islamaumaroc

سفارة فرنسية لدى جلالة الحسن الأول -2-

  دعوة الحق

145 العدد

و بعد زيارة الصدر الأعظم، توارد على قصر المامونية بعض الوزراء و الشخصيات البارزة من حاشية السلطان، حيث جرت بينهم و بين السفير مباحثات و مناقشات تتعلق بحفلة الاستقبال الرسمي التي عقد لها موعدا صباح الغد القريب.

في صميم «البروتوكول» :
و في هذه الأثناء أثيرت مسألة تتعلق بمراسم التشريفات و بإحدى شكلياتها على وجه التحديد. و لقد أقامت هذه المناقشة رجال الحكومة و أقعدتهم، و ذلك أن السفير الفرنسي الجديد، أراد أن يخرق عادة كانت – حتى ذلك الحين – متبعة بين جلالة السلطان و جميع السفراء الذين استقبلهم و سبق أن قدموا له أوراق اعتمادهم، فقد طالب السفير بأن يؤذن له بالتسليم على العاهل المغربي و هو لابس قبعته غير حاسر الرأس، ما دام يتحدث باسم فرنسا، حيث أن السفير لاحظ أن المقابلة ستتم في الهواء الطلق و تحت شمس مراكش الساطعة، الأمر الذي ربما برر مطلبه حسبما كان يعتقد. و قد كان من حججه التي ناقش بها أن ملوك أوربا يسمحون بهذا عندما يقابلون سفراء الدول في مثل هذه الظروف، و تحت وطأة الحر الشديد.
قد تبدو المسألة في حد ذاتها غير ذات أهمية تذكر، إذ أنها تتعلق بإحدى الشكليات لا بالجوهر، و لكن الاستجابة لمثل هذا المطلب في بلد عريق محافظ على تقاليده مثل المغرب، قد أثار كثيرا من التعاليق، و ربما أثار شيئا من القلق و الاندهاش و الخطورة. و لهذا اضطر وزير العدل – الذي ينوب عن وزير الخارجية – أن يقوم بعدة زيارات لبحث هذه المسألة مع السفير الفرنسي محتجا على الخصوص بأن السماح بخرق هذه العادة المتبعة، و أحداث مثل هذا التجديد، سيؤثر في الذين سيحضرون حفلة الاستقبال، و ربما رأوا في مثل هذا العمل إمارة استهتار، أو علامة على عدم احترام العاهل العظيم، ثم ألا يفت القيام بهذا التغيير في السمعة الطيبة، و النفوذ الروحي لشخصية الملك المقدسة التي يجري في شرايينها دم النبي محمد صلى الله عليه و سلم؟
فأجاب السفير بأن الأمر ربما كان على عكس هذا تماما، ذلك أن السلطان حينما يقوم بهذا التغيير، إنما يفعل مثلما يفعل ملوك أوربا، و أضاف محتجا بأن السفير لو كان يتكلم عن شؤونه الخاصة لما فكر إطلاقا في أن يبقى في حضرة الملك لابسا قبعته، و لكنه في اللحظة التي يشرع فيها في التحدث باسم فرنسا فإن شخصيته الفردية حينئذ تتقلص أو تختفي تماما، لتتقمص روح أمته، و روح رئيس دولته، و في هذه الحالة يكون السفير ذا مكانة مساوية لمكانة إمبراطور المغرب. و هكذا يبقى جميع أفراد السفارة حاسري الرأس، أما هو فيطلب لنفسه حق تغطية رأسه... لكل هذه الاعتبارات ينتظر السفير دعوة السلطان له بأن يبقى لابسا قبعته، بل يصر على أن تكون الدعوة هكذا.
و طلب السفير أن يتلقى جوابا حاسما في الوقت المناسب، و قبل المثول بين يدي السلطان. و أضاف قائلا : و إذا لم يستجب السلطان لرغبتي، أو لم يحضر لاستقبالي، أو حضر و لم يأذن لي في بقاء القبعة على رأسي، فإني سأنسحب حالا، تاركا أوراق الاعتماد بين يدي الصدر الأعظم، ليتولى هو إيصالها إلى يد السلطان...و هكذا أوقف السفير الفرنسي الجديد أمر العلاقات الدبلوماسية بين دولته و بين دولة المغرب المستقل على حافة الهاوية، لولا التصرف الحكيم الذي أبداه صاحب الجلالة الحسن الأول.
فهل كان المسيو أورديكا مدفوعا لمثل هذا العمل دفعا فكانت النية مبيتة لتقديم مثل هذا الطلب ؟ أم أن المسألة جاءت عفوية تلقائية ؟ نرجح أن ظروف التحرش و استفزاز و التدخل الذي كان يسود دول أوربا الاستعمارية في القرن الماضي، كان لها دخل كبير في الموضوع. و يدعونا إلى هذا الترجيح أن سفير فرنسا آخر، في وقت قريب ليس ببعيد، كان أثار ضجة أخرى مماثلة تتعلم بمراسم التشريفات أيضا.
و يتلخص ذلك في أن العادة السائدة في البلاط المغربي، كانت تقضي بأن يظل السفير واقفا أمام الجلالة الشريفة طوال المدة التي تستغرقها المقابلة. و كانت حجة هذا السفير و من لف لفه أن هذا لا يليق، خصوصا  أن معظم السفراء يكونون في الغالب شيوخا قد بلغوا من الكبر عتيا، فقد لا يستطيعون – و الحالة هذه – أن يتحملوا الوقوف مدة قد تطول... و حدثت مناقشات في البرلمان الأوربية، و صدرت تظلمات من جهات متعددة، مما أدى في النهاية إلى تنازل الجانب المغربي، و السماح للسفراء بالجلوس بين يدي جلالة سلطان المغرب.
بقيت مسألة تغطية الرأس التي طالب بها المسيو أورديكا موقوفة بعد ذلك التهديد الذي صدر منه، و الذي جعل العلاقات الدبلوماسية المغربية – الفرنسية على شفا جرف هار، إلى أن حلت الساعة السادسة من صباح اليوم التالي الذي كان مخصصا للاستقبال الرسمي و تقديم أوراق الاعتماد، حينئذ قدم وزير العدل إلى قصر المامونية ليحادث السفير الفرنسي عن التعديل المقترح، و ليبلغه وعدا بأن رغبته قد حظيت بموافقة السلطان.

نحو الاستقبال الرسمي :
و بعد مدة جاء إلى القصر المامونية، خليفة «قائد المشور» صحبة عشرة فرسان، و ذلك للاتفاق مع السفير على الطريقة الذي ستسلكه البعثة الديبلوماسية، مقترحا في نفس الوقت أن يقع الاختيار على أقصر طريق يربط ما بين قصر السلطان( المشور) و بين قصر المامونية مقر البعثة.
و في الساعة 9 من صباح 3 أبريل 1882م امتطى أفراد السفارة و في مقدمتهم السفير صهوات الجياد، و شرع الموكب في المسير، و قد تشكل الموكب على المنوال التالي :
في المقدمة الفرسان العشرة و هم راجلون و يلي هؤلاء فارسان مسلحان ببندقيتين ذواتي ماسورة طويلة، و يلي هذين الفارسين السفير الفرنسي الجديد و كل أعضاء سفارته. و يتبع هؤلاء حرس الشرف الذي يرافق السفارة، و في المؤخرة عشرة فرسان آخرون.
و عندما وصل الموكب إلى المشور، ترجل الجميع، و ترك الفرسان الذين سيقومون بدور ما في حفلة الاستقبال أحصنتهم خارج المشور. و كان عدة آلاف من الجنود البيض و السود يتشكلون و هم مصطفون مستطيلا كبيرا اخترقته البعثة لتحتل مكانها وسطه، و كان الجنود يمثلون مختلف الأسلحة.
و يعد وقت يسير من الانتظار، حدثت حركة نشيطة في المكان الذي اجتمع فيه الوزراء و الشخصيات السامية و الضباط و الأعيان و الوجهاء و أفراد آخرون من الشعب، و في نفس الوقت خرج من القصر نحو خمسين مخزنيا و هم يخطون خطوات رياضية ليصطفوا أمام البعثة الديبلوماسية، و في اللحظة ذاتها تدق الطبول و ترن الأبواق و المزامير فتسمع أنغام «مارش» اسباني.
و يظهر موكب جلالة الحسن الأول تعلوها منه مظلة كبيرة حمراء اللون، فلا تلبث حناجر الحاضرين أن تلفظ جملة : « الله يبارك في عمر سيدنا » و ينحني المخزنيون ثلاث مرات تحية للسلطان. و في نفس الوقت، و  على شاكلة الخطوة الرياضية التي خرجوا بها، ذهبوا ليأخذوا أمكنتهم على يمين الجنود المصطفين و على شمالهم، و بتنحيهم هذا فتحوا المجال أمام البعثة لتنظر جليا و عن كثب موكب السلطان و هو يتقدم في خطوات وئيدة تتسم بالوقار و الجلال و الهيبة.
كان جلالة السلطان يمتطي صهوة جواد أبيض مجهز بسرج و لجام أصفر اللون، و كان يسير إلى جانبه المكلفون بحمل المظلة، الحريصون أشد الحرص على أن لا تقع أشعة الشمس على رأس سيد البلاد. و كان يسير أمام حصان صاحب الجلالة جنديان مسلحان بمزراقين، و مسيوقان بقائد المشور الذي كان جملة مهامه تقديم السفراء إلى السلطان. و كان يسير في مؤخرة الموكب الملكي الصدر الأعظم و وزراؤه.
و كان يكون جزءا من الموكب خمسة أحصنة مطهمة مجهزة بأجهزة ذات ألوان براقة مختلفة، و يقودها من ألجمتها خمسة من السواس رائضي الخيل، و كان هؤلاء ملزمين بمرافقة السلطان في كل حفلاته الرسمية، و سارت ضمن الموكب عربة خيل فخمة كانت الوحيدة من نوعها في المغرب كله، و يبدوا أنها كانت هدية من ملكة انكلترا : الملكة فيكتوريا. كانت العربة الفخمة تحتوي على مقصورة كبيرة مطلية باللونين الأخضر و الذهبي، و يجرها حصان واحد أبيض اللون يقود من اللجام سائس آخر.

اللحظة الحاسمة :
لم يقف السلطان مسيرته إلى أن اقترب من السفير، حينئذ كشف هذا الأخير رأسه رافعا قبعته تحية لجلالته، فحذا حذوه بقية أعضاء السفارة. و من خلال مظاهر الإجلال و الاحترام و الوقار الذي يسود الموقف، و من «المظلة» التقليدية، و من مكوث مولاي الحسن راكبا وسط حشد راجل، يتضح جليا أن الجميع في خضرة جلالة الحسن الأول الذي كانت حياته تتسم بالتقوى و الإخلاص و التواضع، لدرجة أنه لم يكن يفرق بينه – من حيث الشارة و الهندام – و بين رجال حاشيته المحيطين به أي فارق جوهري.
و حسب شهادة أحد معاينيه من أعضاء هذه السفارة – و نعني به الدكتور مارسيه – فإن مولاي الحسن كان في حدود الخامسة و الأربعين من عمره، طويل القامة، يميل إلا النحافة أكثر مما يميل إلى السمنة، أسود اللحية، مقصوصها في شكل مربع، و كانت لحيته خفيفة غير كثيفة، و ليس بها أمارات شيب. كان مولاي الحسن شاحب اللون، صافي أديم الوجنتين، شارد النظرة حائرها، يميل رأسه إلى اليسار قليل. و في كل مواقفه، كما في محياه، تبدو علائم الصبر و الأسى. يتحدث بصوت منخفض متمهل حتى لا تكاد تسمع كلماته التي فاه بها أول مرة، غير أن قائد المشور، الذي كان يملك صوتا جهوريا قويا، كان يكرر أقوال صاحب الجلالة الذي بدأ بالترحيب بوزير فرنسا فانحنى هذا في إجلال ثم شرع يلقي خطاب تحية و مجاملة، مما يقال عادة في مثل هذه المناسبة. و حينما انتهى من ذلك قدم أوراق اعتماده إلى جلالة السلطان، و كانت في ظرف أنيق من الحرير الأزرق، مزخرفة بشريط حرير أصفر.
و لاحظ كل من أعضاء السفارة الفرنسية و أعضاء الحكومة المغربية، أن السفير الفرنسي بقى حاسر الرأس، خلافا لرأيه السابق الذي دافع عنه أمام وزير الجلالة الشريفة بكل ما أوتي من قوة برهان، و مهارة ديبلوماسية. غير أن الحسن الأول العظيم – و قد تسلم أوراق الاعتماد – لم يشأ أن يخلف وعده – و وعد الر دين – و أن يظل السفير الفرنسي حاسر الرأس و قد أوشكت الحفلة على الانتهاء، لذا تفضل فدعا السفير إلى لبس القبعة شافعا دعوته بإشارة من يده اليمنى. و هكذا لم يكن في الإمكان أبدع مما كان، و حلت أحسن حل مشكلة القبعة التي أثيرت مساء أمس و كانت على وشك أن تكون في تعقيد ذنب الضب!
و بعد هذا، خطا نحو جلالة السلطان المترجم الأول السيد de Gray بضع خطوات، ثم شرع في تلاوة خطاب السفير باللغة العربية، حيث كان هذا الخطاب قد سبقت ترجمته إلى لغة البلاد الرسمية. و حينئذ شكر السلطان السفير الفرنسي على عواطف الصداقة التي أبداها باسم الحكومة الفرنسية، و جدد السفير تأكيده لتلك الصداقة التي تربط بين البلدين غير ضان بالقول : أن فرنسا ستكون بين دائما أحسن حليف مخلص للمغرب. فقال  السلطان : أنه على ثقة تامة في صدق ما أعلنه السفير، و أنه يعرف السيد أورديكا رجلا أمينا عادلا و مستقيما.
قال الدكتور مارسية : إن أسارير السلطان أخذت توحي – الآن – بتعبير يختلف عن ذلك الذي كانت تبدو به أثناء قدومه. فالابتهاج يلوح من بين عينيه، و كل ملامحه صارت تعبر عن شعور ملحوظ من الرضى و الأريحية ... و لاحظ فوق ذلك أن جلالته كان لا يزال يكن في نفسه جوا من عدم الاكتراث و من الملل، و لعل ذلك الجو – على عكس ما يبدوا لأول وهلة – لا يمثل بين الشرقيين أمارة تعب و أناك قوى، بل على العكس من ذلك يعتبر دليلا على الامتياز و الرفعة و الوجاهة و النبل.
و كانت العملية التالية في مراسم التشريفات هي تقديم أعضاء السفارة واحدا واحدا إلى السلطان، و كان جلالته يعير انتباهه جيدا لكلمات الترجمان، و يحاول من خلالها أن يتعرف خاصة على وظيفة كل واحد و مرتبته، فإذا ساورته أية ريبة في أن الخبر غير كاف، تفضل فسأل المعني بالأمر، و كان جلالته يحيي من يتعرف عليه بإماء خفيفة من رأسه، فكان المؤمى إليه يجيب بانحناءة مماثلة.

نهاية الحفل :
و أخيرا وجه السلطان إلى السفير كلمات مجاملة، ثم بعد أن وجه له التحية الأخيرة كان ذلك إيذانا بانتهاء الحف، و بمثابة وضع نقطة النهاية لمراسم التشريفات الخاصة بتقديم أوراق الاعتماد، فولى جلالته من حيث أتى. و كان الرجوع إلى القصر السلطاني بنفس الطريقة التي قدم بها الموكب تحف به المهابة و الجلال، و تحوطه العناية الربانية.

شعور عام بالرضــى :
استمر الاحتفال أكثر من ربع ساعة. و الذين حضروا الحفل، و قاسوه بحفلات أخرى مماثلة سابقة، أكدوا أن صاحب الجلالة الشريفة لم يكن في يوم ما مسهبا مثل ما كان في هذا اليوم. و لعل من علائم ذلك الشعور العام بالرضى أن الصدر الأعظم و كل وزرائه بادروا المسيو أورديكا و صافحوه بحرارة. و لا ريب أن الحاضرين رأوا في وجه السلطان أمارات البشر و الرضى، فطفحت وجوههم بذلك أيضا.

في حدائق أكدال :
و بعد ذلك بقليل كان السفير و حاشيته على صهوات جيادهم  مرة أخرى. و كان برنامج الرجوع قد تقرر من قبل. فقد كان من العادة المتبعة أن يزور السفير و من معه حدائق أكدال بمراكش. لذا لم يكن بد من تعريج الموكب على تلك الحدائق . و كان قائد المشور هو الذي يقود الموكب الذي اخترق الحديقة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة – أجمل الجميع على الإطلاق - . و كانت هذه الحدائق مقل حديقة قصر المامونية مقسمة إلى مربعات يفصل بين كل مربع و آخر طريق واسعة محفوفة بأشجار الجوز و من كلا الجانبين.
أما محتويات هذه الحدائق فكانت في طياتها أشجار الزيتون و أشجار البرتقال و الليمون التي لم تكن تبخل على زوارها بثمارها اليانعة و قطوفها الدانية تارة، و بشذى زهورها العطرة تارة أخرى، و بتأثير المياه المتكاثرة التي تجري عبر قنوات تستقى من معين لا ينضب، و بتأثير الحرارة المتوافرة، نمت أشجار أخرى مثل ، الإجاص و التفاح و المشمش و البرقوق و الرمان إلى جانب أشجار النخيل الباسقة و تحت أقدام هذه الأشجار كانت تلوح للناظرين شجيرات الورد و الياسمين التي كانت تتمايل راقصة و كأنها تشارك الزوار فرحتهم و ابتهاجهم، كما كانت تحمل على أفنانها زهرات متفتحة تسر الناظرين و تغريهم بقطفها في آن واحد.. و وسط هذا المنظر الرائع العبق كانت تنبث هنا و هناك دور أو أكشاك بنيت لاستراحة السلطان و حريمه، أو لقضاء فترات من العمر لا تنسى.
إن الفسحة هنا في حدائق أكدال الواسعة لا تكاد تنتهي . غير أن نظامها المتشابه جعل زائريها يشعرون عند الساعة الحادية عشرة بوطأة الحر و التعب و الجوع أكثر مما صاروا يحسون بالانتعاش و الراحة و جمال النزهة، مما حدا بالسفير أن يبدي رغبته في العودة إلى قصر المامونية محل إقامة البعثة. و عاد الركب بالفعل و صورة الاستقبال الرسمي – و ما تخلله من عواطف و مواقف لا تكاد تبرح مخيلة أعضاء السفارة.

الهدايـــــا :
كان من التقاليد المتبعة في البلاط المغربي أن كل سفير جديد، يأتي معه بهدايا يقدمها لجلالة  السلطان و رجال حكومته، و ذلك باسم الحكومة التي يمثلها. و لا ريب أن سلاطين المغرب كان في مقابل ذل يزودون سفراءهم إلى الخارج بمثل تلك الهدايا أيضا، و بمجرد دعة البعثة إلى محل إقامتها بقصر الضيافة ، صارت تفكر في توزيع الهدايا على الشخصيات، و تخصيص كل بما يناسب مقامه، و المهمة في حد ذاتها قد تكون صعبة تتطلب الحذق و المهارة و الذوق السليم، فإذا توافرت هذه الخصال في اختيار الهدايا و في توزيعها فإن كلا من المهدي و المهدى إليهم يشعرون بالراحة و الرضى و الاطمئنان و التقدير.
و لصعوبة المهمة التي شعر بها السفير و رجاله قرروا استعراض هداياهم من جديد، بما فيها الهدايا التي أتى بها الكومندار ممثل جنرال الاحتلال الفرنسي بالجزائر الشقيقة. و ها هي ذي :
1- حق تبغ من الذهب الإبريز المزين بحجر الماس.
2- ساعة من الذهب الخالص تشير في مربعات صغيرة إلى الشهر و اليوم و الساعة و الدقيقة و الثانية.
3- ساعة أخرى من الذهب مماثلة لسابقتها
بيد أنها تشير فقط إلى الساعة و اليوم.
هذه هي الهدايا التي أبى بها السفير من فرنسا نفسها، أما تلك التي أتى به الكومندار من الجزائر فهي :
4- مجموعة من آنية الشاي تتألف من أربع قطع فضية لطيفة.
5- ثلاث كؤوس فضية بمقابض لشرب الماء.
6 حق تبغ من الذهب الخالص
7- ثلاث ساعات مزرودة بسلاسل و مداليات كبيرة.
8- مسدس مع عدة قراطيس.
9- مسدس ذو ثلاث فوهات.
و واضح أن الهدايا القادمة من القطر الشقيق على كثرتها تعتبر أقل قيمة من الهدايا الآتية من فرنسا. و بعد استعراض هذه الهدايا تقرر أن تخصص الهديتان الأولى و الثانية لجلالة السلطان على أن يتولى السفير – مصحوبا بسكرتير السفارة و عضو آخر مع الترجمان Gaspary – تقديمهما إلى جلالته.
أما هدية الصدر الأعظم فتتمثل في أواني الشاي الفضية، على أن يتولى تقديمها إليه الكومندار مع سائر الهدايا، ملتمسا منه أن يعمل على تمكين أصحابها منها. و لم تستثن البعثة من مجموع الهدايا السابقة إلا هديتين اثنتين، احتفظت بهما إلى حين عودتهما إلى العاصمة الدبلماسية (طنجة، حينئذ تقدم إحداهما إلى وزير الشؤون الخارجية السيد بركاش، و تقدم الأخرى إلى الباشا السيد ابن عبد الصادق.

رأي في الهدايا :
و يحدثنا الدكتور مارسيه عن عادة تقديم الهدايا إلى الجلالة الشريفة مظهرا حياده حيالها فلا هو يحبذها و لا هو يستنكرها، و لكنه يظهر بوضوح عدم كفاءة هذه الهدايا الفرنسية لدى مقارنتها بهدايا سبق أن قدمها سفراء آخرون، مشيرا إلى العربة الفخمة التي برزت في حفلة الاستقبال و كان يجرها جواد مطهم. قال : «تلك هي الهدية المناسبة التي تنم عن البراعة الفائقة في الاختيار». ثم يضيف قائلا : « لقد سمعت أن الإيطاليين الذين سيأتون بعدنا، اقترحوا أن يقدموا للسلطان مجموعة آلات الأرغن، وآلات موسيقية أخرى بارعة التعبير، بالإضافة إلى آلات «بيانو» ميكانيكية. فهذه أيضا – فيما أرى – هي الهدايا الأكثر ملاءمة من أسلحتنا و حقاقنا و ساعاتنا»

ختــــــام :
و طالت إقامة البعثة الديبلوماسية الفرنسية في مراكش محفوفا أعضاؤها بكل ما يستحقونه من تكريم. و قد تقابل السفير الفرنسي مع جلالة الحسن الأول خلال مدة الإقامة، و تباحث معه في قضايا تهم البلدين مثل الحوادث العسكرية على الحدود المغربية – الجزائرية، و مثل التعويضات التي طالب بها الفرنسيون نتيجة الغارات المغربية على بعض أطراف هذا القطر الشقيق المبتلى بالاستعمار الفرنسي منذ سنة 1830، ثم الشكايات التي كان يثيرها التجار الفرنسيون في المغرب و ما إلى ذلك من القضايا التي يتسم بعضها بطابع التحرش، و بعضها بطابع الافتعال و التصنع كما سبق أن أشرت من قبل.
و ليس من خطة هذا لبحث تتبع المهام التي قامت بها هذه السفارة، و حظوظ النجاح أو الفشل التي صادفتها، سواء في مراكش أو في طنجة، فهذا موضوع يطول، و إنما كان هدفه من أول وهلة المشاركة في العدد الخاص بعيد العرش بغية إطلاع القارئ الكريم على بعض العادات و التقاليد التي كانت مرعية في بلاط المملكة المغربية في أواخر القرنين الثالث عشر الهجري و التاسع عشر الميلادي، أثناء تقديم السفراء الجدد أوراق اعتمادهم لأحد سلاطين المغرب المستقل العظام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here