في تناقض منسجم متكامل مع نفسه. فرغم هذا التناقض القائم فإن عملية إبداع الحياة عملية مستمرة .. فالحيوان السوبرمان انطلق من عقاله و جرب ما يريد، و تحرر كما توهم، و نفذ ما خطط، و كلما أمعن في الحيوانية و تطلع إلى السوبرمانية شعر بالعبثية تسري في جسده و نفسه و عقله. و هكذا انفجر العبث مدمرا عند الوجوديين فقال سارتر :
إن الإنسان هو الموجود الذي يشعر بأنه قد وجد جزافا أعني يدرك ذاته بوصفه عبثا لا طائل تحته و يعرف دائما أنه زائد عن الحاجة ».(8)
و قال تعالى في سورة المؤمنون : 115
« أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ».
و قال البير كامو : أن يحيا الإنسان هو أن يحيى العبث (9)
و قال تعالى في سورة الحديد : 20
« اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ».
فالعبثية ليست بعيدة عن الفكر الغربي الجاهلي بل هي جزء منه و من صميمه تعكس واقعه النفسي الحقيقي الذي يعيشه هو في ذاته .. إنها عبثية حقيقية. و لكن هذا ليس معناه أنهم خلقوا عبثا و إنما هم الذين يقضون حياتهم يعبثون.
قال تعالى في سورة الشعراء : 128
« أتبنون بكل ربع آية تعبثون ».

التفسير المنفعي للإنسان ..
قال تعالى في سورة العاديات : 6 -8
« إن الإنسان لربه لكنود و إنه على ذلك لشهيد و انه لحب الخير لشديد »
فسر العلماء حب الخير بحب المال. و في الحضارة المعاصرة قفز الاقتصاد إلى قمة الاهتمامات، و برهن العالم على حبه للخير و ارتباطه به، مما جعل الماركسية تعطي تفسيرا اقتصاديا للإنسان . و جعل الرأسمالية تعطيه عمليا نفعيا ( برجماتيا ). و إنك إذا ما تخطيت الإطار الاقتصادي للمنفعة في الربح و الاحتكارات و الربا و الامتدادات الاستعمارية و التطلعات الإمبريالية شرقا و غربا تجد التفسير النفعي أو المنفعي ينطلق إلى الفلسفة عند ( وليم جيمس ) و إلى التربية عند ( ديوي ) و إلى الأخلاق عند (ستوارت مل ) و إلى السياسة عند ( لينين ). فالمنافع و المصالح تدفع الإنسان الجاهلي دفعا وعلى أساسها يتصرف و يتحرك. فيتصارع و يتحارك و يخلق مناطق نفوذ و أزمات عالمية في كل مكان يستشعر فيه المصلحة و المنفعة.
و قد صور القرآن نفسية الإنسان النفعي في آيات عدة. فهو يسير مع مصلحته و منفعته التي تخصه ذاتيا، فإذا فاضت عليه النعم فرح و افتخر بنفسه و أعرض عن الله ونأى بجانبه،و طغى، و أقتر لما في نفسه من حب المال ، و افتتان رزينة الدنيا. أما أذا مسه الشر، و ضاق به الرزق يئس، و جزع ،و كفر، و اعتبر ذلك إهانة له،و هكذا تتجاذب نفسه بين السراء و الضراء تبعا لما يصيبه من خير أو ضر ..(10)
 
التفسير الإسلامي للإنسان ..
في كتاب مشكلة الإنسان، ذهب زكريا إبراهيم إلى تجزئة الإنسان و كيانه إلى أبعد ثلاثة : البعد الداخلي، و البعد الخارجي، و البعد الفوقي. و وضع أمامنا – بذلك- الإنسان المشكلة (!!) بدل الإنسان الخليفة .. و هذا التقسيم ، تقسيم كيان الإنسان و تجزئته، خطأ و خطر .. و قد نتجا فعلا. فأنت تراهم يقسمون الإنسان إلى روح و جسد. فإذا ما تحدثون عن الروح و آثارها انغمسوا في الأشواق ،و المشاعر الرفيعة، و ابتعدوا عن زينة الدنيا و طيباتها المرتطين بالبدن و الملتسقتين بالمادة و الجسم .. و تراهم يخلطون خطا عجيبا بين النفس و العقل و الروح. و يقابلون كل ذلك بالعمل الحسي المنسوب إلى البدن و المادة.. و يا ليت ذلك ظل في محيط الفهم و الفلسفة ، بل تراه تخطى الحدود و أوقع شخصية الإنسان نفسها في انفصام نكد .. و أوقع الفرقة بين الدين و الواقع، فالذي يسير في الشارع لا يعي أن خطواته إسلامية، و الذي يصنع ما يصنع في صناعته لا يفهم أن صنعه و صناعته إسلاميتان، و الذي دق عمله أو ضخم، كثر أو قل، لا يشعر من قريب أو بعيد أن عمله ذاك عمل إسلامي.
و حقيقة الأمر أن هذا الإنسان الذي يعيش على الأرض في هذا الكون الهائل.. هو إنسان ما بعد النفخ.. إنسان أبعاد تتجمع في بوتقة واحدة لا تنفصم، و تنطلق من مجموع الإنسان الكلي من خلال خلق علاقاته بالكون و الخالق الذي خلقه. فالإنسان في إطار فعاليته في الكون يرتبط بالعلم و العمل لإنجاز ما يريد، و في إطار فعاليته أمام الله يرتبط بالعلم و العمل و الإسلام. و من المعلوم أن فعالية الإنسان في الكون تنطلق من النية التي ينويها و القصد الذي يهاجر إليه. ( إنما الأعمال بالنيات. حديث) و من هذه الحقيقة حقيقة النية و الهجرة و نشأت التفاسير الإنسانية للإنسان، و انطبقت على واقعها انطباقا صادقا رغم أنها في اختراع الإنسان و رأيه المنكب على الواقع الجزئي لا يرفع رأسه عنه.

البعد الإسلامي ..
إن القاسم المشترك بين التفسيرات الإنسانية للإنسان هو أن هذا الإنسان لم يخلق لغاية و هدف. أما التفسير الإسلامي فينص على أن الله لم يخلق الإنسان عبثا بل اختاره(11)  ليكون خليفته في الأرض(12)  و لهذا فإن الإنسان هو حامل الأمانة(13)  التي عليه أداؤها(14) . و إن ذلك لا يمكن أن يقوم إلا على أساس مفهوم الفطرة في الإسلام و هي الاستسلام و العبودية لله.
فكل شيء في هذا الوجود خاضع بالضرورة لسنة اله تعالى، و بالتالي خاضع لله. فمن ناحية ترى أن كل شيء في الوجود آية تنطق بقدرة الخالق و حكمته و رحمته و من ناحية أخرى نرى أن هذا الشيء ذاته لا يمكن أن يوجد و لا يمكن أن يكون على ما هو عليه إلا في إطار سنة الله و بالتالي لله تعالى. و إذن فكل إنسان كموجود في هذا العالم يكون مسلما بالضرورة حسب هذا المعنى فالإنسان قد يكون مؤمنا أو كافرا و لكنه بالضرورة مسلم لسنة الوجود أي مسلــــــم لله ..(15)

علاقة الإنسان بالكون ..
و العلاقة الحقيقة التي تجمع بين الإنسان و الطبيعة في التصور الإسلامي هي علاقة إسلام لا علاقة صراع حيث تجعل الجاهلية الكون عدو الإنسان. و تصور القوة الكونية مضادة لوجوده و حركته، و تصور الإنسان في معركة مع هذه القوة – بجهده و جده – و عصور كل تعرف إلى النواميس الكونية و كل تسخير لها « قهر للطبيعة » في المعركة بينها و بين الجنس البشــــري !(16)
فالإسلام هو الوحدة العميقة التي تجعل الإنسان أثناء عمله في الطبيعة و تسخيرها، مسلما و خليفة، و تجعل الطبيعة أثناء طواعيتها لفعالية الإنسان إسلامية. و هكذا يلتقي الكون و الإنسان في إسلامهما أمام الله في وحدة متناسقة متكاملة. و ما قد تتوهمه الجاهلية من صراع بين الإنسان و الطبيعة ليس إلا خروجا عن الوحدة الإسلامية التي تربط الإنسان بالطبيعة ( الكون ) و تجعلهما مستسلمين لله وحده.
و هكذا يبرز التفسير الإسلامي للإنسان، الذي ينطلق من الاستسلام و العبودية لله وحده. فعبودية الإنسان الفطرية لله، جزء من عبودية الكون بأسره لله، لأنها عبودية تعتمد على المحيط الحيوي الذي يعيش فيه الإنسان بأرضه و نباته، هوائه و مائه، خيراته و جماده، كموجودات أولية للوجود الإنساني مما يجعل عبودية الإنسان الفطرية عبودية في النشأة والحيط الحيوي و السبيل و الموت و البعث و الخلود..

قال تعالى في سورة عيسى : 17-23
« قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره، كلا لما يقض ما أمره » .

إسلام فطري في النشأة ...
خلق الله الإنسان من تراب الأرض و أنبته منها نباتا و أخرجه إخراجا. و قد سواه من طينها و حمتها المسنون و نفخ فيه من روحه و جعله من سلالة من ماء مهين في أحسن تقويم و كرمه وفضله على كثير ممن خلق(17)

إسلام فطري في المحيط الحيوي ..
عندما يولد الإنسان تبدأ حياته الطبيعية و معها عبوديته و إسلامه لله . فأول ما يتلقى الإنسان من المحيط الحيوي في هذه الدنيا، الهواء الذي يملأ به رئتيه فتبدأ دورته الدموية تلقائيا ذاتيا ، منفصلة عن دورة الأم. و ثاني ما يتلقاه الإنسان من المحيط الحيوي الضوء الذي يصطدم مع عدسة العين فيحاول أن يبتعد بعينيه عنه لما تعود في رحم أمه من ظلام. و ثالث ما يتلقاه الإنسان من المحيط الحيوي الغذاء الذي تستمر به حياته. فالله خلق للإنسان المحيط الحيوي الذي يحيط به (و هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا )، خلق له الشجر و الثمر و الزروع و النبات ، و أنزل له الماء من السماء بقدر، و سخر له المناخ بسحابه و رياحه و أمطاره، و جعل له الأرض مستقرا و متاعا إلى حين(18) .

إسلام فطري في السبيل ..
السبيل هو طريق الإنسان في الحياة. فالله سبحانه هداه النجدين، و ألهم نفسه الفجور و التقوى، و جعله يدعو بالشر دعاءه بالخير، و أمده بالعطاء في أي وجهة وجه نفسه إليها(19) .
و بهذا التقى السبيلان في عبوديتهما لله و اختلفا في معطياتهما بعد ما قدم الله للإنسان القدرة و الإمكانات ليسير بكل قواه في سبيل الخير و يعمل الصالحات، أو يسير في سبيل الشر و يعمل السيئات و كل ذلك باختياره و رغبته.
و لم يترك الله سبحانه عباده بدون هداية. فبعث فيهم الرسل يبينون لهم طريق الحق و طريق الضلال و يدعون الناس إلى عبادة الله. لكان دعاؤهم واحد، شعارهم واحد ( أن الدين عند الله الإسلام ).
و قال تعالى في سورة النساء : 125
( و من أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن و اتبع ملة إبراهيم حنيفا ).
و قال تعالى في سورة البقرة : 112
( بلى من أسلم وجهه لله و هو محسن فله أجره عند ربه و لا خوف  عليهم و لا هم يحزنون ).
و قال تعالى في سورة آل عمران : 85
( و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، و هو في الآخرة من الخاسرين ).
و قال تعالى في سورة آل عمران : 83
( أفغير دين الله تبغون و له أسلم من في السماوات و الأرض طوعا و كرها و إليه ترجعون ).
و قال تعالى في سورة الأعراف : 158

( قال يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات و الأرض، لا إله إلا هو، يحيي و يميت، فآمنوا بالله و رسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله و كلماته، و اتبعوه لعلكم تهتدون ).
إسلام فطري في الموت و البعث و الخلود ...
قال تعالى في سورة آل عمران : 185 – 145 – 168
( كل نفس ذائقة الموت ).
( و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله، كتابا مؤجلا )
( قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ).
و قال تعالى في سورة البقرة : 201
( و اتقوا الله و اعلموا أنكم إليه تحشرون )
و قال تعالى في سورة الإسراء : 49 – 51
( و قالوا إذا كنا عظاما و رفاتا إنا لمبعوثون خلقا جديدا، قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم، فسيقولون من يعيدنا، قل الذي فطركم أول مرة ).
و قال تعالى في سورة هود : 103 -108
( أن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ، ذلك يوم مجموع له الناس، و ذلك يوم مشهود، وما نؤخر إلا لأجل معدود ، يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي و سعيد. فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير و شهيق خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض إلا ما شاء ربك، إن ربك فعال لما يريد. و أما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض إلا ما شاء ربك، عطاء غير محدود ).

البعد العلمــي ..
خلق الله الإنسان و علمه الأسماء و البيان، و جعله لا يتعامل مع الكون الخارج عن كيانه أو يتفاعل معه إلا بالعلم. فحواسه و فؤاده يجعلانه دائما متفتحا على المعرفة و التعلم شاء ذلك أم أبى، شعر أو لم يشعر، استفاد أو لم يستفيد، كثر علمه أو قل.. فرؤيته و نظره، تبصره و تدبره، تعلقه و تفكره فقهه و يقينه، كلها مدلولات تحوم حول معنى واحد و شيء واحد بطرق مختلفة متباينة في الوسائل و النتائج، و في الكيفية و الكمية.
فالعلم بذلك بعد أساسي للإنسان يستطيع به أن يدرك عبودية الكون و الإنسان لله و أسلافهما له ..
« فكلمة العلم في القرآن الكريم وردت بمعنى المعرفة المطلقة التي لا تتقيد بعلم دون آخر. قال تعالى : « و فوق كل ذي علم عليم » و قال تعالى : « و منكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا » و قد يقتصر المعنى على المعارف الدنيوية كما ورد على لسان قارون قال تعالى : « إنما أوتيته على علم عندي » و يكون معناها – و هو الأغلب – المعرفة الأخلاقية التي تهدي و تصلح .. قال تعالى : « ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي و لا نصير » و يمكننا أن نقول أن كلمة العلم وردت في شمولها بثلاث معاني هي قوام الحياة : العلم النظري و العلم العملي و العلم الروحي ، و إن في حث المسلم على التفكير في عالم النفس و التفكير في عالم الطبيعة ما يجمع المعاني الثلاثة و ذلك كما جاء في قوله تعالى : « أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات و الأرض و ما بينهما إلا بالحق و أجل مسمى ». و القرآن الكريم حافل بالآيات الكريمة التي تدعو على معرفة الكون بما فيه و معرفة نفس الإنسان : « سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف برك أنه على كل شيء شهيد ». « فلينظر الإنسان مم خلق ».    « أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها و زيناها و ما لها من فروج » . « و كأين من آية في السماوات و الأرض يمرون عليها و هم عنها معرضون » . « و يتفكرون في خلق السماوات و الأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا». و هكذا نرى القرآن الكريم يستعمل الألفاظ المؤدية إلى نفس المعنى الواحد و هو طلب العلم : ( أولم ينظروا – أنظروا – أفلا يبصرون – أفلا يتدبرون – يعقلون – يتفكرون – يعلمون – يوقنون – يفقهون )
و بهذا يسقط كل ادعاء يبعد العلم عن الإنسان، فالإنسان مفطور على العلم و التعلم ، وما تطرحه الجاهلية المعاصرة من شبهات التعارض بين الإسلام و العلم كما فعل صاحب نقد الفكر الديني، ليس إلا تغاضيا  عن هذه الحقيقة و هذا البعد الأصيل في الإنسان. فموقف المسلم بذلك لا ينطلق بحال من التوفيق بين الإسلام و العلم، بل المسلم يتخطاه و يتجاوزه. فموقفه – منذ أن كان – هو أن يقرأ و أن يتعلم ( اقرأ باسم ربك – و قل ربي زدني علما ). و المسلم لن يتقدم، و لن يخطو خطوات إلى الأمام إلا بهذا البعد الأساسي الذي نشأ معه، و لن يكون إنسانا إلا به .
و من أخطر ما الشبهات قبل تجاوز إمكانية قيام علم إسلامي و تعارض الإسلام مع العلم و المعرفة قلبا و قالبا روحا و نصا(20) ، أن الذين يفتح باب الخرافات و اعتناق ما هو غير علمي، أي ما ليس تجريبيا و محسوسا ملاحظا لاعتماده المطلق على نصوص دينية خالصة لا تمس العلم في شيء حسب قولهم. و هذه الشبهة أصبحت سائرة اليوم فهم يقولون مثلا : إذا ما اعتقدت في أسطورة بليس فما عليك إلا أن تعتقد في العنقاء و الغيلان .. و إن تنازلت عنها فما عليك إلا التنازل عن كل المعتقدات الأخرى التي تتبعها من جنة و نار و غير ذلك.. و هذه شبهة مردودة لأن عقلية المسلم عقلية علمية – و انطلاقا من البعد العلمي – لا عقلية خرافية. فإن سقطت في الخرافة عقلية ما ، فاعمل أنها ابتعدت عن بعدها الإسلامي و العلمي في آن .. فعقلية المسلم تنطلق من أساس تجريبي سليم ..
( و لا تقف ما ليس لك به علم، أن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا )
و كل ما يتعلق بالغيب الذي لا علاقة له بالوحي المنزل ، أو ما هو دون الحجة و البرهان ، و ما هو ظن ليس إلا، يلفظ لفظ النواة(21) .
و خطأ هؤلاء يقع حيث أنهم يوجهون اتهاماتهم على لا علمية الدين لأنه يؤمن بنصوص دينية بطريقة غير علمية !! في حين أن العلم و التعلم لا يوجه إلى النصوص فحسب و إنما إلى الكون و الإنسان و هذا لا يكون إلا بالتجربة و الملاحظة. أما الإيمان بالنصوص الدينية فهو إيمان واقعي لأنه انطلق من رسول عاش واقعيا و بلغ للناس الأمر واقعيا. و نحن عندما نقرأ الآية ( لا تقف ) نجد فيها الدعوة إلى العلم عن حجة و برهان يقوم على الحواس و الفؤاد .. فأية غضاضة بعد ذلك أن نؤمن بالنص و ننطلق منه و العلم لم يأت بأكثر من ذلك !؟
و شبهة أخرى تطرحها الجاهلية المعاصرة تقول أن المعلومات التي يقدمها الدين عن الكون و الإنسان تناقض المعلومات العلمية و تتعارض معها مما يجعل الدين يتناقض مع العلم.. و الحقيقة أننا إذا فهمنا العلم انه استعداد لإقامة معلومات على أساس تصور ديني شيوعيا كان أو ليبرياليا أو إسلاميا، فالمسألة هينة، و لكن هؤلاء يطرحون العلم في أضيق معاينة، يطرحونه على أنه تلك المعلومات و النظريات التي أنتجتها أوربا بالذات في فترة معينة من الزمان حيث كانت الإيديولوجيات المادية مسيطرة تماما على العلم. و على هذا الأساس فالمشكلة التي تتحدانا ليست شبهات هؤلاء الناس، و ليست المشكلة كيف التوفيق بين الدين و معلومات الغرب و إنما الذي يتحدانا الآن هو إقامة علم إسلامي خالص من شوائب الجاهلية. و المؤمن في هذا أن يكون للكفر علم، فللجاهلية علمها، و لكنه علم له إطاره، و له نظرياته. بينما العلم الإسلامي ممكن الوجود، ممكن أن يقوم على مبادئ إسلامية. و هذا ما يجب أن يعيه المسلم اليوم : يجب قيام عليم إسلامي في كل فرع من فروع العلم الممكنة، التي قامت و التي لم تقم بعد، و المسلم عندما يعتقد هذا و يعمل من أجله يكون قد التصق بمنهج ربه و انتبه إلى بعد من أبعاده الأساسية ألا و هو البعد العلمي. و عندما يخلق المسلمون هذا العلم الإسلامي كما خلقه المسلمون الأولون يحسم الكلام و تخرص الألسنة و تكمم أفواه الشبهات.

البعد العملـــي ..
قال تعالى في سورة التوبة : 105
( و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون ).
العمل بعد ثالث من أبعاد الإنسان. فيه ينفجر إسلامه و علمه متفاعلا مع الكون على أساس من الإمداد غير المحظور الذي أمده الله به. فالعمل هو المحك الذي يتفرع منه السبيلان اللذان هدى الله الإنسان إليهما، فهو إما عمل صالح و اما عمل سيئ.

و القرآن الكريم يعبر عن هذا البعد بأسماء مختلفة كلها تدل على فعالية الإنسان العملية و ما يجنيه منها. فنجد في القرآن العمل و الكسب و الصناعة و الفعل ... ( كلا، بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ). ( و ما التناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين ) . ( جزاء بما كانوا يعملون ). فالعمل في هذا المعنى الذي أتى به القرآن الكريم بعد شامل لفعالية الإنسان في الأرض، لا فرق بين عقيدته أو سلوكه، شعوره أو مركته، فكره أو  عمله، فهو ليس إلا تعبيرا عن خلافة الإنسان في الأرض و محك النظر و الاختبار و الابتلاء .. ( قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم و يستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون )(22) .
فالشبهة التي تنطلق من حناجر الجاهلية المعاصرة و تقيم سياجا محكما على البعد العملي في الإنسان المسلم، و تجعل الإسلام دين كسل و خمول أو زهد و اعتزال عن معترك الحياة، و تنسب إلى الإسلام التأخر و التحجر الذي لا يستطيع أن يخلق حضارة و يبدعها .. هذه الشبهة ليست إلا اختلاقا واهيا كمقدمة للاندماج في الحضارة الغربية و محو الشخصية الإسلامية. فمما لا شك فيه أن العمل في الإسلام هو خالق الحضارات، و قنطرة لعمارة الأرض و تسخير خيراتها.
و لكن من العبث أن نتكلم عن ريادة المسلمين للعالم و عن حاجة الإنسانية إلى قيادة الإسلام لها و نحن لم نخلق هذه الريادة عمليا .. من العبث أن نتكلم عن ذلك و نحن قد انفصلنا عن أهم أبعاد كياننا في الكون. فالتحدث عن التقدم المادي في الغرب و الإمكانات الروحية في الإسلام ليس كافيا لخلق عمل حضاري يقود البشرية. فالفصل بين الماديات و الروحيات في العمل حسب ما هو متداول عند بعض الإسلاميين لهو من أخطر الأفكار على البعد العملي للإنسان. فالعمل وحدة تكاثف فيها كينونة الإنسان و كتلة البشرية في تفاعلها مع الكون على أساس من الأبعاد الثلاثة  : الإسلام و العلم والعمل. و الفصل بينها لمن أخطر ما توهمناه و نتوهمه في الرقي الروحي و الصفاء الروحي و ما إلى ذلك من كلمات شفافة رهيفة رقيقة المشاعر.. فالأعمال إذا كانت بالنيات و إن لكل امرئ ما سعى فإن المسلم مطالب أن يعمل صالحا و أن ينتشر في الأرض و يمشي في مناكبها و يبتغي من فضل الله ويأكل من رزقه حلالا طيبا، و أن يتسابق إلى الخيرات.
قال تعالى في سورة الأنعام : 135
( قل يا قوم أعملوا على مكانتكم إني عامل، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار، إنه لا يفلح الظالمون ).


(1)  مشكلة الإنسان . زكريا إبراهيم – ص : 6 -5
(2)  الإنسان ذاك المجهول – الكسيس كاريل.
(3)  الإسلام و مشكلات الحضارة – سيد قطب.
(4)  استعمل الأستاذان محمد قطب و سيد قطب مصطلح التفسير الإنساني للإنسان ليدلا على القيمة الأخلاقية فيه مقابل التفسير الحيواني للإنسان. في حين أني لم أقصد بكلمة الإنساني المعنى الأخلاقي على الإطلاق. فالتفسير الحيواني تفسير إنساني. كما أن التفسيرات الأخرى التي انطلقت من الإنسان و لم ينطلق من دين الإسلام هي تفسيرات إنسانية.
(5)  قيس القرطاس مجلة الشهاب العدد 18 السنة الخامسة ص : 11
(6)  الإنسان لجان روستان منشورات عويدات . ص : 16.
(7)  مشكلة الإنسان ص : 250.
(8)  مشكلة الإنسان ص : 8.
(9)  عن كتاب كامو و التمرد. تأليف روبيه. ص 18.
(10)  سورة هود : 9 – 10 العلق 6-7 الإسراء : 100 – الفجر : 15 -16.
(11)  طه : 115.
(12)  البقرة : 30 .
(13)  الأحزاب : 72.
(14)  الإنسان عند الغزالي للدكتور عيسى عثمان ص 20.
(15)  الإنسان عند الغزالي ص : 16 . و كتاب مبادئ الإسلام للمودودي.
(16)  في ظلال القرآن ص : 134 الجزء الثامن دار إحياء التراث العربي
(17)  سورة آل عمران : 59- نوح : 45- طه : 71- السجدة 7-9 – التين : 3-6 – الإسراء : 70 – مريم : 67 – الطور : 33—35 – الفرقان : 54 – المرسلات : 20-24 – الطارق : 5-10 – العلق : 1-2 – المؤمنون : 12-14 – الحج : 4-5 – آل عمران : 6- التغابن 3 – الانفطار : 6-8 – الكهف : 36 – الزمر : 6-7 – الحجرات : 13 – الحجر : 26-29 – غافر : 67.
(18)  الأنعام : 141 – الأنعام 99- الرعد : 4 – عبس : 24-32 – ق : 8 – فاطر : 27-28 – النحل : 10-11 – المؤمنون : 17-20 – الزمر : 21 – الحج : 63 – النور : 42 – فاطر : 9 – الأعراف : 57 – النبأ : 14-16 الرعد : 12 الروم : 24 – البقرة : 36- البقرة : 29 – الرحمن : 7-13 – نوح : 15-20 – يس : 71-73 – غافر : 79 – النحل : 5-8 – النحل : 66.
(19)  البلد : 10 – الشمس : 7-10 – الإسراء : 11 – الإسراء 20-21 – آل عمران : 178.
(20)  هذه الشبهات أخذت من كتاب نقد الفكر الديني – صادق جلال العظم.
(21)  سورة الأنعام : 148-149 غافر : 35 – غافر : 56 – يونس : 36 – آل عمران : 66.
(22)  الأعراف : 129 – الحديد 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here