islamaumaroc

مظاهر الثقافة في عهد الأدارسة: فاس مدينة الشعر والشعراء -1-

  دعوة الحق

145 العدد

أتحتاج فاس عروس مدئن العالم الإسلامي قديما و حديثا، في كل المجالات، و خاصة في دنيا العلم و الثقافة و الفكر و الأدب، و الشعر و الشعراء .. إلى التعريف بها، أو الإشادة بذكرها، و ما أنتجته قرائح أبنائها، و ما تزال – في ميادين الحضارة الفكرية و شتى فنون العمران؟
أتحتاج فاس كعاصمة علمية من عواصم الدنيا منذ نشأتها على يد مؤسسها إدريس الأزهر، و الفئة المؤمنة من أصحابه و مريديه، إلى البحث لها عن إثباتات و شهادات للتدليل على المركز المرموق الذي احتلته عبر العصور التاريخية التي توالت على هذه الديار و ما تزال تحتله، في عالم القيادة الفكرية، و التوجيه الروحي، لكافة أبناء هذه الأمة البررة  الكرام، و لكل الحركات الإصلاحية التي شاهدها المغرب ؟ ..
أتحتاج فاس إلى من يأتي بعد القرن الحادي عشر لتأسيسها ليتعحدث عن عظمتها و عبقرية أبنائها، و يبرز مدى إسهاماتها في حركة المد الحضاري الذي واصلته الإنسانية في صبر و أناة، في صمت و هدوء أحيانا، و في شغب و غوغائية أحيانا أخرى؟.. أيمكن أن تذكر فاس و لا يخطر على الفكر، العلم الواسع، و الثقافة المنفتحة و الحضارة العريقة و المجد الطارف و التالد، و العز الشامخ الباذخ، و النضال المستميت من أجل إثبات الوجود و إحقاق الحق و إزهاق الباطل..؟
أيمكن أن تذكر فاس، و لا تمثل أمامنا القباب الشامخة ذات القرميد الأخضر و الفسيفساء المزركشة، و النقوش البديعة، و الرسوم المحيرة، مما يدل على عريق حضارة، و أثيل مجد، و قدم عمران؟.
أيمكم أن تذكر فاس، و لا يتمثل المتذكر لها (سبو) و منعرجاته و منعطفاته و شطحاته الصخابة التي تنتشي أحيانا بأزهار الرياض العبقة، و أناشيد الأطيار الصادحة المغنية، فتهتز شطآنه. ثم تبلغ بها النشوة فتدمدم، فإذا هي خيرات و بركات و طمى ؟
أيمكن أن تذك فاس و لا يتجسم أمام متذكرها وادي الجواهر الذي يشقها نصفين، مكونا الشرايين و الأوردة لقلبها الحي النابض، أو لا يتجسم أولئك النفر الزهر من أبنائها الذين كانوا يتخذون من هذا الوادي ملاعب و مراتع و مغاني تسرح فيها الظباء الإنسية، و تمرح العذارى، و يسمع للموسيقى ألحان، و للطرب أوزان، و للشعر و الشعراء مساجلات و مطارحات و إجازات ؟
و لمناظرات العلماء أحاديث شيقة رائعة، و لمباهجهم حفلات، كان من أبهجها أسبوع الأدب و العلم الذي كان ينظم تحت شعار سلطان الطلبة ؟..
أيمكم أن تذكر فاس، و لا يشمخ أمام المتذكر جبلاها التوأمان الرابضان في شمالها و جنوبها :
(زلاغ و تغات)، أنهما يكونان حاجبين يحفان بعيونها، و ما تتفجر عنه من ينابيع ثرة عذبة، و يحوطان ببساتينها المزهرة الفينانة، و يرعيان أبناءها الغيورين النجباء ؟..
و من يستطيع أن يذكر سبو، و لا يتذكر ما قيل فيه من أشعار، و ما سجل عنه من أخبار ؟ ؟؟ لقد تحصص شاعر فاسي – تقريبا – في الإشادة بهذا الوادي الثر النجاج، و ما يحف به من بساتين ضواعة الأزهار، فواحة الورود، رنانة الطيور؟..
أجل لقد خص الشاعر محمد الشرفي – و سنخصص له في هذه الحلقات، استقبالا، أن شاء الله حديثا خاصا – كثيرا من أشعاره في التغني بهذا النهر، و الإشادة بما ظل يشاهده من أحاديث و أسمار و أخبار، يقول المرحوم محمد الشرفي من بين ما يقوله عن وادي (سبو) :
كأن سبو إذ جاء يسحب ذيله
          على فرش من سندس نظمت درا
زرود لجين أحكم القين سردها
          تسلسل في أحشاء ياقوتة خضرا
و في نفحة أخرى ينشد واصفا تلك الجماعات التي تنتشر على جنباته أيام الربيع، تشرب الشاي الأخضر، و تتمتع بما لذ و طاب من أسمار و أحاديث، في صباح، طابت أنسامه، و تفتحت زهوره و أكمامه، و عبق الجو بأغاريد طيوره و بلابله و حساسينه :
إذا شئت انشراحا في انشراح
          بنهر سبو انزلن عند الصباح
و صب من الأتاي مذاب تبر
          بأقداح اللجين مع الملاح
و قل، طربا إذا استروحت راحا
          على اللذات : ذا يوم الصباح
و يتفنن الشاعر الشرفي في وصف هذا النهر و ما يتيه به على باقي أنهار الدنيا فيقول :
جر الذيــول و ســــارا
          (سبو) و قال افتخارا
أنا على كل نهـــــــر
          في الأرض نلت الفخارا
و شدقتـــه شهــــود
          فيما ادعاه جهارا
حصبــاؤه كاللآلــــي
          و الماء يحكي العقارا
و العرف مسك ذكــــي
          و الجسر زاد وقارا
فاشرب عليه صبـاحـــا
          عتيق كسرا و دارا
ما بين نغمة و عــــود
          و شادن و عذارى
و لا تعرج على مــــن
          للنسك شاد المنارا
تكفيك ذمة فــــــرد
          شفيع قوم حيارا
فهو خير رســـــول
          و خير من قد أجارا
(فواصل الجمان ج 1 ص 51-52)
و قد ظل هذا النهر، كسميه و صنوه وادي الجواهر، عبر العصور – ملهم الشعراء، و ممدهم بفيض من الخواطر و أفكار، و إلى الدرجة التي يقول معها الشاعر عبد المالك البلغيثي :
عشرون عاما في أبي رقراق
          لم تنسني حبي و لا أشواقي
لم تنسني فاسا و لا جناتهـا
          مأوى الطبيعة ملتقى الأذواق
..لم تنسني وادي الجواهر أو شذا
          أزهاره المخضلة الأوراق
أو من سبو خلجات منعرجاته
          في فرقة من يعضها و تلاق
وادي الجواهر لم تشبه ملوحة
          فمعينه عذب شهي مذاق
(دعوة الحق ع 7 سنة 70 ص 69)

فكانت فاس لكل ذلك، و لغيره مما سنذكره في بحث خاص، عما قاله الشعراء عنها، و فيها منطلق الحركة الفكرية في ربوع هذا الوطن بل و في أقطار الشمال الإفريقي، بل و في القارة الإفريقية بما فيها مصر إذا تذكرنا أن باني جامعتها العتيقة : الأزهر الشريف هو أحد أبناء هذا الوطن، جوهر الصقلي قائد قوات المعز لدين الله الفاطمي.
و من هنا صح لنا أن نؤكد أن فاسا – و كما سنرى في أبحاثنا المقبلة بحول الله – كانت حاضرة شعراء المغرب غير مدافعة، و يكفي أن نعرف أن المرحوم الفقيه العلامة الشاعر أحمد النميشي أحصى في كتابه ( تاريخ الشعر و الشعراء بفاء) حوالي مائتي شاعر، كانت تحتضنهم فاس، هذه الحاضرة العلمية الفيحاء، ابتداء من المولى إدريس الأزهر، إلى غاية سنة 1343 التي هي تاريخ طبع هذا الكتيب الذي كان في أصل نص محاضرة كان ألقاها السيد النميشي في نادي المسامرات بثانوية المولى إدريس، هذا النادي الذي كان يشرف يومئذ على إدارته ضابط فرنسي يدعى (مارتي)..
و إذا كان السيد النميشي قد سرد ضمن محاضرته القيمة أسماء كل من استطاع أن يعثر لهم حتى على بيت من الشعر أو البيتين، لأن غايته كانت مجرد السرد أو القيام بجرد تقريبي للشعراء.. فإننا، في محاولتنا نحن، سنعمل على غربلة أولئك الشعراء و تقديم إنتاجهم، الذي من الإنصاف، الاعتراف بأن فيه ما يشوق، لا بخصوص مجهر واقعهم الخام و لكن حتى من حيث المواضعات الحديثة، ما دام الشعر، و كما قلنا في رحلتنا عن الشعر العربي و التي لما تتم بعد – صورة الواقع، و مرآة المجتمع الذي يعيش فيه الشاعر و محالة لإبداء لمساته الخاصة، و تطلعاته الذاتية، و ما دام الشعر في نفس الوقت، نغمة تسكر، و لحنا يأسر، و موسيقى تحمل الإنسان من عالم المعاش و المادة إلى عالم النور و الخيال المجنح، و تجعله ينظر إلى الحياة على أنها محببة مشوقة، فيها ما يستحق هذا العناء و المشاق التي يتحملها الإنسان في سبيل الاحتفاظ بها، و التشبث بمفاتنها.
و أي مكان يمكن أن يزركش الحياة، و يضفي عليها من ألوان الحب و الطهر و الصفاء كفاس، و من هنا صح لنا أن نصفها بأنها مدينة الشعر و الشعراء .. و ما من شخص ذي إحساس مرهف شاعري يزور فاس، و لا يتألم لفراقها، و يتحسر على مغادرتها و يعجبني أن أسجل هنا النفحة الشعرية التي أبدى فيها الشاعر العراقي محمد محمود الجيوري ذاكره عن فاس و ما يحمله لها بين جنبيه من حب و اشتياق .
ملأت قلبي من نعمائها طربا
          فهل يوفي قصيدي بالذي وجبا
يا دارة الحسن و الآنار ناطقة
          تروي الروائع عن ماضيك و العجبا
ما زال جامعك المعمور مفخرة
          للضاد، طوق طوق المنة الحقبا
يا فاس يا بهجة الآمال باسمة
          و حنة المغرب الأقصى بما رحبا
يا فتنة العاشقين الحسن مازجه
          من العفاف دلال في الهوى عذبا
كم ضمن الحسن جلباب و ما ظهرت
          سوى المحاجر تنبى بالذي احتجبا
(و الله ما أخطأت رميا و إن مزحت
          و فرحة القلب أن يغدو لها السلبا)
يا فاس يا روضة للعقل زاهرة
          يجني المعزين منها العلم و الأدبا
كم لحت للناس في التاريخ نور هـ
          ـدي للسالكين المعالي، العجم و العربا
كم حل فيك بعيد الدار مغترب
          أنسيته الدهر أما برة و أدبا
باهى جمالك في أجوائها الشهبا
          و فاق خيرك في تهطالها السحبا
يا فاس يا نعمة كالسحر رددها
          فم الزمان، فجلى وقعها الكربا
جرى حديثك في بدو و حاضرة
          كجري سعدك في عليائه خببا
لولا هوى لي في بغداد تيمني
          لما ارتضيت سوى ناديك مطابا


المولى إدريس مؤسس فاس :
و تتميما لهذه اللوحة، نحب، قبل الشروع في تقديم دراستنا لأبرز شعرائها الذين احتضنتهم قديما و حديثا – أن نشير في إيجاز، إلى ظروف نشأتها ، على يد أحد شعرائها، و قادتها السياسيين .. المرحوم المولى إدريس الأزهر الفاضل.
كانت وقعة فخ المشهورة منطلق وجود الأدارسة و قيام دولتهم بالمغرب، فقد استحر التقتيل في الهاشميين فيها، على يد المسودة العباسيين، الذين كانوا تاريخئذ يحاولون إرساء قواعد سلطانهم، على بحر من الدماء. و أرتال من الجماجم، و الأشلاء، بإقصاء كل العناصر التي قد تنازعهم الحكم، أو تناوئهم الاستيلاء عليه، الشيء الذي حمل الكثيرين ممن أسهموا في تلك الوقعة، بالمباشرة العملية، أو حتى بالعطف و التأييد من أولئك الهاشميين على طلب أقاصي العالم الإسلامي الممتد الرقعة فرارا من براثن الظامئين لدمائهم..
و كان المولى إدريس دفين زرهون وليلي، ضمن الذين تمكنوا من الفرار من وجه أولئك الجلادين صحبة مولاه راشد أبي السعد بن منصة أوربي، و اتجها صوب المغرب الأقصى عن طريق مصر فليبيا فتونس فالجزائر، بينما كان اتجه أحد أخوته يحيى إلى الديلم و طلب آخرون جهات أخرى..
و لا تتحدث الروايات التاريخية عن سبب اختيار إدريس، هذه الوجهة بالخصوص، و هل أن ذلك كان عن فكرة مدروسة بين الأخوة الفارين، الذين توزعتهم أقاصي العالم الإسلامي، لمحاولة الإجهاز على المسودة العباسيين من مختلف الجهات، و تفكيك عرى سلطانهم بإثارة المشاكل و القلاقل في أماكن يصعب أن تطال مثير بها سيوف المسودة، و بهذا تتاح للعناصر المناؤئة المتخفية في صفوف بلاد فارس التي قصدها يحيى، و بلاد المغرب التي أمها إدريس كانتا – عبر حركاتهما المذهبية و العقائدية متشيعتين، تقيمان في مختلف المناسبات الأدلة العملية على ولائهما لآل البيت النبوي الكريم..
فكانتا محط أنظار الأخوين ؟
أم أن ذلك، لم يكن عن خطة مدروسة، و إنما فكر الفارون، إمعانا في الفرار، أن يبحثوا لهم عن مأوى، تضمن لهم رمق الحياة، و قليلا من الدعة و الاستقرار.
على أن انتساب مولي إدريس أبي العباس راشد، إلى نفس القبيلة البربرية التي استقبلت المولى إدريس، و احتفت بمقدمه، بل و بوأته، بعد قلوبها، عرش الحكم، و قد أشار إلى هذا الانتساب ابن أبي زرع في كتابه : الأنيس المطرب، في أخبار ملوك المغرب و تاريخ مدينة فاس...
قد تشتم منه رائحة التصميم المسبق و الفكرة الهادفة لإقامة دولة للهاشميين في المغرب، و أن المولى راشدا كان الممهد لهذه الفكرة، بل كان المسير لكل مراحل تنفيذها و إخراجها إلى حيز الواقع المحسوس، فقد سهر على حماية إدريس منذ قرارهما من فخ، و بذل جهودا مضنية، في مصر حيث أوشك أمرهما أن يفتضح، لإنجاء إدريس من متقصي آثار الهاشميين، ثم نراه و قد استقر المقام بإدريس في وليلي، يكون القيم الخاص، و حارس جسد إدريس، حتى أنهم ليتحدثون بأن راشدا ما كان يتغيب طرفة عين عن حضرة إدريس، و لا يترك أيا كان يختلي به على انفراد إلا لضرورة قصوى لا محيص عنها.. و حتى أنهم ليقولون أن مغتال إدريس الشماخ لم يتمكن من إدريس إلا يوم تغيب فيه راشد في مهمة لابد كانت تحتاج حضوره.
و اهتمام راشد بخصوص التوجه إلى القبيلة البربرية التي تنتمي إليها، قبيلة بني أوربة، و التي نجهل الآن موقعها الجغرافي بالتحديد، و نجهل كذلك ما إذا كانت ما تزال بقايا من هذه القبيلة حتى الساعة، و إن أفادني العلامة البحاثة قيم خزانة القرويين السيد العايد الفاسي، بأن أفراد من هذه القبيلة حتى العهود الأخيرة، كانت ما تزال تقدم القرابين و الذبائح لهذا الفاتح، أقول أن اهتمام راشد بخصوص هذه القبيلة دون غيرها من القبائل البربرية التي كانت تتوزع رقع المغرب الترابية، و خاصة إقليمي فاس و مكناس حيث كانت قبائل زواغة، و برغشن أو سغروشن و بني الخير و زنانة، فيه أكثر من معنى..  فهو لا يشير فحسب لتصميم إدريس على إقامة سلطان لعشيرته المطاردة، و إنما أيضا لتوطيد بعصبية تقوم على لحمة الدم و الدين.

و يضاف إلى كل ما تقدم أن الكتب التاريخية لا تتحدث عن كيف أصبح راشد مولى لإدريس أيا لولاء أم الثراء ؟ أم الإرث  أم ماذا ؟..
على أن حرص راشد على استمرار الحكم و بقائه في هذه الذرية، ذلك الحرص الشديد الذي تجلى بعد اغتيال إدريس، و الذي تجسم في إقناعه البرابرة بضرورة انتظار جنين السيدة كنزة مولدة أدريس البربرية الأصل، لمعرفة ما إذا كان ذلك الجنين ذكرا يسلون له زمام ولاية العهد. هذا الحرص كان دليلا قاطعا على أن علاقة راشد بالمولى إدريس كانت أكبر من مجرد عطف و إخلاص، و إنما كانت ذاك و شيئا آخر. قد لا نكون غالينا إذا وصفناه بأنه طموح من راشد للحكم من وراء إدريس، خاصة إذا علمنا أن الظرف كانت أيادي المولى فيه تعبث بمقادير الرجال و مصائر دولهم، مما انتهت إليه أوضاع الدولة العباسية في نهايتها، و دول الممالك و تلك التي جاءت بعدها.
و على كل حال، فقد تمكن راشد من إقناع البربر بما فيهم زعيمهم الذي تنازل عن سلطته القبلية لإدريس، اسحق بن محمد بن عبد الحميد الأوربي، إقناعهم بضرورة انتظار المولود. و عمليا وضعت السيدة كنزة التي تذهب بعض الرويات أنها من نفس قبيلة أوربة أو ابنة عبد الحميد الأوربي نفسه مولدا ذكرا، استقبل بالترحاب و التهليل، و اعتبر منقذا و مرشدا، و ذلك غرة الاثنين ثالث رجب 177 هـ.
و هنا نرى من جديد، اهتمام راشد بهذا المولود الحفي، و عنايته الفائقة به، فقد اعتنى بتربيته و تهذيبه، و تعليمه كل ما يحتاج إليه من هو مرشح للملك، و مهيأ للحكم، معد للسلطان فأقرأه التاريخية، في سنه الثامنة، و علمه الحديث و السنة و الفقه و العربية، و رواه الشعر، و أمثال العرب وحكمها، و أطلعه على سير الملوك، و عرفه أيام العرب و جربه على ركوب الخيل و الرمي بالسهام، و غير ذلك من مكايد الحروب، فلم يمض له من العمر أحد عشر عاما إلا و قد اضطلع بما حمل، و ترشح للأمر، و استحق أن يبايع، ( الاستقصا ج 1 مطبعة دار الكتاب بالبيضاء ص 146).
و تختلف الروايات التاريخية،  في ضبط تاريخ مبايعته كما تختلف في هل تم ذلك على يد راشد مولاه و مربيه أم على يد خلفه أبي خالد يزيد ابن الياس العبدي و بعد اغتيال راشد، فهناك من الروايات ما يؤكد أن راشد أخذ له البيعة يوم الجمعة عاشر ربيع الأول عام 188 بينما تؤكد روايات أخرى أن بيعته لم تتم إلا بعد اغتيال راشد على يد بعض مؤيدي ابن الأغلب حاكم العباسيين على إفريقيا بعد خلع محمد بم مقاتل العكي، على أثر ادعائه أنه الذي تولى المهمة، و أنه الذي اغتال راشدا، فيكذبه صاحب بريد هرون الرشيد، مثبتا أن المهمة أنجزها ابن الأغلب، و في هذه الحادثة ينشد مقترفها ابن الأغلب هذه الأبيات :
ألم ترني بالكيد أرديت راشدا
          و أني بأخرى لابن إدريس راصد
تناوله عزمي على بعد داره
          بمحتومة قد هيأتها المكايد
فتاه أخو عك بمقتل راشد
          و قد كنت فيه شاهدا و هو راقد
و يذهب ابن خلدون في قضية بيعة إدريس الأزهر إلى انه بويع (حملا، فرضيعا، ففصيلا إلى أن شب و استتم فبويع مرة رابعة سنة 188م)
و يتحدث التاريخ عن كيف أن المولى أدريس، لإثبات جدارته و استحقاقه لما أسند له خطب في القوم عقب مبايعته و وجه إليهم الكلمات التالية :
« الحمد الله، أحمده، و أستعين به، و أستغفره، و أتوكل عليه، و أعوذ به من شر نفسي و شر كل ذي شر، و أشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا عبده و رسوله، المبعوث إلى الثقلين بشرا و نذيؤا، و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا، صلى الله عليه و على آل بيته الطاهرين، الذين أذهب عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا.
أيها الناس أنا قد و لينا هذا الأمر، الذي يضاعف للمحسن الأجر و للمسيء الوزر، و الحمد لله على قصد جميل ، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإن ما تطلبونه من إقامة الحق، إنما تجدونه عندنا..)
و أضاف المؤرخون أنه بعد تلك الكلمة : دعا الناس إلى بيعته، و حضهم على التمسك بطاعته و أن الحضور تعجبوا من فصاحة الصبي الملك، و من قوة جأشه و ثبوت جنابه، على صغر سنه.
و تطايرت الأخبار، بأعمال الملك الصبي، و بمدى الجسارة الحكيمة التي يبديها في ميدان تصريف الشؤون، و الأخذ بأسباب تقعيد أدوات الحكم ، و أسس السلطان فتوافدت عليه الوفود من كل حدب و صوب، و بالأخص في سنة 189 حيت وفدت عليه وفود من عرب الأندلس و إفريقيا، بلغت جالياتها * فيما يخص التاريخ، نحو الخمسمائة فارس من القيسية و الازد و مذحج، و بني يحصب و الصدف و غيرهم و أنه سر بوفادتهم و أجزل صلاتهم و رفع منازلهم، و اتخذ منهم بطانته، - .. ثم استوزر منهم عمير بن مصعب الأزدي، المعروف بالملجوم من ضربة ضربها في بعض حروبهم و سمته على الخرطوم.
و استقصى عامرا بن محمد بن سعيد القيسي، من قيس عيلان.
و استكتب أبا الحسن عبد الله بن عبد الملك الأنصاري.
و استتب أمر للمولى إدريس في مسقط رأسه، و منطلق ملكه وليلي يعينه على ذلك الثلة المؤمنة من أصحابه و أخواله البربر النفزاويون.. و تمكن بفض ذلك من توسيع رقعة مملكته، حتى ضاقت عاصمة ملك أبيه وليلي و لم تعد تتناسب و المهام الخطيرة الجديدة التي على الدولة الناشئة الآخذة في التقعيد أن تواجهها، بصبر و أناة و لكن بقوة و أيد .. فاضطر الملك الصبي القوي الشكيمة النافذ البصيرة، المؤمن النفس، بطاقته و بالرسالة التبشيرية و التمدينية التي عليه أن يواجهها إلى التفكير في إنشاء عاصمة جديدة، تتسع لهذا الملك النافح الذرى، الباسق الأغصان، الذي أوشك على الانبثاق، و تركيز عروقه و جذوره في أعماق هذا البلد الطيب  الكريم المعطاء، فكانت هذه العاصمة فاس الفيحاء و كانت هذه الحاضرة العلمية التي سنتحدث عن كيفية إنشائها و تأسيسها على يد هذا الملك الهمام و الولي المصلح المولى إدريس فيما يأتي.

       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here