islamaumaroc

الأسرة في الشريعة الإسلامية -3-: الزواج في الإسلام

  دعوة الحق

145 العدد

إن الزواج ضرورة إنسانية، دعت إليه مطالب الحياة، و اقتضته طبيعة الاجتماع، و هو أساس السعادة و أصل الطهارة، عليه تتوقف الأسرة، إذ به تتكون و منه تنمو، و هو الذي يحوطها بسياج البقاء و يحفظها من التصدع و الاضمحلال، حيث تتوثق به العلاقة بين المرء و زوجه، و يخلص كل منهما إلى الآخر باذلا جهده في سبيل معونته و إسعاده، و من العسير أن تستقيم الحياة البشرية و تعتدل و تطمئن، إذا كانت علاقة الرجل و المرأة غير مستقرة، لأن هذه العلاقة هي التي يقوم عليها بناء العمران كما يقوم عليها بناء الأخلاق الإنسانية.
و في نطاق اهتمام الشريعة الإسلامية بالأسرة و العناية بها لتحقق غرضها و تنتج ثمرتها اعتنت بالزواج و بإقامة العلاقة بين الرجل و المرأة على أساس من حقائق الفطرة بحيث لا تضطرب و لا تتأرجح، و لا يكتنفها الغموض في زاوية من زواياها كما سنبين :

الزواج عند الغربيين
و قبل أن نتحدث عن نظرية الإسلام في الزواج و اهتمامه بما يكفل للحياة الزوجية الاستقرار و المودة و الرحمة، يجدر بنا أن نجتزيء بالتخبطات التي تداولت المجتمع الأوربي في نظريته إلى الزواج منذ عهود الإمبراطورية الرومانية التي على أساس حضارتها تقوم الحياة الأوربية المعاصرة فلقد تأرجحت العلاقة بين الرجل و المرأة بين اعتبارها علاقة حيوان، إلى اعتبارها دنسا و رجسا من عمل الشيطان إلى اعتبارها مرة أخرى علاقة حيوان بحيوان.
أما أن المرأة صانعة الجنس البشري و أنها حارسة العش التي تدرج فيه الطفولة، و أنها الأمينة على أنفس عناصر هذا الوجود، فهذا ما لم يعتدل به الميزان قط في مناهج الجاهلية القديمة أو الحديثة. فالرومان الذين تسنموا ذروة المجد و الرقي في العالم بعد اليونانيين لما ظهروا على مسرح التاريخ كان الرجل رب الأسرة في مجتمعهم، له حقوق الملك كاملة على أهله و أولاده بل بلغ من سلطته في هذا الشأن أن كان يجوز له حتى قتل زوجه و بيع أولاده في بعض الأحيان، و لما تقدموا خطوات في سبيل المدنية و الحضارة تخففت القسوة في تلك السلطة، و جعلت الكفة تميل إلى الاستواء و الاعتدال شيئا فشيئا، ثم أخذت نظريتهم في النساء تتبدل بتقلبهم في منازل المدنية و الحضارة، و ما زال هذا التبديل يطرأ على أنظمتهم و قوانينهم المتعلقة بالأسرة و الزواج إلى أن انعكست الحال رأسا على عقب، فلم يبق لعقد الزواج عندهم معنى سوى أنه عقد مدني فحسب، ينحصر بقاؤه على رضى المتعاقدين، و أصبحوا لا يهتمون بتبعات العلاقة الزوجية إلا قليلا، ثم منحت المرأة حق الملك، و جعلها القانون حرة لا سلطان عليها للأب و لا للزوج و لم تصبح النساء مستقلات بشؤون معايشهن فحسب، بل دخل في حوزة ملكهن و سلطانهن جزء عظيم من الثراء القومي، فكن يقرضن أزواجهن بأسعار الربا الفاحشة مما يعود به أزواج المثريات من النساء عبيدا لهن في ميادين العمل و الواقع، و كانت المرأة الواحدة تتزوج رجلا بعد آخر، و تمضي في ذلك من غير حياء، ثم بدأت تتغير نظرتهم إلى العلاقة و الروابط القائمة بين الرجل و المرأة من غير عقد مشروع، و قد بلغ بهم التطرف في آخر الأمر أن جعل كبار علماء الأخلاق منهم يعدون الزنا شيئا عاديا و يجهرون بجواز اقتراف الفحشاء.
و من هذه الإباحية المطلقة، و الشهوانية العارمة، و اعتبار اللذة غاية التقاء الزوجين التي لا غاية وراءها، من هذا الطرف القاصي انتقلت أوربا بواسطة الكنيسة إلى الطرف القاصي الآخر إلى الرهبنة و إلى الفرار من المرأة و إلى مهانتها في الوقت ذاته و ازدرائها، فمن نظريتهم الأساسية في هذا الشأن أن العلاقة الجنسية بين الرجل و المرأة هي نجس في نفسها، يجب أن تجتنب و لو كانت عن طريق نكاح و عقد رسمي مشروع، و هذا التصور الرهبني للأخلاق الذي كانت جذوره تكاد تتأصل في أوربا، جاءت المسيحية فزادته شدة و بلغت به منتهاه، حتى أصبحت حياة العزوبية مقياسا لسمو الأخلاق و علو شأنها، كما صارت الحياة العائلية علما على انحطاط الأخلاق و جعلوا يعدون تجنب الزواج من أمارات التقوى و كما الأخلاق، و أصبح من المحتوم لمن يريد أن يعيش عيشة نزيهة ألا يتزوج أصلا أو لا يعاشر امرأته معاشرة الزوج لزوجته على الأقل، و ما آلوا جهدا في أن يثبتوا في قلوب الناس الشعور ببشاعة العلاقة الزوجية، حتى بلغ من تأثير هذا التصور الرهبني أن تكدر صفو ما بين أفراد الأسرة و العائلة من الأواصر، و حتى ما بين الأم و الولد منها إذا أمسى كل قرابة و كل سبب ناتج عن عقد الزواج بعد إثما و شيئا نجسا، و كان لذلك مفعوله القوي و نفوذه البالغ في القوانين المعينة أن أصبحت الحياة الزوجية مبعث حرج و ضيق للرجال و النساء.
و في خلال القرن التاسع عشر ظهر فرويد و كارل ماركس، و كانت توجيهاتهما منصبة على تحقير الإنسان بشتى الطرق، و أدى هذا التحقير إلى التأثير في العلاقات بين الجنسين بتحطيم كل قوائم الأخلاق و إطلاق الجنسين حيوانين يتلمسان الشهوة و اللذة لذاتهما، حتى الهدف الحيواني من حفظ النوع بالنسل لم يعد الأناسي في أوربا و أمريكا ينظرون إليه على أنه قيد يحد من حرية الاختلاط الجنسي، و يحمل الذكر والأنثى تبعات لا يريد أن يتحملها، فأصبح همهما هو التخلص من آثار اللذة بعد التقاء الجنسي بمنع الحمل، أو بالإجهاض، أ, بوأد الوليد.
و هكذا يتضح مدى التخبط و الاضطراب في النظرة إلى الزواج عند الغربيين و مدى التأرجح بين الرجل و المرأة، هذا التأرجح الذي لم يعتدل به الميزان قط لوضع كل شطر من شطري النفس الواحدة في مكانه الحقيقي.

الزواج في الإسلام
أما الإسلام الذي جاء و معه سعادة البشر و تنظيم مجتمعاتهم و الذي لقنهم من الآداب و الأخلاق ما يكفل للإنسانية بقاء سعيدا أو حياة مطمئنة، فقد صورت شريعته – التي هي شريعة النظام القويم و الحزب الوسيط بين جحود المتنطعين و جمود المتخلفين، قال تعالى : ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تومنون بالله))، و قال : ((و كذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا)).
لقد نظر الإسلام إلى الزواج نظرة لا يكتنفها الغموض و التأرجح بين الجنسين، و لا يشوبها ذلك التخبط الذي شقيت به البشرية في أطوارها المختلفة و هي تتخذ لنفسها مناهج تقوم على الجهل و الهوة و الضعف في أطوارها المتلاحقة، و إنما نظر إليه نظرة سامية فيها عوامل كثيرة تتحقق بها السعادة و تتأكد بها الروابط، فيها المادية المعقولة و الروحانية المعقولة، فيها المصالح المشتركة التي تنهض بها البيوت و تسعد بها الأسر، إذ جعله علاقة متينة بين الرحل و المرأة، و رباطا مقدسا بينهما، و صلة وثيقة تتحد بها نفسان و تتصل أسرتان، و شراكة روحية تهذب الخالق، و تكفل المودة و الرحمة في قافلة الحياة الطويلة و مسيرتها و رسالتها، فالدين الإسلامي يريد من المرأة في الزواج أن تكون للرجل زوجة تعفه و تحصنه، و تدير شؤونه في إخلاص و وفاء، و تكون له رداء في الشدائد، و عونا في الملمات و النائبات، و أما لأولاده تحسن تربيتهم و تعدهم للدين جنودا مخلصين و للوطن أبناء عاملين. و من الرجل أن يكون للمرأة زوجا يعفها و يحصنها و يقوم بنفقتها و يؤدي حقوقها، و أن يكونا معا نفسا واحدة ذات صورتين رجل و امرأة، وما أبلغ قوله تعالى يمثل لنا صورة هذا الاتحاد و الامتزاج بين الزوجين : (( هن لباس لكم و أنتم لباس لهن))، فقد شبهت الآية الكريمة كلا من الزوجين باللباس لأن كلا منهما يستر الآخر، فحاجة كل منهما إلى صاحبه كحاجته إلى اللباس، فإن يكن الملبس لستر معايب الجسم و لحفظه من عاديات الأذى، و للتجمل و الزينة، فكل من الزوجين لصاحبه كذلك يحفظ عليه شرفه و يصون عرضه، و يوفر له راحته و صحته، فالرجل يفضي إلى المرأة بخوالج نفسه وخواطر فكره و رغبات قلبه، و هي كذلك تبادله ذلك الإحساس، و تطارحه ذلك الشعور، و كل منهما يرى من الآخر أدق مواضيع البدن و يطلع على دخائل صاحبه و طواياه، و ليس ثمة أية صلة تماثل هذه الصلة، و أية رابطة تشبه هذه الرابطة، أنها الرابطة التي تشعر كلا من الزوجين بأن البيت بالنسبة له بين صحراء الحياة و متاعبها، كالواحة الظليلة الوارفة بالنسبة لمن انقطع به الطريق في الصحراء.
فالزواج نعمة جديرة بالشكر لله و الثناء عليه، و ما أبلغ قوله تعالى ممتنا على عباده : (( و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون))، و المودة والرحمة أساس هذه الحياة الزوجية، و أساس ذلك الاختلاط و تلك العشرة، و قد نبهت الآية الكريمة كلا من الرجل و المرأة إلى أن من أعظم دلائل قدرة الله و آيات كرمه أن خلق للرجل زوجة من جنسه ليسكن إليها و جعل بين الزوجة و زوجها مودة حب و رحمة عطف ثابتين لا تبليان كما تبلى مودة غير الزوجين ممن ألفت بينهما الشهوات،  و ليس المقصود الأول بالسكن في الآية الكريمة سكن العاطفة العارضة، أو الشهوة التي ألفت قضاء الوطر في الصلة الجنسية، بل هو سكن روحي، قال فخر الدين الرازي : (( يقال سكن إليه للسكون القلبي، و سكن عنده للسكون الجسماني))، لأن كلمة عند جاءت لظرف المكان و ذلك للأجسام، و كلمة إلى جاءت للغاية و هي  القلوب، و ما سكن سر خلق في إنسانية الرجل ينشد تمام نظامه بالاتصال بالطرف الآخر المستكين في كيان المرأة.
و قد أمر الإسلام بالعمل على الاحتفاظ بروح المودة و المحبة بين الزوجين، و ذلك بالإخلاص و الوفاء و التسامح و النظر إلى القيم الأدبية التي تتحقق بها سعادة الأسرة قال تعالى : (( و عاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا و يجعل لله فيه خيرا كثيرا))، و قال صلى الله عليه و سلم : (( لا يفرك مومن مومنة أن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر )).
و من ذلك نرى أن الزواج في الإسلام هو الزواج الإنساني في وضعه الصحيح فهو سكن نفساني و واجب اجتماعي للمحافظة على بقاء النوع الإنساني و صيانته من الاضطراب، و الفساد الخلقي و الانحلال الأدبي، و لذلك رغب فيه الشارع الحكيم و حث عليه في كثير من مقاماته، و حديثه في هذا الجانب يشف عن تقديره للزواج و عن سلامة كيانه حتى لا تلحق المضرة كل واحد إذا بقي في عزلته عن التزوج، فقد كان في خطاب القرآن الكريم في تدبير الزواج أمرا موجها إلى أفراد الأمة لتسيره قال تعالى : ((و انكحوا الأيامي منكم و الصالحين من عبادكم و أمائكم، إن يكونوا فقراء يغثهم الله من فضله ))، ففي هذا خطاب للأولياء بأن يزجوا العزاب من النساء و الرجال، و ألا يكون فقرهم داعيا للحيلولة دون تزويجهم لأن الله قد تكفل بإغنائهم من فضله و قد حض عليه الرسول في كثير من أحاديثه يقول عليه السلام : (( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر و أحصن للفرج))، و قال : (( من رغب عن سنتي فليس مني )) . و الزواج سنة النبيئين و المرسلين إذ كان لهم زوجات و ذريات طيبة، و في الحديث : (( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لعاكف بن وداعة الهلالي : ألك زوجة يا عكاف ؟ قال : لا، و لا جارية : قال : و أنت صحيح موسر، قال : نعم و الحمد لله، قال : فأنت إذن من إخوان الشياطين، أما أن تكون من رهبان النصارى فأنت منهم، و أما أن تكون منا فاصنع كما نصنع، و إن من سنتنا النكاح شراركم عزابكم، و أراذل موتاكم عزابكم، ويحك يا عكاف تزوج، قال : فقال عكاف لا أتزوج حتى تزوجني من شئت، قال، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : فقد على اسم الله و البركة كريمة بنت كلثوم الحميري )). و بهذا يتبين أنه لا رهبانية في الإسلام، و أن الرهبانية التي ابتدعها أولئك الإباحيون و اعتبروها عبادة و ما هي بعبادة قد نهى عنها الإسلام لأن في الإعراض عن سنة الزواج التي شرعها الله لعباده قتلا لروح العفاف، و حرمانا للأمة من النسل الصالح، و إطفاء لنور الحياة الزوجية.

إن الزواج المؤسس على المنهج الذي أرشد إليه الإسلام يبني الأسرة على تقوى من الله و رضوان، لأنه يضمن لها سعادة المستقبل و يحقق لها الهناء الدائم و هو سبب الولد الذي أن حسنت تربيته، و كمل تهذيبه كان قرة عين أبويه في حياتهما، وذكرا طيبا بعد وفاتهما، و الزواج إلى ذلك يذهب بنزوات الشر، و نزعات الشباب و جموحه، و يحد من غلواء الشهوة و يخفف حدة العاطفة الجنسية و مهما يبلغ الشباب من الطيش و النزق، فإن الزواج هو علاج طيشه و دواء نزقه و لا يفتأ الشباب بعد الزواج أن يفكر بعقل الشيخ و ينطق بحكمته و يدير أموره بروية، و يحفظه من التورط في العلاقات الفاسدة، و يشعره بالعمل مستعذبا ما فيه من مشقة و تعب، فما الحياة إلا الحياة العاملة الناصبة التي تعقبها النتائج السارة و العواقب المرضية.
و يتم في الزواج التقاء إنسان بإنسان كالتقاء فكر بفكر، ينجم عنه ثمار معنوية لا محالة، كتلاقي الأفكار ينجم عنه معان جديدة موصولة النسب بأصلها المعروف و تلاقي الخصائص الإنسانية بثمر لا محالة ما أشار إليه القرآن الكريم من المودة و الرحمة و ما إليهما من ثمار إنسانية راقية.
و بالزواج يشعر الإنسان بالمسؤولية فيتدرب على تحملها و القيام بأعبائها، و بقدر ما يعظم تدريبه و يتسع لديه نطاق التفكير و النظر في التدريب، فيجد السبيل إلى ما يجب أن يشارك فيه من تحمل المسؤوليات الكبرى التي تتصل بأسرته الوطنية، و أقرب ما يوحي بهذا من كلام الله قوله تعالى : (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام)).
و بالزواج نستأصل جذور العادات، و نقطع دابر الخصومات فكم بيوت أصبحت بالزواج بيتا واحدا، و كم شخص كان فيريدا مهيض الجناح لا عضد له و لا نصير فلما تزوج عز جانبه، و اشتد أزره، فالقرابة و المصاهرة توأمان بهما يرتبط بنو الإنسان و يتعاونون على مرافق هذه الحياة ليعيشوا عيشة راضية و يحيوا حياة طيبة تحقيقا لقول الله تعالى : (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا)).
فللزواج إذن أثر كبير في الأسرة، و له مصالح كثيرة لها قيمتها في إحياء فضية العفة و تخفيف متاعب الحياة، و لولاه لانفرط عقد المجتمع الإنساني و انعدم النسل الصالح القوي، و انتشر بين الناس كثير من الأمراض الاجتماعية المؤدية إلى الخراب و الهلاك، فلهذه المكانة السامية التي يحتلها الزواج الشرعي في حياة الفرد و الأسرة و المجتمع نوه القرآن الكريم بشأنه، و جعله ميثاقا تتحمل الضمائر مسؤوليته و تكافح جهدها في سبيل المحافظة عليه، و هو لا يكتفي بجعله ميثاقا كيفما يكون تعتريه الرقة و خفة الميزان، بل جعله ميثاقا غليظا و عهدا قويا يتعذر حله فيربط القلوب و يندمج به كل من الطرفين في صاحبه.. و إلى ذلك يشير القرآن الكريم بقوله : (( و كيف تأخذونه و قد أفضى بعضكم إلى بعض و أخذن منكم ميثاقا غليظا)). و كلمة ميثاق في التعبير القرآني تأخذ مكانتها حيث يأمر الله بعبادته و الأخذ بشرائعه و أحكامه، و بذلك ندرك تلك المكانة التي وضع الله الزواج فيها، و جعله في التعبير عنه صنوا للإيمان بالله و شرائعه و أحكامه.
و إذا كان الله تعالى في شرعه لها يرعى المستوى الرفيع اللائق بالمكان الذي قرره للإنسان في الكون و ما حباه من أسباب التكرمة و الفضل في الحياة الزوجية فجدير أن يمدنا ذلك بأسباب الطموح و أن يثير فينا حوافز الهمم لندرك ما نحن أهل له عند الله من رفعة المنزلة و شرف الخصائص، و العبرة بأن نوفر للزواج ظروفه النفسية، أو شرائطه التي يعمل في نطاقها، فيؤتى من الثمر ما قدر له ومن تلك الشرائط أو الظروف ما يأتي :
1) أن يكون التقاء الطرفين على السنة المشروعة و هي التي يتوفر معها شعور الإنسان بكرامة الصلة، و تصونه من التحلل و الابتذال، وهو شعور صالح، يؤازر قانون الزوجية و بقية الآفات العارضة و لذلك لا نجد بين المتخاذلين و المتسافحين علائق التراحم و المودة ما بين المقترنين على السنة الحلال المشروعة.
2) أن يتوفر للزوجة روابط وجدانية أصيلة، لا يتصور قيامها بدونها، منها : الرغبة العميقة في الاستمرار و تبادل الإحساس بحاجة كل منهما إلى الآخر ، فإذا انتقى ذلك، انتقى روح الزواج و حقيقته، و آل ما بينهما إلى مجرد صلة تحمل سمة الشرع فقط، لقضاء ما لغريزتهما من مآرب الجنس.

3) أن يحيطا علاقتهما الزوجية بجو روحي من الوقار و القداسة، كأن يدركا أن الزواج أريد لثمر علوي ليس من شأن الأرض أن تثمره، فإن في إدراك هذا المعنى و ما يصحبه من شعور الثقة يزكي جوهر النفس في ضميريهما و يثير فيه خصائص الكمال.
و لعل أفضل نموذج جمع كل ذلك هو ما كان بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و زوجته أم المؤمنين سيدتنا خديجة رضي الله عنها، فقد كان إحساس كل منهما بجمال صاحبه بالغا ذروة الاعجاب والسرور، فلم يكن لجمال الحس و لا لفارق السن أثر في توثيق العلاقة بينهما، فلقد كان ما يطالع كل منهما في صاحبه في جمال النفس، تلك الرابطة الوتقى التي تزيد على الأيام تقديرا حتى جاءت الرسالة فتمت بها نعمة الحياة الزوجية، فإذا التمست السكن فالتمسه يوم عاد إليها ترجف بوادره و قد فجأه الوحي يقول : (( إنك لتصل الرحم، و تقري الضيف و تحمل الكل، و تكسب المعدوم، و تعين على نوائب الحق، و إذا التمست الود و الرحمة فسيرتهما قبل الرسالة و بعدها أحفل ما تكون بمثلهما و آياتهما.
         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here