islamaumaroc

خصائص النقود وأسس الجبايات في الإسلام

  دعوة الحق

145 العدد

لقد كان العرب قبل الإسلام يتعاملون بالنقود الكسروية الرومية من الدراهم و الدنانير و بقي هذا حالهم إلى عهد عمر رضي الله عنه فضرب الدرهم و جعل وزنه من أربعة عشر قراطا من قيراط المثقال العشرين.. فكانت كل عشرة دراهم من دراهمه تزن سبعة مثاقيل، ثم ضرب دراهم أخرى جعل وزن الواحد منها اثني عشر قراطا.. و كان يضربها على نقش الدراهم الكسروية، و يزيد في بعضها عبارات إسلامية كعبارات التوحيد أو عبارات الحمدلة... و ضرب بعده عثمان رضي الله عنه دراهم نقش عليها عبارة التكبير، و حذا الخلفاء و الأمراء حذوهما فضربوا الدراهم و الدنانير بعبارات و أوزان مختلفة.
و كان أعظم الذين ضربوا النقود معاوية .. و عبد الله بن الزبير.. و عبد الملك ابن مروان.. و يزيد بن عبد الملك.. و غيرهم.. و إنما كان عبد الملك بن مروان أول من ضرب الدنانير الإسلامية بدون نقوش كسروية.. فكان وزن ديناه يتراوح من أربعة غرامات و خمس الغرام إلى أربعة غرامات و ثلثي الغرام.. فهو بذلك يقارب نصف الجنيه الإنكليزي الذي وزنه أربعة غرامات و ربع الغرام من الذهب حسب دراسة نقدية في الموضوع... و أما الدرهم الفضي فكان وزنه أقل من ثلاثة غرامات.
و أكثر عبد الملك من ضرب هذه النقود العربية في أيامه في الشام و مصر و العراق و انتشر استعمالها فاستغنى العرب بها عن نقود الروم و الفرس و صار للعرب نقود خاصة بدولتهم.. ثم بها استقلالها.
أما الجبايا فقد استندت عند العرب على الأسس الآتية :
أولا : على القواعد المستنبطة من الكتاب و السنة.
ثانيا : على ما أسسه الخلفاء الراشدون.
ثالثا : على ما أخذوه عن الدول التي غلبوها على أمرها.
فلم تكن أموال الدولة في أيام الرسول سوى الغنائم يخرجون خمسها للنبي و أهل بيته و يتقسمون الباقي بين المسلمين ... و كانت الخزينة في عهده قائمة على ما يجتمع لديه من الصدقات و الزكوات من ماشية و نقود و حبوب و عروض يتصرف بها في وجوه المصلحة العامة ... ثم عندما اتسع أمر الإسلام عمد إلى وضع الخراج، فجعل على سكان جزيرة العرب من المسلمين خراج مقاسمة على حاصلات أرضهم من العشر إلى نصف العشر بدرجة الأرض من الخصب و نصيبها من الري.. فكانت أرض الجزيرة بتمامها عشرية ما عدا خيبر فقد صالح يهودها على نصف حاصلات أرضهم ... و كان يسم الماشية العائدة لبيت المال بميسم خاص، و يتولى ذلك بنفسه، و بلغت هذه الماشية في عهده نحو أربعين ألفا، و بقي  خمس الأفياء يعطي لأهل البيت، حتى تولى الخلافة عمر بن الخطاب فعين الرواتب لمستحقيها من أهل البيت و من القائمين بخدمة الخليفة من الحاشية و البطانة، و أجزاها عليهم شهرا شهرا، ورد الأخماس على بيت المال لتقسم على المسلمين.
و عندما توسع الفتح الإسلامي و استولى المسلمون على بلاد الروم و الفرس في العراق و الشام، اختلف زعماء العرب في الخطة الواجب إتباعها باستحواز الأرض و  «العلوج» الذين عليها فأراد قوم من الصحابة و زعماء العرب أن يقتسموا الأراضي التي يفتحونها غنيمة بينهم و يكون لكل منهم نصيبه منها مع من عليها من السكان.. فيبقى السكان أقنانا أي أرقاء ملحقين بالأرض يباعون معها و ينتقلون بانتقالها..
فقال عمر : فكيف بمن يأتي بعدكم من المسلمين فيجدون الأرض قد اقتسمت بمن عليها و حيزت إرثا على الآباء؟ ما هذا برأي ؟
فقال عبد الرحمن بن عوف : فما الرأي إذن ؟
ما الأرض و العلوج إلا مما أفاء الله على المسلمين.
فقال عمر : إذا اقتسمت أرض العراق بعلوجها و أرض الشام بعلوجها، فبماذا تسد الثغور و ماذا يكون للذرية.
و ما زالوا به حتى جمع ندوة من المهاجرين و الأنصار قوامها عشرون رجلا من أهل الحنكة و العقل و استشارهم في الأمر و قال لهم : «سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، و أني أعوذ بالله أن أركب ظلما.. لئن كنت ظلمتهم شيئا هو لهم و أعطيته غيرهم لقد شقيت.. و لكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، و قد غنمنا أموالهم و أرضهم و علوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله .. و أخرجت الخمس فوجهته على وجهه و أنا في توجيهه و قد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها.. و أضع عليهم فيها الخراج فتكون فيئا للمسلمين المقاتلة والذرية و لمن يأتي بعدهم... أرأيتم هذه الثغور لابد لها من رجال يلزمونها؟ أرأيتم هذه المدن العظام كالشام و الجزيرة و الكوفة و البصرة و مصر لابد لها من أن  تشحن بالجيوش و أدرار العطاء عليهم ؟ فمن أين يعطي هؤلاء إذا أقسمت الأرضون و العلوج ؟
فقالوا جميعا : «الرأي رأيك ، فنعما قلت و ما رأيت ... إن لم تشحن هذه الثغور و هذه المدن بالرجال و لم تجر عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم».
و كان عثمان و علي و طلحة بين القائلين بقول عمر فقال : « من لي برجل له جزالة و عقل يضع الأرض مواضعها، و يضع على العلوج ما يحتملون؟» فاجتمعوا له على عثمان ابن حنيف و قالوا : تبعثه إلى أهم ذلك فإن له بصرا و عقلا و تجربة .. – فولاه مساحة أرض السواد من العراق يمسح سواد الكوفة و جباه مائة مليون درهم.. و فعل بالشام كما فعل بالعراق، فترك أهل ذمة يؤدون الخراج إلى المسلمين.
قال أبو يوسف القاضي : « إن الذي رآه عمر من ترك الأرض في أيدي أصحابها و فرض الخراج عليها هو توفيق من الله فيه الخيرة لجميع المسلمين ... و لو لم يفعل ذلك لما سحنت الثغور و قويت الجيوش على السير في الجهاد».
و في عهده وضعت القاعدة القائلة : «أيما دار من دور الأعاجم ظهر عليها الإمام و تركها في أيدي أهلها فهي في أرض خراج ..
و إن قسمها بين الذين غنموها فهي أرض عشر ..
و كل أرض من أراضي الأعاجم صالح الإمام أهلها عليها و جعلهم ذمة فهي أرض خراج فضرب على الأرض الخراجية مالا مقطوعا يستأذاه أصحابها العاملون بها في حالتي الخصب و الجذب.. و جعل هذا الخراج  يختلف باختلاف خصب الأرض و أسلوب الري، و القرب من المدن الحافلة بما في ذلك من العون على عثرة الاستغلال و بيع الغلة .. و جعل العشر على الأراضي العشرية على ما يشرب من ماء المطر.. و نصف العشر على ما يسقى بالدلو.. و جباه على ما يبقى في أيدي الناس من الغلة الأرضية كالحبوب .. و وضعه أي رفعه عما لا يبقى كالبطيخ و الخضر.. كما وضعه على المسلمين في البلاد التي فتحها و أقطعهم إياها و قال ليس على المسلمين عشر، و إنما العشر على اليهود و النصارى و قال : « يا معشر العرب احمدوا الله الذي وضع عنكم العشور»
فهو أول من مسح الأرض و دون الدواوين و وضع أصول الجباية، و رقم الداخل إلى بيت المال و الخارج منه، و هو الذي رتب الجزية على الرجال من غير المسلمين و كلف غنيهم بثمانية و أربعين درهما، و متوسطهم بأربعة و عشرين و فقيرهم باثني عشر في السنة و قال :
« درهم في الشهر لا يعوز أحدا» و جعل المعادن لمخرجها على أن يؤخد منه خمس المستخرج لبيت المال .. و كذلك مما يخرج من البحر من حلية و عنبر.. و هو الذي أكثر القواعد المالية، فلم يجرأ من جاء بعده على مخالفتها، فبقي جانب عظيم منها نافذا في عهد الأمويين و العباسيين.. و استمر بعضها حتى الزمن الحاضر!
كانت منابع بيت المال في عهد الخلفاء الراشدين منها المقرر و منها الطاريء :
- فالمقرر هو الخراج، والعشر، والصدقات، والجزية.
- و الطواريء هو العشور، و الغنائم، و الأفياء، و الأموال المستخرجة من العمال، و عوائد المصادرات و أمثال ذلك.
فالخراج ما كان يوضع على الأرض التي استولى عليها المسلمون و تركوها في أيدي أهلها ملكا لهم... فكانوا يجعلونه أحيانا خراجا موظفا ثابتا كما جرى في سواد العراق.. و أحيانا خراج مقاسمة .. و بقيت ضيع البطارقة و الأمراء المنهزمين ملكا لبيت المال يقبلها العمال و يستثمرونها لحساب الخزينة العامة.
و العشر هو الحصة الشائعة المضروبة على حاصلات الأرض التي أسلم أهلها عليها من أرض العرب أو العجم كالمدينة و اليمن.. أو ملكها المسلمون عنوة من قوم لا تقبل منهم الجزية كعبدة الأوثان و المجوس... و مثلها الأرض التي اجتازها المسلمون و قسموها بين الغانمين.
و الصدقات هي ما يعطيه المسلمون من أموالهم المنقولة و مكاسبهم، و كانت في الغالب بمعدل واحد في الأربعين أي ربع العشر، و تجبى على الأكثر من الماشية ... فكانوا يعينون لأهل البادية مصدقين يجبون الصدقات و يردونها على بيت المال لتصرف في مصالح الخلافة.. و لعل هذا الأساس بقي معتمدا عليه في الإسلام، و تجلى في عهد الخلافة العثمانية بأموال الأغنام و السائمة التي ما زالت إلى اليوم تجبى على هذه النسبة نفسها.
توسعت منابع الجباية بعد ذلك فتناولت مطارح أخرى من ذلك المكوس «الجمارك» التي كانوا يسمونا العشور لأنها كانت توخذ بمعدل واحد من العشرة .. و أول ظهورها في الإسلام على عهد عمر عندما كتب إليه أبو موسى الأشعري عامله في العراق يستشيره بما يأخذه الأجانب من تجار المسلمين الذين يدخلون بلادهم لبيع بضاعتهم، فكتب إليه عمر أن تأخذ أنت منهم كما يأخذون من تجارنا.. و خذ ربع العشر بقدر الزكاة المفروضة عليهم... فانتشرت قاعدة التعشير في ثغور المسلمين و حدودهم و استمرت طول أيام دولتهم.
قدم أبو هريرة على عمر بمال من البحرين فقال له عمر : ما معك ؟ قال : خمسمائة ألف درهم ! فدهش عمر لكثرته و قال : أتدري ما تقول ؟ قال نعم ، مائة ألف درهم خمس مرات» فصعد المنبر و قال :
« أيها الناس جاءنا مال كثير فإن شئتم كلنا لكم كيلا  و إن شئتم عددنا لكم عدا».
و هذا مثال على دهشة العرب بوفرة الأموال التي كانت ترد عليهم من فتوحاتهم ذهبا و فضة و على الإسراع في توزيعها بين المسلمين، و كان أبو بكر و علي لا يقلان عن عمر في الزهد بالمال و تقسيمه بين الناس بالعدل – و ليس لدينا إحصاء يعرف منه ما كان يدخل لبيت المال في عهد الراشدين من الخراج و العشور أو الزكوات أو الأخماس أو غيرها من منابع الخزينة... و جل ما نعلمه من هذه الجهة أن المداخيل كانت جسيمة جدا .. و جميعها تنفق في المصالح العامة و لا يختزن شيء منها.

     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here