islamaumaroc

معالم أساسية في تاريخ الصحة العقلية

  دعوة الحق

145 العدد

لم يكن الاهتمام بالانحرافات العقلية وليد العصر الحديث بل إنه يرجع إلى عهود سحيقة، إلا أن فكرة تنظيم الخدمات في ميدان الصحة النفسية بطرق فعالة لم تر النور إلا في أوائل القرن التاسع عشر. و قد تأثر تطور العلاج العقلي بالمفاهيم السائدة عن العوامل المفضية إلى الأمراض العصبية، فكانت تعلل قديما هذه الأمراض بمس من الشيطان، و لا زالت، حتى في أيامنا هذه، شعوب ترى أن مرضى العقول متلبسون بأرواح شريرة. و اليوم يحاول العلم الوقوف على أسباب المرض النفسي من الناحية التشريحية البحث من جهة ثم التعرف على العوامل الوظيفية من ناحية أخرى، تلك العوامل التي ينشأ عنها خلل في وظيفة الأعضاء و إن كانت الأعضاء سليمة من الوجهة الطبية، و كمثال على المرض الوظيفي ما يعرف بالعمى الهستيري الناتج عن عوامل نفسية، حيث تكون العين سليمة لكنها تفقد في هذه الحالة وظيفة الإبصار. فالدراسة العلمية الجسمية و ظروف التنشئة الاجتماعية على اعتبار أنها المكونة للشخصية منحرفة كانت أو سوية.
و قد كان الإغريق القدامى أسبق الأمم في الاهتمام بميدان الصحة العقلية فرعوه حق رعايته، و تنبأوا قبل غيرهم بأسس العلاج العقلي رغم أنهم وقعوا تحت تأثير الاعتقاد القديم الذي يقر بأن حلول أرواح الجن في المرضي هو سبب الانحراف. و قد شاع بينهم الرأي القائل بأن من أراد الله هلاكه أصابه بالجنون. و انصرف اهتمام اليونان إلى تأسيس مراكز الاستشفاء مقتدين في ذلك بالمصريين قبلهم، و أولوا الجسم أهمية كبرى في حالتي الصحة و المرض على السواء و ردوا إليه حالات كثيرة من الاضطرابات النفسية، وقد اشتهر منهم على الخصوص هبوقراطيس في القرن الخامس قبل الميلاد كرائد لعلم الطب، و قد أفرد للصرع دراسة دقيقة و كتب عنه كثيرا، و فكر في علاجه عن طريق حمامات خاصة و بواسطة التدليك و أنواع معينة من الطعام. أما أفلاطون فقد أوكل أمر المريض عقليا إلى أهله و أوصى بعدم فصله عن أسرته، فيقول في «جمهوريته» : أحجز المجنون في بيته و اجعل أهله يحرسونه».
أما العرب فقد فاق وعيهم الحد في مجال العناية بمرضى العقول، و أنشأوا مؤسسات للأمراض العقلية شبيهة بما هو موجود في عالمنا المعاصر. و يحتفظ التاريخ بنبذ من أيام الرشيد و المأمون تبرهن على تقدم العرب في هذا الباب. فهناك نص يشير إلى طريقة العلاج بحبس النبض، و قد عالج ابن سينا بفضلها أحد الأمراء و أبراه من سقمه، فقد ظن ابن سينا أن هيام هذا الأمير بإحدى الفتيات هو الذي هد صحته و أطار صوابه، فطفق يحبس نبض الأمير و يذكره بأمور تتعلق بمحبوبته و بذلك تأكد من أن قلب الأمير متعلق بها و أن شفاءه مقرون بزواجه منها. و تؤكد نصوص أخرى أن امرأة أصيبت بشلل هستيري فما كان من ابن سينا إلا أن باغتها و حاول على مرأى من الملأ أن  يكشف على جسمها فقاومت و أرادت منعه من ذلك، فذهب عنها الشلل !
و لقد ازدهر الطب النفسي أيما ازدهار في بغداد خلال القرن الثاني عشر الميلادي و عرفت الخجمة الاجتماعية النفسية تقدما مطردا، و استهدفت أبحاث المسلمين في هذا المجال الدوافع الاجتماعية و الأزمات الانفعالية أثناء عملية التنشئة في الإطار الاجتماعي و خاصة داخل الأسرة على أساس أن الأمراض و الانحرافات النفسية هي نتاج سوء توافق الفرد مع الجماعة في وسط دوامة الانفعالات الحادة.
و أما أوربا القرون الوسطى، فقد تبنت فكرة التلبس، و ساد فيها الاعتقاد بأن النساء المريضات عقليا ساحرات، و تبعا لقانون السحر المعمول به في العصر الوسيط تعرض هذا الصنف من النساء للحرق، و قد أحرق منهن خمسة آلاف امرأة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، و قد تركزت الخدمة العقلية على الخصوص ابتداء من القرن الرابع عشر في قرية تدعى غيل (Ghiel) حيث يوجد ضريح لقديسة كانت بنتا لملك إيرلندي، و يقال أنه راودها عن نفسها فهربت منه إلى هذه القرية و أقامت بها إلى أن توفيت، فأحاط الناس بقرها بهالة من التقديس و اعتبروا أن من زاره شفي من مرضه العقلي، فكان الناس يهرعون إلى ضريح هذه القديسة صحبة مرضاهم حيث يعيشون بين أهالي القرية الذين نما لديهم الوعي و التقدير في شأن خدمة و معاملة المرضى عقليا، و لا زالت هذه القرية إلى يومنا هذا مضطلعة بهذه المهمة و استعانت في ذلك بالوسائل العلمية الحديثة و يعد مستشفى الأمراض العقلية بها من أعظم المستشفيات يقيم به حوالي ثلاثة آلاف مريض طلبا للاستشفاء.
و في القرن الرابع عشر و ما يليه وقع تقسيم المرضى عقليا إلى طائفة البلهاء ضعاف العقول و هؤلاء يتعهد الملك بالمحافظة على أملاكهم، و إذا مات المريض انتقلت ثروته إلى الملك، ثم هناك طائفة مرضى العقول أو المجانين، و كانت توضع أملاكهم تحت رعاية الملك إلى أن يتم شفاؤهم، فالاهتمام في تصنيف المرضى لم يكن في أول الأمر على أساس أنواع الأمراض العقلية و إنما تبعا لدى قدرة المريض في تدبير شؤونه و أملاكه. و في هذه الفترة و حتى أواخر القرن الثامن عشر كانت معاملة الشواذ على أسوأ ما تكون المعاملة، فكانوا يربطون بسلاسل من حديد و لا يؤخذ في شأنهم بمبدأ التصنيف تبعا للجنس و السن و نوع المرض، و قد استعين في طريقة العلاج بالماء و الصدمات المفتعلة و ببركة بعض العيون المائية و الحمامات الساخنة و الباردة، و نحن نرجع جدوى بعض هذه الوسائل فتعرض المريض للصدمات المصطنعة كالإلقاء به من شاهق فيقع على شبكة واقية أو ربطه بعجلة تدور بقوة أو ضربه ضربا مبرحا، كل ذلك من شأنه إحداث تشنج هستيري يكون مناسبة لاستقامة المريض و عودته إلى عالم الأسوياء. و كان يدخل ضمن المعاملة القاسية إزاء المرضى حجزهم أو بمعنى أصح سجنهم في سجون غاية في القذارة هي ذاتها التي نحجز فيها المجرمون، و لم يقتصر الأمر على تصفيدهم بالسلاسل و الأغلال بل كانوا يتعرضون للسع السياط بعد أن يعطوا نوعا من المخدرات تجعلهم في حالة ذهول عند جلدهم، و الغرض من هذا الضرب هو طرد الجني الذي حل جسم المريض اعتقادا بأن مصدر الشذوذ القلي فوق الطبيعي. و إذا كانت هذه الإجراءات تثير دهشتنا اليوم، فما يدرينا أن تهكم علينا أحفادنا عندما يقرأون تاريخ الصحة العقلية فيجدون أننا استعملنا ضد مصابينا الصدمات الكهربائية، ألا يحكمون علينا بأننا كنا قساة في معاملة مرضانا و أنهم أرأف بهم منا حين استبدلوا عملية تسليط الصدمات الكهربائية على المريض بغيرها ؟
و ابتداء من القرن الثامن عشر تبلور اتجاه المحافظة على المجتمع من المرضى نفسيا و معاملتهم معاملة رحيمة إنسانية، و منذ ذلك شرع في تأسيس مؤسسات للعناية بهم، و ممن لهم يد بيضاء في الحث على معاملة المنحرفين باللين و الشفقة جون هوارد John Howard الباحث و المصلح الانجليزي، فقد انصرف اهتمامه إلى دراسة السجون الانجليزية، فأعد بحثا شاملا لهذه المؤسسات توخى فيه الموضوعية و الحقائق الواقعية المدعمة بالأرقام، فأثار الرأي العام و استدعاه البرلمان للمشاركة في وضع قانون إصلاح السجون و إنشاء المستشفيات. و في كتابه «حالة السجون» نصح بمعاملة المرضى و المصابين عقليا معاملة راضية كما أكد ضرورة تصنيفهم من حيث الجنس و المرض و السن.
و في الربع الأخير من القرن الثامن عشر تزعم في كل من فرنسا و إنجلترا و أمريكا ثلاثة أطباء فكرة
فك قيود المرضى عصبيا و ضرورة إيوائهم في مستشفيات : بيني في فرنسا و تيوك في انجلترا و رسك في أمريكا.
و من العوامل الأساسية في تقدم الوعي بالصحة النفسية انتشار دراسة حالات الهستيريا على يد بروير Breuer و فرويد Freud، و قد سجلت دراساتهما بدء حركة جديدة في علم النفس و العلاج النفسي، و عندما اعتمدت العلوم في تقدمها البحث العلمي خلال القرن التاسع عشر استفاد الطب العقلي من ذلك بنصيب كبير، و دخلت وسائل البحث العلمي ميدان علم الأمراض العقلية على الشاكلة التي و لجت بها العلوم الأخرى.
و قد بدأت حركة الصحة العقلية في أمريكا سنة 1908 بظهور كتاب كليفورد بيرز و عنوانه «عقل وجد نفسه» و هذا الكتاب عبارة عن تسجيل لحياة المؤلف و خبراته الشخصية و هو مصاب بمرض عقلي داخل أحد المستشفيات، و بفضل حجته الدامغة سرحت حركة إصلاحية في طرق التعامل مع مرضى العقول على أسس ناجعة. و في سنة 1909 شكلت هيأة دولية للأمراض العقلية. و بعد ذلك بعشر سنوات فقط أصبح في الولايات المتحدة وحدها عشرون مؤسسة للصحة العقلية و ما يعادل هذا العدد في جهات أخرى من العالم.
و قد نبهت حركة الصحة النفسية بامريكا إلى ضرورة رفع مستوى الكفاية الطبية في المستشفيات و ذلك بتمكينها من استيعاب عدد كبير من المرضى، و علاجهم طبقا لأحدث الوسائل، ثم تصنفهم حسب أمراضهم مع التأكيد على أن هناك طوائف لا يستهان بها من ضعاف العقول و من المصابين بالصرع يجب تمييزها و فصلها ضمن مجموعة مرضى العقول. كما لفتت هذه الحركة الأنظار إلى أهمية الإحصاء في هذا المجال، فمثلا دلنا الإحصاء في دراسة الأمراض العقلية بمدينة نيويورك على أن من بين اثنين و عشرين مريضا يوجد شخص قضى أو يقضي فترة من حياته نزيلا بأحد مستشفيات الأمراض العصبية، و ثبت أن عدد المرضى المقيمين بالمراكز الخاصة بالمرض العقلي في تزايد أكثر إذا قيس بالعدد الذي تؤويه المستشفيات العادية، و لوحظ أن نسبة ضعاف العقول كانت مرتفعة بل الغالبة بالنسبة لمرض العقول، كما انكشف أن هناك نسبة عالية من الأطفال بمدارس الولايات المتحدة ممن لا يقدرون سواء من الناحية العقلية أو الوجدانية على التوافق بله على تأدية عمله المدرسي، و تبين للمهتمين بالإجرام أن نسبة كبيرة من المنتحرين تعزى إلى الضعف العقلي و أن طائفة عظيمة من مرتكبي الجرائم يمكن أن تنعت بالاضطراب العقلي.
ثم شملت حركة الصحة النفسية الميدان الصناعي متوخية توفير أسباب التوافق للعمال في شغلهم. و قد قامت ثلاثون دولة بمسح صحي عقلي طبعت تقاريره سنة 1927 مما نبه الأذهان و حفز إلى سن قوانين خاصة لتحسين أحوال المصابين عقليا، و وضع نظم موحدة في ميدان المرض العقلي تتعلق بالوسائل الإحصائية، و إنشاء أقسام في المستشفيات على أساس التفرقة بين أنواع الانحرافات العقلية.
و تلا هذا التطور إنشاء العيادات «الخارجية» التي مكنت المريض من الحصول على العلاج بدون أن يقيم في المستشفى بل تعدى الأمر ذلك إلى معالجة المريض و هو في منزله دون أن يبرحه بعيدا عن المستشفى و العيادة معا على شرط أن تكون هناك تقارير متبادلة بين هذا المريض «الخارجي» و بين الطبيب المختص أو المشرف على العلاج، و بذلك اتسع نطاق الإشراف على مرضى العقول و علاجهم.
هكذا أصبحت حركة الصحة النفسية شاملة تعم جميع الميادين و تستهدف تهيئ البيئة الكفيلة برفع مستوى النوعي النفسي و تخفيف وطأة الانحراف الاجتماعي و اتخاذ الإجراءات الوقائية في كل مرفق من مرافق المجتمع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here