islamaumaroc

المعاني الإنسية والروحية في الشعر العربي -4-

  دعوة الحق

145 العدد

لكي نخطو إلى نهاية هذا البحث المتتابع الحلقات، في مدى توافر المعان الروحية بالشعر الجاهلي، وفي مدى صحة نسبته جملة إلى ذويه، فإننا قد عرضنا ما حدده القرآن الكريم عن معتقدات العرب قبل الإسلام، فجلت عن طبيعة تمثل قوما و إن حرفوا سبيلهم إلى الله، فإن الله كان غايتهم مما كانوا يعبدون.
كما اتضح من خلال المقال الماضي الذي بسط تاريخ معتقداتهم، كيف أن التاريخ القديم يدعم الحجة القرآنية، و يثبت بأنهم إنما كانوا يعبدون فيما انحرفوا فيه واجب الوجود جل جلاله.
و لارتباط المبحثين من الخطة التي نهجنا عليها، فإن كلا من المطلبين مرتبط بالآخر. و قد ثبت من شعرهم ما كان منه ذا معان روحية. فبذلك يصح تتاليا نسبة شكله إلى ذويه.
و لكن ما العلاقة بين صحة هذا و ثبوت ذاك.
ذلك ما نود إيضاحه بشيء من التفصيل، يتقبله الإمكان. فنعرض الآن لما يعكسه الشعر الجاهلي من تلكم المعاني لنتمكن في المقال الأخير المقبل من تحديد العلاقة التي تربط معاني الشعر الروحية بصحة نسبته جملة إلى ذويه.
و هي معان لا يشترط لثباتها أن يكون لدينا منها قصائد كاملة نظمت لغرض البحث عن الله أو لوصف الوجد به. فذلك ما يفتقده الشعر العربي حتى صدر الإسلام. بل أن الشعر الديني في صدر الإسلام نفسه قصر بتخصيص القصيدة الواحدة لمثل هذه المعاني، و لا يخدعنا شعر الدعوة الأول فقد كان الاتجاه الغالب عليه عراك السياسة و تأكيد صبغة الدولة. نعم، نعرفهما ممزوجين بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم و بالاعتقاد في تعاليم الإسلام. و لكن تخصيص قصيدة في العصر الجاهلي بذكر الله كان نادرا لأن بيئة الشعر الجاهلي لم تكن كلها وجدا بالقدر الذي كانت ظروفها تهويما.
وطبيعة الشعر الجاهلي – كما لا يخفى – لم تتهيأ لوحدة القصية على نحو ما تهيأت لوحدة البيت. و ما قد يصدق على طبيعة الشعر في العصر الجاهلي يصدق عليه كذلك فيما بعده بقليل. لأن الجانب الفني من نظم القول لم يمض في تطوره المحتوم إلا بعيد ذلك التاريخ.
و لتكل الأسباب جميعها، فإن ما سوف نعثر به من المعاني الروحية في شعرهم و في المتبقى اليسير من نثرهم، إنما هو أشتات مبعثرة منها بين القصائد، من هنا و هناك، أو ضمن الجمل الحكمية المنثورة، و لاسيما منها ما يرتبط بإيمانهم.
و لقد سبق القول بأن الشعر الجاهلي كان يعتمد وحدة المعنى في وحدة البيت. و لذلك كان من النادر أن نقابل منه موضوعا موحد المعنى في قصيدة مفردة له يخصها الشاعر بمعنى معين و لهذا كان تعدد الصور الشعرية يتتالى في القصية الواحدة، و من القصيدة الواحدة يمكن إنشاد البيت الذي يهتم بسفاسف الحياة، و بالبيت الذي يهدف إلى إبراز مثل أعلى.
و بسبب هذا فإن ما حفظ لها من أدبهم يجعلنا أمام أشتات من المعاني، إذا تطرق بعضها لذكر الحياة الروحية فإنما لخاطرة عابرة، أو لتصوير رؤية ملتقطة، نتيجة حكمة ندت أو نظرة تألقت، أو لمجرد قسم يساق لتأكيد قول أو للبرور بوعد. و لسنا أمام موضوعات من الشعر الجاهلي تعنى بإبراز مثل هذه المعاني باستثناء أمية بن أبي الصلت الذي تعانى منها بما لم يقو شاعر قديم في العربية على مجاراته أو الاحتذاء به. و أن الحديث عن شعر أمية عرضا يجحف بنصيب هام من شعر المعاني الروحية في الأدب القديم.
لقد خلق الإنسان مفطورا على الاعتراف بوجود أقوى فيما لم يكن مدركا واعية، فإنه ستلمس «الأقوى» في آيات الكون. و لذلك فإن عبادة الكواكب و أشباهها من الكائنات إنما كانت تعنى جميعها عند عرب الجاهلية عبادة الواهب القوي الذي عجزت مدركاتهم عن عصوره باسمه الحق.
و لا ينحط العقل – مهما أسف – إلى أن يعتقد بأن في الحجر قوة تحميه، و لذا فإن الأوثان لم تكن إلا مظهرا لخارقة القوى الإلهية. و قد عبدوها لأنهم – و هم عقل بدائي – عاجزون عن تلمس معنوية الحقيقة التي تحتاج إلى قدرة على التصور لفهمها. و ذلك ما كان يعوزهم بطبيعة بداءتهم، فشكلوا لهذه المعنوية مجسما  و هم يدركون أن الله أبعد مما يتلمسون، و لكنهم متبينون بأنهم عجزة عن عبادته مباشرة. و إنما يعبدون ما يعبدونه، ليقربهم إلى ما عجزوا عن تصوره. و من ثمة كان يتسرب إلى هذا التصور البدائي أن قوة إلهية قد حلت في المعبود ولولاها – في وهمهم – ما كان لهم أن يعبدوا من دون الله شيئا.
و لقد تطرق الشعراء الجاهليون إلى اعتقادهم بالله في معان واضحة. و من ذلك قول أفنون التغلبي :
لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي
             إذا هو لم يجعل له الله واقيا(1)
و البيت من قطعة للشاعر يعلن فيها استسلامه للقدر، لأن المرء مهما احتال لنفسه و عللها بأقوال الكهان و أحاديث الأماني فإنه لا ريب سيلقى الذي قدره الله له.
و يقول زهير بن أبي سلمى :
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم
             ليخفى و مهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر
             ليوم الحساب أو يعجل فينقم (2)
و الشعر من معلقته يخاطب فيه خصومه بأن الله يعلم السر فلا يكتموه فيؤخر ذلك ليوم الحساب، فيحاسبوا عليه، أو يعجل لهم في الدنيا نقمته.
و يقول المثقب العبدي
و أيقنت أن شاء الإله بأنه
            سيبلغني أجلادها و قصيدها(3)
و الشاعر هنا يحرص على أن توصله ناقته لهدفه ما بقي فيها من قوة. و لكن حرصه لا ينسيه في أن ذلك منوط بمشيئة الله.
و يقول طرفة :
فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد
           و لو شاء ربي كنت عمروا بن مرتد(4)

و الشاعر يرجو أن يكون في مستوى قيس بن خالد و عمرو ابن مرتد السيدين المذكورين بوفور المال و نجابة الأولاد و شرف النسب و عظم الحسب، و لكن رجاءه في البلوغ إلى منزلتهما و قدرتهما يقيده بمشيئة الله.
و يقول أبو قيس بن الأسلت :
و أحرزنا المغانم و استبحنا
          حمى الأعداء و الله المعين
فالشاعر هنا لا يبهره انتصار قبيلته على من دس عليها، و إنما هو يجعل ذلك النصر من عون الله.
و الله باسط الدنيا و قابضها، و المعطي و المعدم في شعر ذي الأصبع العدواني :
إن الذي يقبض الدنيا و يبسطها
          إن كان أغناك عني سوف يغنيني
الله بعلمكم و الله يعلمني
          و الله يجزيكم عني و يجزيني
لولا أواصر قربى لست تحفظها
          و رهبة الله في مولى يعاديني(5)
و الله المجيب إذا دعي، في شعر عبيد بن الأبرص :
من يسأل الناس يحرموه
          وسائل الله لا يخيب
و الله ليس له شريك
          علام ما أخفت القلوب(6)
و عبيد شاعر جاهلي قديم شهد مقتل حجر والد امريء القيس و قد قتل عبيد بأمر من المنذر بن ماء السماء جد النعمان ابن المنذر.
و إن الله مستأثر بكل شيء في شعر الأعشى :
استأثر الله بالوفاء و بالعد
          ل و ولى الملامة الرجلا(7)
و يقضي الله بما قدره في شعر طرفة :
إذا ما أردت الأمر فامض لوجهه
          و خل الهوينا جانبا متنائيا
و لا يمنعنك الطير مما أردته
          فقد خط في الألواح ما كنت لاقيا(8)
و الله الباقي في شعر الممزق العبدي :
هون عليك و لا تولع بإشفاق
          فإنما مالنا للوارث الباقي(9)
و النصوص التي ترسم الاعتقاد في الله لدى طبقات الشعراء الجاهليين كثيرة و متنوعة، منها ما يسجل ذك الله اعتقادا بوجوده، و عليه اقتصر التمثيل من الشعر  في هذا المقام، و منها ما نظم في صيغة قسم. و هذا الصنف يسنده إيمان للعرب ما يزال بعضها محفوظا نثرا و شعرا في مجاميع الأدب القديمة. و هي في جملتها مصداقا لما ورد عن معتقداتهم في القرآن الكريم، و لما سجله عنهم التاريخ القديم من كونهم يعبدون الله في هيئة محرفة.
وهذا من شأنه أن يدعو إلى الثقة بما نسب من الشعر إلى ذويه يقينا بأن ما يتضمنه من معان روحية يؤكدها الكتاب الذي لم يشك أحد في أن صحة تدوينه و هو القرآن الكريم.



(1)  المفضليات 65 /4.
(2)  الديوان 18 / 110-111.
(3)  المفضليات 28 / 13.
(4)  المعلقات السبع 89.
(5)  الأغاني 3 / 9 و المفضليات 31.
(6)  الشعر و الشعراء 267.
(7)  الأغاني 8 /76.
(8)  حماسة البحتري 2580.
(9)  المفضليات 80 / 5

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here