islamaumaroc

قضية التربية والتعليم في المغرب

  محمد العربي الخطابي

19 العدد

امتاز عهد الحماية البائد بعزلنا، نحن المغربة، عن سائر شؤون الإدارة والتسيير في وطننا، فكان كل شيء يسير وفق مشيئة «الحماة»، وتنفيذا لأنظمة وخطط وبرامج تحدد مصلحة« الوجود الاستعماري» ويرسمها مهندسو هذا الوجود الساهرون على رعايته وتخليده.
وكان الصراع بيننا وبين رجال إدارة الحماية البائدة قاتما على مسائل جوهرية يمكن تلخيصها هكذا: نحن امة لها كيان خاص بها، ووراءها تاريخ وأمامها مثل وأهداف هي الطابع المميز لشخصيتها الإنسانية والتاريخية والجغرافية، فلا يمكننا ان نتخلى عن مقوماتنا وقيمنا الخاصة بنا، ولا أن نتنازل عن أهدافنا، أو ندغم شخصيتنا في شخصية غريبة عنا نحاول ان تمسخنا ونمحو طابعها المميز.
وكسبنا المعركة الأولى في هذا الصراع، وهي معركة الاستقلال، فوجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام نظام سياسي واجتماعي واقتصادي قائم هو ثمرة سنين طويلة من الحكم الاستعماري المباشر، واضطررنا، كارهين أو مختارين، الى الإبقاء على حشد كبير وثقيل من الموظفين الأجانب وأخذنا نسير معتمدين على هذا الجهاز وعلى عدته الأساسية من الأنظمة والخطط والبرامج، نعلل النفس تارة« بنقص الاطارات »، و تارة اخرى « بالاستفادة من تنظيمات جاهزة معدة، فماذا كانت النتيجة ؟ وجدنا إننا نسير في اتجاه، وأهدافنا ومثلنا تسير في اتجاه آخر معاكس. وكان من حسن حظنا ان تنبه وجداننا فمضينا نستقصي الأسباب، ونبحث عن الوسائل لنسير في الاتجاه الذي يجب علينا ان نسير فيه، ونرمم كياننا المتداعي بما يجعله متين البنيان، راسخ الدعائم.
وحيث أنني اهتم في هذا المقال بقضية التربية والتعليم، فإنني أتساءل: ما هي أهدافنا في هذا المجال الحيوي، وما هي الخطط والوسائل التي أعددناها أو ننوي إعدادها لتحقيق تلك الأهداف ؟
ان أهدافنا في ميدان التربية والتعليم تحددها من جهة، الغاية التي كنا نتوخاها من ذلك الصراع العنيف الذي بقي محتدما وبين الاحتلال الأجنبي زمنا طويلا قبل حصولنا على الاستقلال، وما تلك الغاية سوى تأكيد شخصيتنا، وتخليص كيان بلادنا من المسخ أو الإدغام، ويحددها من جهة أخرى أننا جزء من العالم الإسلامي الذي تربطنا به أواصر التاريخ والهدف الروحي والإنساني المشترك، إننا امة عربية اللغة والثقافة، ودولة تطمح الى مسايرة الحضارة البشرية، و المشاركة بنصيبها في تحقيق التقارب والتفاهم بين العالميين لفائدة السلام والأمن والحرية والاستقرار بالنسبة لجميع شعوب الأرض.
لهذا أصبح لزاما علينا ان نضع أسسا وأنظمة جديدة للتربية والتعليم، تراعي فيها تلك الأهداف العامة. ومن وسائل ذلك:
أولا.- تغيير الجهاز الإداري والفني القائم في وزارة التربية الوطنية من أساسه حيث لا يتلاءم مع إمكانياتنا ووسائلنا وأهدافنا في هذه المرحلة البنائية التي تجتازها بلادنا. ومعنى هذا انه يجب التخفيف بقدر الإمكان من عدد الموظفين الأجانب في التعليم وحصر اختصاص الذين تمس إليهم الحاجة في الاستشارة الفنية البحثة وابعادهم كل البعد عن الإشراف والإدارة والتسيير، وجعل ذلك في يد مغاربة متيقظين ذوي استعداد وتبصر مع المعرفة الكافية، حتى وان كانت الخبرة الفنية تنقصهم، لان الخبرة تكتسب بالمراس والمزاولة الفعلية للأمور. وليس بخاف  على احد ان عددا من الموظفين الأجانب ذوي المسؤولية الإدارية يحاولون عرقلة العمل البنائي الذي قد تسعى الحكومة الى انجازه وتحقيقه وهم يتسترون في كل ذلك، بالتمسك بالنصوص القانونية والتشريعية الموضوعة في عهد الحماية لفائدة الأجانب.
ثانيا.- إلغاء التشريعات والتنظيمات الخاصة بالتعليم الموضوعة في عهد الحماية أو المعدلة في عهد الاستقلال تعديلا لا يساير أهدافنا ومصالحنا القومية. ووضع تشريعات مغربية روحا ودما، تستمد قوتها من رغائب البلاد الحقيقة ومثلها العليا. ويجب تجنب التعقيد الذي عرفت به الإدارة الفرنسية، وتوخي التبسيط المطلوب عند وضع التنظيمات والتشريعات الخاصة بالتعليم، وذلك كسبا للوقت وتفاديا للإحراج والشطط.
ثالثا. – مغربة إطارات الإدارة والتعليم، بحيث يصبح حتى أساتذة الفرنسية-كلغة- أو اللغات الأجنبية الأخرى التي تدرس في المرحلة الثانوية، مغاربة. وتحديد آجال معينة لاستكمال « المغربة» وتعريب الإدارة ومناهج الدراسة والتعليم تعريبا كاملا وفقا لخطة مرسومة ومدروسة.
رابعا.- تكوين لجنة دائمة لتأليف المدرسي يعهد إليها:(أ) بوضع مناهج الدروس لمختلف المواد التي تدرس في المرحلتين الابتدائية والثانوية. (ب) تأليف الكتب المدرسية التي تمس إليها الحاجة في مختلف المواد.
ولا بأس من الاستعانة في هذا المجال ببعض الخبراء من رجال التربية في الشرق العربي وببعض خبراء اليونسكو في التأليف المدرسي. ولا يخفى انه من المصلحة العاجلة ان تتولى الوزارة نفسها هذا العمل وتشرق عليه إشراقا فعليا أبعادا له من التلاعب والاستغلال وضمانا لإخراج مقرات مدرسية صالحة تكون في تناول أيدي التلاميذ والطلاب بأزهد الأثمان.
خامسا.- إيجاد« بكالوريا مغربية» صرفة وموحدة في جميع أجزاء الوطن المغربي، والسعي للاعتراف بها في معاهد وكليات الأقطار الأجنبية التي تقتضي المصلحة ان نبعث إليها أبناءها للتخصص في مختلف العلوم والفنون.
سادسا.- وضع نظام ثابت قار للجامعة الوليدة، تراعي فيه حاجة البلاد أولا وقبل كل شيء إذ أنه لا معنى لوجود كلية – ككلية العلوم مثلا- كل طلبتها من الأجانب، وتتبع في نظامها ومناهجها جامعة أجنبية، إذ إننا لسنا الآن في المستوى الذي يجعلنا نفتح كلية عظيمة ونرصد لها ميزانية ضخمة لنملأها بالطلبة الأجانب. لذلك يجب ان تكون حاجة البلاد وحدها داعيا لإيجاد الكليات الجامعية والمعاهد التقنية وغيرها فإذا لم يكن لدينا العدد الكافي من حملة الباكلوريا الراغبين في الالتحاق بكلية ما  فيجب ان نكتفي بإرسال ذلك العدد القليل الى الخارج.
سابعا.- توحيد التعليم الابتدائي والثانوي، بحيث لا يبقى هنالك تعليم ابتدائي وثانوي(عصري). فنحن امة إسلامية عربية واحدة، فيجب ان يكون نصيب أبنائنا في مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي واحد، فلا يفترقون إلا في المرحلة العليا، فيتخصص منهم من شاء في العلوم الإسلامية والفقهية، أو في الآداب أو الطب، والهندسة وغير ذلك من فروع المعرفة.
ولا باس ان تنشأ في نهاية المرحلة الثانوية أقسام توجيهية: فسم توجيهي ديني للراغبين في التخصص في العلوم الإسلامية (من فقه وتشريع وحديث) وقسم أدبي، وآخر علمي.
ثامنا.- إحداث مجلس أعلى لرعاية العلوم والآداب والفنون، تكون مهمته تنشيط البحث العلمي بمناحيه المختلفة، وحماية حركة التأليف والفنون الجميلة وتشجيع الباحثين والأدباء والفنانين، وينبغي أن يكون من مهام هذا المجلس أيضا تنسيق الجهود والمحاولات التي تقوم بها مختلف مصالح الوزارة ومراكز الدراسة والأبحاث والتنقيب التابعة لها، والإشراف على ذلك من الناحية الفنية والعلمية.
ان المشاكل الأساسية التي يواجهها المغرب في حقل التعليم، والتي تتطلب الحلول الناجعة المستعجلة: أولا ) إعداد المعلمين وأساتذة التعليم ثانوي ذوي القدرة على تدريس المواد الأدبية والعلمية على السواء. ثانيا) إيجاد القدر الكافي من المدارس لإيواء جميع الأطفال الذين يوجدون في سن التعليم وخاصة في البوادي التي يواجه فيها التعليم مشاكل متعددة ومعقدة. ثالثا) وضع البرامج والمناهج  لسائر مراحل التعليم وإخراج الكتب المدرسية الصالحة.
فمن التجارب التي أقدمت عليها وزارة التربية الوطنية منذ انبثاق فجر الاستقلال تجربة«الإعداد السريع للمعلمين» وقد كان ذلك خطوة ضرورية لمجابهة حاجة البلاد الى القدر الكافي من المعلمين الذين يتلقون تدريبا فنيا وبداغوجيا يؤهلهم لأداء مهمة التدريس يتلقون تدريبا فنيا وبداغوجيا يؤهلهم لأداء مهمة التدريس بنجاح. إلا ان لهذه التجربة، التي لا مناص منها، عيوبا في مقدمتها اقتصارها على إعداد وتخريج معلمين لتدريس مواد الدين واللغة العربية والجغرافية والتاريخ- وهي المواد التي تدرس في مدارسنا الابتدائية باللغة العربية – فلم توجه المناهج الموضوعة لمدارس الإعداد السريع العناية لتخريج معلمي الحساب والهندسة ومبادئ الأشياء والعلوم بالعربية، بل عمدت الوزارة الى استخدام عدد ضخم من المعلمين الفرنسيين- ومعظم لا يتوفر على الإعداد الفني والخبرة الكافية- لتدريس هذه المواد في المدارس الابتدائية المغربية. وهي خطوة خطيرة لا يخفى ضررها وعدم صلاحيتها لإقرار نظام تعليمي ثابت في البلاد يرتكز على اللغة العربية. واخطر من ذلك ان مدارس النواحي الشمالية من المغرب كانت متوفرة على المعلمين القادرين على تدريس سائر المواد باللغة العربية، فكانت تدرس بالعربية، مواد الحساب والعلوم والجغرافية والتاريخ وبقية المواد الأخرى الى نهاية السنة المدرسية الفارطة. وفي أوائل السنة الدراسية 58-59 كلف هؤلاء المعلمون بالاقتصار على تدريس مواد اللغة العربية والدين والجغرافية والتاريخ، وأسندت بقية المواد الى المعلمين اسبانيين وفرنسيين مما أدى الى اضطراب وخلل كبيرين في التنظيم المدرسي الذي كان قائما ودلت التجربة على صلاحيته في أغلبية مدارس الشمال المغربي.
ولمواجهة هذه المشكلة التي تشغل البال يجب ان يوضع لمدارس المعلمين الإقليمية مناهج تهدف الى إخراج معلمين قادرين على تدريس سائر المواد باللغة العربية، وذلك لتعريب هذه المرحلة تعريبا كاملا بالتدريج المنطقي المعقول. كما يجب ان يبقى منوطا بالمعلمين الحاليين الذين كانوا يمارسون- عن جدارة وكفاية، تدريس سائر المواد بالغة العربية، وخاصة في مدارس النواحي الشمالية من المغرب- ان يبقى منوطا بهم إعطاء سائر الدروس بلغة البلاد التي سيجدونها، ويستعاض عن المعلمين الأجانب الذين يقومون بتدريس الحساب والعلوم بلغة بلادهم، بالمعلمين المغاربة الجدد الذين تخرجهم المدارس الإقليمية، وذلك بكيفية تدريجية مستندة على برنامج مدروس ثابت ينجز في مدة معينة. وأنا لا أرى  باسا من ان تدرس سائر المواد في عدد من المدارس المغربية باللغة العربية، في نفس الوقت الذي تعطى-مؤقتا- مواد العلوم في المدارس الأخرى بلغة أجنبية- على ان يكون المنهاج واحدا- ما دام القدر الكافي من المعلمين القادر غير متوفر، لكن يجب ان يكون السعي في أعدادهم متواصلا وقائما بصفة منظمة تهدف الى تعريب سائر المدارس في اجل من الزمن معين ومعقول.
وأنا لا أرى صواب الرأي القائل بالانتظار حتى يوجد من المعلمين القادرين على تدريس سائر المواد بالعربية ما يكفي لسائر المدارس المغربية. والرأي الذي أراه صوابا هو ان تعرب كل مدرسة يوجد لها القدر الكافي من المعلمين القادرين على تدريس سائر المواد باللغة العربية فلا تكاد تمضي سنوات قليلة حتى يشمل التعريب سائر المدارس، إذا كانت الخطة المرسومة، هي إعداد معلمين قادرين على تأدية رسالتهم باللغة العربية بالقياس لسائر المواد.وهذا ممكن وليس بالشيء الذي يصعب تحقيقه إذا اتجهت جهود المسؤولين الى إقرار نظام صالح مدروس غايته: تعريب التعليم في اجل معين معلوم. وفي هذا يجب إلا نعتمد على آراء« الفنيين» الفرنسيين لأنهم ابعد ما يكونون عن فهم أهدافنا وتقدير ومثلنا العليا، وزيادة على ما قد تكون لبعضهم من أغراض ومصالح تتنافى مع أغراضنا ومصالحنا، وما قد يحملون عليه من تنفيذ خطط وأفكار لا تتفق في شيء مع خططنا وأفكارنا.
ومن جهة أخرى يظهر لي انه في الإمكان إفساح المجال لطلبة معاهدنا الثانوية- الذين اجتازوا مرحلة القسم الأول وكانت دراستهم بالغة الأجنبية في المرحلتين الابتدائية والثانوية، فبقيت معلوماتهم العربية بسبب ذلك ضئيلة، اقول يمكن افساح المجال لهؤلاء وتدريبهم تدريبا خاصا في مدارس المعلمين، بحيث تكون المواد الرئيسية في هذا التدريب هي العربية وعلوم التربية، وتكون غاية ذلك تهيئتهم ليصبحوا- بعد سنتين من الدراسة على الأقل- معلمين قادرين على تدريس المواد العلمية وغير العلمية باللغة العربية. فكما أفسحنا مجال الإعداد السريع لطلاب المعاهد الدينية، يجب ان نتيح الفرصة لطلاب المعاهد الثانوية «العصرية(- وأنا اكره استعمال هذه الكلمة لنوع خاص من التعليم، لان  المفروض في ان يكون كله عصريا- خصوصا وان هؤلاء الطلبة قد تلقوا في التعليم الثانوي المعلومات الكافية. فما علينا إلا ان نعلمهم كيف يلقنونها للأطفال بالعربية.
أما مسالة إعداد أساتذة التعليم الثانوي فأرى حلها عن طريق إنشاء معهدين للتربية العليا- على الأقل – يشمل كل معهد على قسمين: قسم علمي لتخرج أساتذة الرياضيات والعلوم، وقسم أدبي لتخريج أساتذة اللغة العربية والجغرافية والتاريخ وما الى ذلك. على انه يجب ان يكون الالتحاق بهذا المعهد مباحا للمتخرجين من مدارس المعلمين المتوسطة بعد اجتياز امتحان خاص لالتحاق بمعهد التربية المذكور، فلا يكون دخوله مقصورا على حملة البكالوريا الكاملة. فالطلبة الذين يتخرجون من مدارس المعلمين يكونون حاصلين على المعلومات الضرورية في علوم التربية، فينبغي ان يفتح الباب في وجه المتفوقين منهم الراغبين في تلقي دراسة تربوية عليا. وهذا النظام متبع في الجامعات الاسبانية، حيث يقبل قسم التربية الموجود في كلية الآداب حملة إجازة المعلمين المتوسطة، زيادة على حملة الباكلوريا.
والمشكلة الثانية، هي مشكلة المدارس، وهي مرتبطة ارتباطا كبيرا بمسالة إعداد المعلمين. وتبدو هذه المشكلة أكثر تعقيدا في البوادي، بسبب قلة المدارس، وبعد المسافة بين المراكز التي توجد فيها مدرسة وبين المداشر والقرى. وفي رأيي انه يمكن الاستفادة ولو بصفة مؤقتة- من الكتاتيب القرآنية التي لا تكاد تخلو منها جماعة من الجماعات القروية، وذلك بإصلاح هذه الكتاتيب وتجهيزها بالأثاث المدرسي والوسائل الصحية، ومن جهة أخرى يجب تعميم نظام الأقسام الداخلية حتى يشمل جميع المراكز المدرسية أو معظمها، وبهذه الكيفية يمكن قبول المتفوقين والأذكياء الذين يصعب عليهم ارتياد المدرسة، بسبب بعد المسافة بينهما وبين مسكن عائلته. كما يجب إنشاء وتعميم مدارس رياض الأطفال في المدن لقبول الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة والسابعة. ولا يخفى ما لهذه الرياض من أهمية كبرى في حقل التربية وفي إعداد أجيال صالحة نافعة.
ومشكلة وضع المناهج والكتب المدرسية لا تقل خطورة عن مشاكل التعليم الأخرى. فالمدرسون لا يكادون يجدون بين أيديهم مقررات مدرسية ملائمة، كما انه ليست هنالك مناهج ثابتة وموحدة، وخاصة في المرحلة الثانوية. والمدهش ان بعض الكتب الضارة الموضوعة في عهد الحماية والتي لا تتناسب مع روح الاستقلال لا تزال متداولة في المدارس وخاصة، كتب التاريخ والمطالعة الموضوعة بالفرنسية. كما ان بعض الكتب المدرسية الواردة من الشرق لا تصلح للاستعمال في مدارسنا المغربية. لهذا فان إحداث لجنة دائمة للتأليف المدرسي أمر ضروري تدعو إليه مصلحة التعليم، وتكون مهمة هذه اللجنة- كما سبق أنقلت- وضع المناهج والكتب التي تلاؤم بلادنا وتتفق مع الأهداف القومية والإنسانية التي نتوخاها من التعليم. ولا شك ان وضع المناهج والمقررات المدرسية خطوة ضرورية استكمال تعريب التعليم بمرحلتيه الابتدائية والثانوية.
ومسالة أخرى يجب ان يعيد المسؤولون النظر فيها، وهي مسالة الامتحانات التي يجب أبعادها عن« البروقراطية» ما أمكن، إذ من العلوم ان بوزارة التربية الوطنية مكتبا مختصا بالامتحانات وأنا في هذا عل رأي المربي الكبير(ا.ن. هوايتهيد) الذي يقول« انه لا فلاح لنظام تعليمي ما لم يكن السؤال الموجه لأي تلميذ في أي امتحان سوء إلا صاغه أو ادخل عليه التعديل الكافي أستاذ المادة الذي درسها لهذا الطالب بالذات. أما الممتحن الخارجي فله ان يكتب عن المنهاج، وعن مستوى الطلاب». ولست أرى صواب إعداد الأسئلة وتجهيز الامتحانات في مكتب إداري.
أن هناك قضية حيوية في حقل التعليم، وهي قضية قومية يجب مواجهتها بشجاعة وواقعية بعيدة عن العواطف التي تتبدد أمام الحقائق الملموسة، تلك هي قضية التباين الخطير في التكوين  والأفكار والمقاصد والنظر الى الأشياء، الموجود بين طبقات المتعلمين، سواء الذين لا يزالون منهم في المدارس أو الذين تخرجوا ودخلوا معترك الحياة. وهذا التباين ناشئ عن الوضعية التي كانت توجد عليها البلاد قبل الاستقلال وعن الخطط التي كان الاستعمار يرسمها للتفرقة وتشتيت الأفكار. فالدراسة في شمال المغرب مختلفة عنها في الجنوب وهي في سائر النواحي متباينة الأغراض متعددة الأشكال والأنواع، فهناك التعليم« الديني»و التعليم « الاسلامي» والتعليم الأوربي، وهناك لتعليم الحر الذي كان يتبع مناهج خاصة به...كل ذلك أدى الى تباين في الأفكار والاتجاهات، ان لم نقل في الأهداف والمثل العليا. ولن أكون مبالغا ان قلت بان هذا التباين كان من أسباب الأعراض الذي تلمسه في كثير من شبابنا المتعلم تجاه قضية تعريب الإدارة والتعليم التي كان ينبغي ان نواجهها بمعزل عن لون الثقافة التي اكتسبناها، لأنها قضية وطنية كبرى يتطلب علاجها جرأة وشجاعة وإيثارا للصالح العام فليس إلا الجبن عن مواجهة الواقع بينة إصلاح الحال، يحول بيننا وبين الإقدام على خطورة جبارة انقلابية. فيجب إذن لن نواجه هذا الوضع بشجاعة ورغبة صادقة في توحيد برامج التعليم، وتأليف الأفكار، وتقريب الاتجاهات عن طريق المدرسة والصحافة والمحاضرات والإذاعة وسائر ضروب النشاط الثقافي، لنكون الشخصية المغربية المنشودة، التي تطبعها وحدة الهدف ، والمشاركة الوجدانية، والتعاون المنتج المتبادل.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here