islamaumaroc

الاستشراق وقضايا الإسلام وثقافته-11-

  دعوة الحق

145 العدد

الطلاق في الإسلام :
و هذه أضحوكة أخرى من جملة الأضاحيك المتعددة التي يدبرها بعض المستشرقين و دعاة الصليبية و التبشير للإسلام، وهي ادعاؤهم أن المرأة في الإسلام مهددة الكرامة، مقيدة الحرية، لا تملك لنفسها حياة مستقرة هادئة، لأن الزوج مسلح بسلاح خطير جدا يشهره في وجهها متى شاء، و يعتدي عليها بشتى الوسائل، و أخيرا يطلقها، و حينذاك تمسي مخلوقا لا حول له، يعيش تحت رحمة الزوج منبوذا نبذ نواة.
و أنا الآن أتساءل، هل هذه الترهات المدبرة حقيقة واقعة في الإسلام ؟ هل الإسلام شرع الطلاق لهدم بنيان الأسرة المتماسكة ؟ هل هدفه التشفي من المرأة و جعلها أداة مبتذلة في يد الرجل باعتباره صاحب القوامة ؟ هل أن انحرف عن التعاليم الإسلامية اعتبرنا الإسلام مسئولا عن تصرفه الأخرق؟ ذلك ما سأجيب عنه وشيكا.
كان الطلاق قبل البعثة المحمدية غير مقنن ولا منظم، الرجل يتصرف في زوجته كما لو كانت دمية مسخرة يطلقها متى حلا له و يراجعها متى أراد دون ما قانون يحدد لكلا الطرفين مسئوليته، و يحد من تصرفات الزوج و حيله و مراوغاته، و كذلك كان الشأن عند الأمة اليونانية و الرومانية .
ولما جاءت الشريعة الموسوية حاولت رفع منزلة المرأة إلى ما تستحقه، بيد أنها توسعت في إباحة الطلاق حتى أن ثبتت جريمة الزنا على امرأة يجبر الرجل على مفارقتها و لو غفر لها فسقها و خطيئتها.
أما الديانة المسيحية التي يدين بها الغرب فهي تستقطب في مذاهب ثلاثة : المذهب الكاتولكي، و المذهب الأرثوذكسي و المذهب البورتستانتي، فالمذهب الكاثولكي يحرم الطلاق تحريما كليا، و إن حدثت الخيانة الزوجية، فالزوجان يفترقان جسميا، و لا يحق لأحد منهما الزواج، و إلا اعتبر ذلك تعددا، و لا شك أن الكاثولكية في رأيها هذا تعتضد بما جاء في أنجيل متى (1) القائل : ( لا يصح أن يفرق الإنسان ما جمعه الله )(2) و بما جاء في أنجلي مرقس (3) الذي يقول : ( يصبح الزوجان بعد الزواج جسما واحدا، فلا يعودان بعد ذلك اثنين، بل هما جسم واحد فالذي جمعه الله لا يفرقه الإنسان )(4).
 
و المذهب الأرثوذكس و البروتستانتي يبيحان الطلاق في حالات، منها الخيانة الزوجية، ولكن الزواج محظور، لذلك تمرد كثير من المسيحيين على إنجيلهم، لأنهم رأوا هذا الحجر غير موافق للحياة الإنسانية، فاصطنعوا قوانين مدنية تجيز لهم ما حرم الإنجيل، لكونهم وجدوا في أنفسهم وجها لوجه أمام مشاكل حياتية جد معقدة، لا يتأتى لهم معها الفكاك منها إلا إذا أذعنوا للواقع الملموس، و في هذا الصدد يقول الفيلسوف المسيحي الإنجليزي بنذام Bentham في كتابــــــه « أصول التشريع » : ( حقا أن الزواج الأبدي هو الأليق بالإنسان، و الملائم لحاجته، و الأوفق لأحوال الأسرة، و الأولى بالأخذ، و لكن إن اشترطت المرأة على الرجل ألا ينفصل عنه حتى و لو حلت في قلوبهما الكراهية الشديدة مكان الحب لكان ذلك أمرا منكرا لا يسيغه أحد من الناس. على أن هذا الشرط موجود بدون أن تطلبه المرأة. إذ القانون الكنسي يحكم به، فيتدخل بين المتعاقدين حال التعاقد و يقول لهما أنتما تقترنان لتكونا سعداء فلتعلما أنكما تدخلان سجنا سيحكم غلق بابه. و لن أسمح بخروجكما و إن تقاتلتما بسلاح العداوة و البغضاء).
ثم يقول معلقا على هذا النظام ( و لو كان الموت وحده هو المخلص من زواج هذا شأنه لتنوعت صنوف القتل و اتسعت مذاهبه )(5).
بيد أن الطلاق في الإسلام غيره في باقي الأديان أنه قانون اجتماعي محكم عادل شرعه الله للإنسان – لا لتشتيت عقد  الأسرة كما يتوهم أولئك – متمشيا مع الواقع العقلي و النفسي و الشعوري للإنسانية، لهذا لم يبادر إلى تحريمه – وهو يعلم سبحانه أنه حتمية فطرية – فيسد بذلك الأبواب أمام الناس و يعيشون في تثه من الشقاء و التعاسة، و ما كان رب العالمين، بظلام  للعبيد، وهو مصدر النور و الخير، و من أسمائه الحسنى السلام أن يشرع ما يكون مثار تنغيص و كدر لعبده.
و قد جعل الإسلام أمر القوامة في يد الرجل – لا في يد المرأة – فهو المسئول الأول في الأسرة عليه تكاليفها المختلفة، و حاجياتها الضرورية، و ليس من ريب في أن هذه القوامة التي استقل بها الرجل وحده لها ما يفسرها طبعا – و ما ذاك بإجحاف بحق المرأة – أوضح تفسير و هو قوة الرجل و فحولته و صلابته به و معها يتسنى له تحمل المصاعب و بالتالي فكره المسيطر على انفعالاته على نقيض المرأة التي لا تتحكم في عواطفها في كثير من الأحيان، و هذا إذا لا دخل له فيما يسمى عند البعض بالتعصب لجنس دون آخر، لأن الفارق بينهما فسيولوجي و سيكولوجي محض سواهما الله على ذلك ليقوم كل واحد منهما بمهمته في الحياة على خير صورة يرضاها.
إذا القوامة في الإسلام ترتكز على أمرين اثنين :
أ‌- اضطلاع الرجل بأعباء الأسرة لذلك استحق – و هذا منطقي – الإشراف على الشؤون البيتية، و على ضوء هذا المبدأ قامت الدساتير الحديثة، و آية ذلك أن المواطن في أمة من الأمم هو الذي يسدد واجب الضرائب و ينفق على المرفق الحيوية للدولة لهذا كان من المحتم أن يكون له الحق كل الحق في القوامة على شؤونها و مراقبة مختلف سلطاتها، و انطلاقا من هذا وضعت الأنظمة البرلمانية و الاستفتائية و اشتهرت القاعدة المعروفة عند علماء القانون الدستوري (من ينفق يشرف).
ب‌- قوة الرجل و رهافة إحساس المرأة التي تؤهلها للحضانة و الأمومة.
و قد أوجز القرآن الكريم هذين الأمرين في عبارة متألقة تحوي قانون حكيما في قوله : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم ).
و نستشف مما سلف أن منهج الإسلام راعى في هذه القوامة الاستعدادات الفطرية لكل من الجنسين و خصائص كل منهما، فوزع المهام على ضوء ذلك حتى تنشأ الأسرة نشأة سليمة من كل النواحي الخلقية و البدنية و العلمية. و لا ريب، أن الأسرة هي الأساس الجوهري الذي يقوم عليه صلاح مجتمع من المجتمعات الإنسانية، و رقي الأمة عموما مرتبط – ارتباط الشرط بالجواب كما بقول النحاة – برقي الأسرة.
و ينشأ ناشئ الفتيان منـــا
                  على ما كان عوده أبوه

و ليس من هدف القوامة الإسلامية السيطرة على شخصية المرأة – كما يتوهم البعض – سيطرة تامة يمحي معها كيان الشخص في البيت أو المجال الإنساني لا، إن هذا الفهم خاطئ ليس له في التصور الإسلامي ظل من الحقيقة، و آية ذلك أن المرأة في الشريعة تتمتع تمتعا ملحوظا بحقوقها كاملة بغير نقصان سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، فهي حرة في حقوقها المدنية بعد بلوغها سن الرشد إذ لها أن تقوم بإجراء العقود، و التصرف كتصرف الرجل في كثيب من المجلات المالية كالبيع و الشراء و الإقالة و السلم و الشفعة و الحوالة و المضاربة و الوقف و هلم جرا. و المتزوجة مستقلة كل الاستقلال عن زوجها في مالها و ثروتها، و لا يحق له البتة أن يتصرف دون رضاها، و إن بدا لها توكله فتختار غيره جاز لها ذلك على حين في القوانين الحديثة في الأمم الراقية مثلا كفرنسا، المرأة مغلولة في كثير من الحقوق المدنية، و تنص المادة 217 من القانون المدني الفرنسي أن ( المرأة المتزوجة حتى لو كان زواجها قائما على أساس الفصل بين ملكيتها و ملكية زوجها، لا يجوز لها أن تنقل ملكيتها و لا أن ترهن ولا أن تملك بعوض أو غير عوض بدون اشتراك زوجها في العقد ( موافقة عليه موافقة كتابية )(6).
و يجدر بنا أن نعيد إلى الأذهان – و هذا معروف – أن الإسلام ما ميز قط بين الرجل و المرأة في الجوهر الإنساني، فهما في تصوره سواء بسواء، قال تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) و قال تعالى : ( و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة )، و قال صلى الله عليه و سلم ( خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة، إن نظرت إليها سرتك، و إن غبت عنها حفظتك ).
و لا يفوتنا في هذا الصدد أن نذكر أن المرأة الغربية المتزوجة تتخلى عن اسمها و نسبها، و تتخذ لنفسها اسم زوجها و نسبه، و لعمري هذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الرق – بلا شك – المدني الذي تعيشه المرأة الغربية و إن خلعت العذار و انعتقت بجهالة عمياء عن المواضعات الأخلاقية، و رغم هذا النظام المجحف بحقوق المرأة فإن كثيرا من السيدات المسلمات يحاولن تقليد الغربيات في مثل هذه الانحرافات الشائنة فتنكرن لنسبهن و ارتضين اتخاذ أسماء أزواجهن لا لسبب معقول إلا لكون الغربيات يقمن بذلك، مع العلم أنهن ينادين بالمساوات بالرجال، غافلات عن أن ما يرتكبنه مناف إطلاقا لشخصيتها كامرأة لها سيادتها و مكانتها في الكون و الحياة، و مناف للحق الذي منحه إياها الإسلام و لكن – كما يقولون – إذا ظهر السبب بطل العجب و هذا السبب طبعا هو أن المغلوب مولع بتقليد الغالب.
و الآن و قد عرفنا المفهوم الحقيقي للقوامة في الإسلام وجب أن ندلف إلى رحاب التشريع الإلهي نبحث عن تنظيماته في شأن الطلاق.
عندما أباح الإسلام الطلاق نظمه و وضع له شروطا، و هو في الأصل مكروه، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أبغض الحلال عند الله الطلاق ) و أوصى بعدم اللجوء إليه أول مرة ما استطاع الإنسان على ذلك سبيلا، لذلك اقترح حلول حفاظا على الرباط الزوجي من أن ينفصم، ففي انفصامه تعد على الأسرة، و اعتداء سافر على سعادتها و عزها و خاصة و هو ميثاق غليظ كما سماه الله تعالى في قوله : ( و كيف تأخذونه و قد أفضى بعضكم إلى بعض، و أخذن منكم ميثاقا غليظا ).
و أول حل يقدمه الإسلام للزوج التدرع بالصبر، و التريث في الأمر حتى و إن كانت في نفس الزوج بغضة إذ قد تمر فترة تهدأ فيها حدة الغضب و تسكن سورة العاطفة، قال تعالى : ( و عاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيرا كثيرا )، و قد صدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال مجيبا رجلا أراد أن يطلق زوجته لأنه لا يحبها ( ويحك أمل تبن البيوت إلا على الحب، فأين الرعاية و التذمم ؟ ).
و إن لم يجد ذلك فليس معنى هذا أن نسرع إلى إيقاع الطلاق، بل هناك وسيلة أخرى نتوسل بها و هي عرض المشكلة على مجلس عائلي يتألف من الطرفين للحيلولة دون وقوع الفراق إشفاقا على العش الهادئ المطمئن من أن ينهار، قال تعالى : ( و إن خفتم شقاقا بينهما فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها أن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ).
و إن تبين في الختام أن هذه المساعي الحميدة غير نافعة بتاتا إذا فالأمر خطير جدا تستحيل معه الحياة الزوجية و الاستقرار العائلي، و لا يمكن بحال أن يقوم الرباط الزوجي على أسس من التفاهم و الانسجام، فالعلاج أخيرا الطلاق ما دامت الضرورة تستدعي هذا الفراق البغيض الذي لا محيص عنه مهما بذلت المجهودات المتنوعة، و المرأة نفسها تستنكف عن أن تظل مع زوج تحت سقف واحد يعبث بها و يزدريها.
و بجانب تلك الوسائل الطيبة التي قدمها الإسلام للإنسان هدية كريمة لصيانة الأسرة من التداعي فإنه وقف مواقف أخرى مشرقة متألقة كما هي عادته في كل قضايا الإنسان و الكون و الحياة، و آية ذلك أن التشريع القرآني قد قرر الطلاق مرتين و في كل مرة للزوج الحق في أن يرد إليه زوجته إن كان رجعيا أثناء العدة، و إن كان بائنا بينونة صغرى فبموافقتها و عدلين و عقد جديد، و في ذلك يهتف القرآن هتافه الخالد الرحيم ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ).
و إن كانت الطلقة الثالثة إذا الأمر أصبح متفاقما لا يتسنى معه إصلاح إلا بعد أن تتزوج غيره عن نية التأبيد لا التوقيت، و بعبارة ألا تكون هنالك حيل شيطانية كما يفعل البعض على طريقة المحلل التي لا تقرها الشريعة الإسلامية البتة، بل هي تعتبر زنا محضا و توقحا سافرا على الشرع، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لعن الله المحلل و المحلل له )، و قد سمى المحلل التيس المستعار.  و الله تعالى يقول في حكم ذلك : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ).
و تحاشيا من الفرقة منعت وقوع الطلاق في فترة الحيض و اعتبرته بدعيا منافيا لقانونها إذ أن الطلاق في عرفها لا يقع إلا في طهر لم يحدث في وطء. و روي أن عبد الله بن عمر طلق امرأته و هي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، فسأل عمر ابن الخطاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقال عليه السلام. مره فليراجعها، فليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها بعد، و إن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ) و يشير بهذا رسول الله عليه السلام إلى قوله تعالى : ( يا أيها النبيء إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ).
و طبعا هذه البرهة الزمنية قد تكون كافية لأن يلين قلب الرجل فيراجع امرأته بعد أن وجد الفرصة سانحة للتفكير في أمره الخطير الذي أقدم على تنفيذه في لحظة نفسية معقدة عصبية.
و إن وقع الطلاق بعد كل هذا فالإسلام يحيط المطلقة برعاية شاملة ندية فيرى أن تعتد في بيت الزوجية لا تخرج منه و لا يحق لمطلقها أن يجبرها على الخروج منه بغير مبرر شرعي لعل قربها منه يثير في نفسه عاطفة الرأفة فيفكر في ردها جديا. و إما إن كانت حاملا فالنفقة واجبة على المطلقة إلى أن تضع حملها، و بعد الوضع يأمر – أعني الإسلام – الرجل بكفالة حقوق المولود و كل هذا يرسمه القرآن الكريم في روعة ما بعدها من روعة، في الآيات الآتيات : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن و احصوا العدة و اتقوا لله ربكم،  لا تخرجوهن من بيوتهن و لا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة و تلك حدود الله، و من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن و إن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن، فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن و أتمروا بينكم بمعروف، و أن تعاسرتم فسترضع له أخرى ).
و رحمة بالمرأة و رفقا بها أجازت الشريعة السمحاء أن تفتدي نفسها من زوجها عن تراض بين الطرفين إن بدا لها الانفصال عنه، و هذا ما يسمى بالخلع، و يكون ذلك بدفعها له ما كان قد قدم لها من مهر أو هدايا، و بعبارة جامعة كما عند ابن رشد (7) بذل المرأة العوض على طلاقها ، و الأصل فيه قوله تعالى : ( و إن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به )، و قد جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و قالت. يا رسول الله ، ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق و لا دين، و لكنني لا أطيقه بغضا، فسألها عما أخذت منه فقالت : حديقة، فقال لها : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم لثابت اقبل الحديقة و طلقها تطليقة.

كما أجازت الشريعة أيضا للقاضي أن يوقع الطلاق على الزوج في حالة إعسار مالي أو غيبة طويلة أو ضرر ألحقه بها.
و يجدر بنا ألا ننسى وصايا الإسلام في هذا الصدد بالزوجة، و المعاملة التي ينبغي أن يسلكها الزوج معها قال تعالى : ( و إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف و لا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا، و من يفعل ذلك فقد ظلم نفسه )، و قال تعالى : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن و احصوا العدة و اتقوا لله ربكم، لا تخرجوهن من بيوتهن و لا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، و تلك حدود الله. و من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف الخ.) و لا يخفى ما في قوله تعالى : ( فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) ، من لفتة إلهية كريمة طيبة في نهيه عن الضرر الذي يمكن أن ينصب على الزوجة كالشتم و اللعن و القذف، و غير ذلك من الضرر إذ الصلة الزوجية يتحتم عند انفصام عروتها أن تنتهي نهاية سلام حفاظا على البقية الباقية من المحبة في قلوب الزوجين، فالعلاقة قد تعود بينهما كما كانت من قبل فنجد ما يكدر بهاءها من ذكريات مؤلمة سابقة، و خاصة أن النفس البشرية شقيقة يؤثر فيها أدنى شيء، و تتلاعب بها الأهواء فتستثير دفائن الماضي المقيت في لحطة غير منتظرة.
   جراحات السنان لها التئام
               و لا يلتام ما جرح اللسان
و باستعراضنا لكتاب الله تعالى نراه في أحكام الطلاق يحاول ان يمسح دموع الزوجين، و يضع الحق في نصابه من غير إجحاف، و يعمل على أن يلمس بيده الرحيمة قلبيهما محاولا تسكين انفعاليهما.
ففيم أخيرا هذه الضجة المفتعلة التي يوفد أوارها دعاة الاستشراف، و شيعة الصليبية عن الطلاق في الإسلام و الأمر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، وما يرونه في المجتمع الإسلامي من انعتاق عن أحكام الله في مسائل الطلاق إنما هو انحراف صارخ في النفوس – لا في الإسلام – والداء الداء في الضمائر المنحرفة التي لم تترب في حصن المنهاج الإلهي، و لم تعش في ظلاله البهية، و لذلك فالإسلام لا يوأخذ بتصرفات المنتسبين إليه، فقانونه في واد و هم في واد آخر، و لو ترسم المسلم التشريع، و أقامه في قلب لما كثرت في المجتمع الإسلامي المشاكل العائلية المعقدة، و لعاشت الأسرة في سلام و اطمئنان.
ففيم هذه الضجة ثانيا و نظام الطلاق في شريعة الإسلام – كما عرفتم مما سلف و تأكدتم – لا يدانيه نظام منذ أن كان الإنسان إلى اليوم وإلى  الأبد، لكون تنظيما اجتماعيا من الله لعبده في أي وقت و في أي مكان متساوقا، و الحياة الإنسانية في شتى صورها و متعدد وجوهها، أما نقيض هذا فهو تمحل عقلي بالغ السخف.
   و كم من عائب قولا صحيحــا
                     و آفته من الفهم السقيـــم


(1)  متى هو أحد الحواريين الاثني عشر و كان في أول أمره من جباة الضرائب في عهد الرومان، و إنجيله من أقدم الأناجيل يرجع تاريخ تأليفه إلى سنة 60 بعد الميلاد على أرجح الأقوال كتبه متى بالآرامية وبعد ذلك نقل إلى اليونانية.
(2)  أصحاح 19، ية 6.
(3)  مرقس لقبه، و اسمه يوحنا يهودي الأصل من التلاميذ السبعين على القوم الراجع،و إنجيله ألفه سنة 63 أو 65 على الأرجح باللغة اليونانية.
(4)  أصحاح 10 ، آية 8 و 9.
(5)  الدكتور عبد الواحد وافي – حقوق الإنسان في الإسلام، ص 65 – مكتبة نهضة مصر.
(6)  عبد الواحد وافي – حقوق الإنسان في الإسلام، ص 46- مكتبة نهضة مصر.
(7)  بداية المجتهد، ج 2 ، ص : 66، ط 3.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here