islamaumaroc

القرآن الكريم وخصوبة الجزيرة العربية

  دعوة الحق

145 العدد

القرآن الكريم كتاب الله ذو الآيات البينات لهداية البشر فيما ينفعهم دينا و نظاما و سلوكا في حياتهم .. في أنفسهم و مع جيرانهم و من يعرفون، و يضمن للمساكين هداه حياة آمنة مطمئنة في دنياهم و نعيما مقيما في آخرتهم.
و القرآن الكريم له – بجانب ذلك – لمحات في شتى مناحي العلم، ونظريا – كان ذلك العلم – أم طبيعيا – وهي من آيات إعجازه التي لا يقع عليها إلا المتخصصون، فتفتح لهم طريق اليقين فيما سدت سبله أمامهم، أو عسر عليهم، أو فقدوا في تجاربهم بعض حلقاته، و قد أفاد ذلك المؤرخ و الزراعي و الجيولوجي و غيرهم كل في نطاق تخصصه و منهج فنه.
و من لمحات القرآن الكريم هذه ما يرج إلى الجزيرة العربية حقائق خفيت على الكثير حتى حسب البعض أن هذه الجزيرة بطبيعتها قاحلة، و لا يمكن إلا أن تكون كذلك !، و إذا القرآن الكيم تحدثنا بعض آياته عن خصوبتها حديثا لا يمكم أن نستنتج منه إلا أن الإنسان نفسه كان مسئولا إلى حد كبير عن نعمة تضاءل رصيدها أو قحل في بعض المناطق، و آية ذلك أن الإنسان نفسه – في عصرها الحاضر، حين عنى بأمرها – بدأت تخضر بعض أراضيها و تعطي ثمرها بإذن الله.
و ليس يشك أحد في خصوبة الجزية في الأحقاب الأولى، و بخاصة في العصر الجيولوجي السابق مباشرة عصرنا الجيولوجي الحالي، و من نعم الله على هذه الجزيرة أنها كانت في العصر الجليدي مروجا خضرا آهلة بالسكان، و قد حالت جبال آسيا الصغرى الشاهقة بينها و بين الجليد الذي غطى المعمورة آنئذ، و قد كانت الجزيرة العربية جزءا من الأرض التي درج عليها البشر أول ما خلق الله الإنسان، و يرى الأستاذ الدكتور محمد عوض محمد أننا إذا أنكرنا هذه الحقيقة لصعب علينا ، إن لم يكن مستحيلا، تفسير انتشار الإنسان و سكناه تلك المعمورة شرقا و غربا(1) .
و إذا كان هناك خلاف بين «الجيولوجيين و الجغرافيين» - كل في طائفته – عن «فترة العصور التاريخية – و هي فترة يمكن تعميمها في نحو 4000 سنة من قبل الميلاد : أكانت الجزيرة خلالها جافة أمن بدأت تجف ، فإننا – هنا – ننظر في منهج القرآن الكريم رجاء أن يظهر لنا شيئا ذا أهمية ينير لنا الطريق فيكشف عن الفترة المسكوت عنها تاريخا، وهي الفترة التي تقع قبل العصر التاريخي(2)  ، و تمتد في القدم إلى حيث يعلم الله وحده، و هذه الفترة بالذات لا يصدقنا عنها إلا الوحي و أقواه ما ورد في الكتاب العزيز حيث القصص الحق و القول الفصل.
و حديث القرآن الكريم عن الجزيرة يشير إلى خصوبة كبية كانت فيها في تلك العصور البائدة، و يمتد إلى الحديث عن خصوبة كانت وفيرة في العصر التاريخي.

جاء في القرآن الكريم حديث عن أنبياء كرام ثلاثة ، هم : هود ، و صالح ، و شعيب، على نبينا و عليهم أفضل الصلاة و السلام، بعثوا في أجزاء شتى من جزية العرب، و كانت دعوتهم موجهة لأقوام كل منهم فيها ، فمنهم من آمن بتلك الدعوة فنجا مع نبيه، ومنهم من كفر فهلك مع الهالكين.
و أقدم هؤلاء جميعا نبي الله هود – عليه الصلاة والسلام – و قد أرسل إلى قومه بالأحقاف داخل النصف الجنوبي من الجزيرة. و الأحقاف هذه يحدها من الشرق على وجه التقريب عمان، و يقع «الربع الخالي » في شمالها، و تقع «حضرموت» في جنوبها.
في هذا المكان بعث الله نبيه هودا إلى قبيلة «عاد» التي كانت تستغل هذا الجزء، و هنا تبدو لمحات القرآن الكريم التي تفيد المؤرخ و الجيوليوجي و عالم الآثار جميعا، إذ جاء في دعوة هود لقومه قوله : «فاتقوا لله و أطيعون. و اتقوا الذي أمدكم بما تعملون. أمدكم بأنعام و بنين. و جنات و عيون»(3) .
و إذا وقفنا عند هذه الكلمات : «أنعام، و جنات ، و عيون» لكنا أمام الثروة الزراعية كاملة فالمياه وفيرة و منبثقة عن عيون كثيرة بغزارة لا تستدعي جهدا كبيرا إن لم تطلبه على الإطلاق إلا في مجال تنظيم مسارها على وجه الأرض بين الأراضي الكثيرة الخصبة الممرعة التي بلغت وفرتها و كثرة نتاجها و إثيانها تمرها المختلف كل حين أن أشبهت الجنات، و أن لفظ جنات لكاف وحده بالإيحاء الدقيق عن كيفية الخصوبة التي عمرت المنطقة في  هذا العصر القديم، فلا غرو أن يتمتع القوم في ظلال هذه الخصوبة بكل متعة و أن ينساقوا مع كل ترف و أن يكون لهم المال و البنون، و يحكي القرآن الكريم قول هود لهم : «و زادكم في الخلق بسطة»(4) .
و إلى الجنوب من هذه البقعة أراض لا تزال خصبة إلى اليوم، فالمناطق الزراعية موجودة في اليمن، وهي قابلة للاتساع و الامتداد إذا توفر الجهد و اتصل العمل.
و نترك «عادا» في الجنوب لنطرق الشمال في هذا العهد العتيق لنجد ثمود أكبر قوة خلفت عادا، و كانت مساكنهم في الشمال بالحجر بين الحجاز و الشام في وادي القرى قرب تبوك.
بعث الله في ثمود أخاهم صالحا – عليه الصلاة و السلام – يدعوهم إلى الله غير مشركين به فألبوا عليه و ضاقوا به، و كانوا من النعمة الوفيرة و الخصوبة الزراعية المتلاحقة مثلما كانت عليه عاد حتى أن صالحا – عليه السلام – ليدفعهم دفعا إلى الأخذ بالتفكير فيما هم فيه من نعمة حتى لا يفسدها الله عليهم بجحودهم، فيقول : « أتتركون فيما ها هنا آمنين، في جنات و عيون، و زروع و نخل طلعها هظيم، و تنحثون من الجبال بيوتا فارهين، فاتقوا الله و أطيعون»(5) .
و حديث صالح مشابه تماما لحديث هود – عليهما الصلاة و السلام – و في القرآن الكريم بيان آخر لناحية هامة في شعب ثمود لا تتوفر إلا عند توفر الأمن و الخصوبة كاملين، و أعني بذلك النزعة الفنية في النحث التي أقامت بها ثمود صروحا آمنة في مناطقها كانت لها ديارا حصينة.
و على الرغم مما أنزله الله بتلك البقعة بسبب عصيانها ، فإن الله سبحانه ترك فيها أسباب الخصوبة الأولى، أعني الماء، فقد ظل أكثر من بئر بالحجر يدر الماء حتى عصر الرسول محمد صلى الله عليه و سلم ، فحين نزلها المسلمون – و هم عائدون من تبوك – استقوا من أحد آبارها ، فأمرهم رسول الله – صلى الله عليه و سلم – أن يهريقوه، و أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة(6) . و هذا الخبر الصحيح يدلنا على أن رحمة الله بالبشر مستمرة، فإن أماكن النقمة نفسها لم تعدم أسباب الحياة.

و إذا كانت هذه الخصوبة في الجزية العربية في عصور بائدة، فإن في القرآن الكريم أكثر من دلالة على خصوبة استمرت طويلا في فترة تقع بين القرون العشرة السابقة على الميلاد، و هي فترة القوة في حكم سبأ، و جدير بالذكر هنا أن تلك الفترة، كنت سبأ فيها تقبض بيد من حديد على أهم مدن الجزيرة من الجنوب حتى «العلا» بالشمال، و ازدهر الجنوب بفضل سد مأرب العظيم وعم الخصب مساحات شاسعة، و انتظم اهتمام الحكومة بمستعماراتها و طرق  القوافل و منازلها التي سارت قرى هامة من معالم الجزيرة بسببها كانت الجزيرة إلى قرب عصر الميلاد أهم البلاد التجارية على الإطلاق، و ما كان ذلك ليتوفر إلا بوجود المؤن في مسار تلك القوافل، و في القرآن الكريم إشارة لذلك، قال تعالى : « لقد كان لسبأ في مساكنهم آية، جنتان عن يمين و شمال، كلوا من رزق ربكم و اشكروا له، بلدة طيبة و رب غفور»(7) و تلك الآية تعني توفر الخصوبة الزراعية بالجنوب. و جاء عن أجزاء أخرى بالجزيرة في أمر سبأ قوله تعالى : « و جعلنا بينهم و بين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة و قدرنا فيها السير، سيروا فيها ليالي و أياما آمنين»
في الحق أن القحط لم يكن نتيجة لزيادة الجفاف و لكنه كان نتيجة لسوء استعمال الإنسان لما وهبه الله من نعمة.(8) 
و كانت مدين عصر شعيب – عليه الصلاة و السلام – و هو يقع بين القرن السابع عشر و السادس عشر من قبل الميلاد غنية بالخصوبة، و لم تكن مدين قاصرة على الجزء المسمى بذلك في جنوب سيناء بل كانت تمتد شرقا إلى ما بعد خليج العقبة، و كانوا يعبدون الشجر، و كان نبيهم شعيب يقول لهم : « إني أراكم بخير و إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط» (9) 
إن آيات الكتاب العزيز تدل على أن الجزيرة ما كانت جافة تماما كما يتصور البعض، بل إنها كانت في العصور غير التاريخية – كعصر عاد و ثمود – و في العصور التاريخية – كعصر سبأ الذي يقترب من عهد الميلاد و عصر شعيب – تتوفر فيها خصوبة كان الإنسان نفسه أداة الطغيان ضدها، و ذلك يعني أن في الإمكان للإنسان أن يتوفر على إجادة الخصوبة بكثير من مناطقها.
و يشير الأستاذ محمود مبروك نافع إلى خصوبة أخرى ظلت قائمة حتى القرن السادس عشر الميلادي في منطقة بوسط الجزية حيث كانت جبال الطائف تمون مكة بالأخشاب الصالحة للبناء و الوقود.
و كانت الأشجار و العوسج و السلم يغطي المنطقة الواقعة بين مكة و عرفة، و كانت بلاد نجد و اليمامة تسدان حاجة العرب من القمح، و كانتا في القرنين السادس و السابع الميلادي لا تقلان خصبا عن أراضي أوربا المنزرعة اليوم أن لم تكونا قد بزتاها خصبا في كثير من البقاع(10) .
و بعد :
فإن هذه المعالم لتدل على أن بالإمكان أن تستعيد الجزيرة خصوبة تعطيها كفايتها و في دوام الجهود الطيبة المبذولة حاليا إلى جانب البحوث البترولية و الجيولوجية ما يبشر بنضارة طيبة و خصوبة ترسى على قواعد ثابتة متينة، فيجتمع للأرض الطيبة خصوبة التربة إلى جانب خصوبة الروح.

      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here