islamaumaroc

التاريخ الذي لم يكتب

  دعوة الحق

145 العدد

تهتم الشعوب و الأمم بتاريخها اهتماما بالغا، و توليه ما يستحقه من عناية، بل و تبرز أحداث هذا التاريخ في إطار مشرق لامع، تحوطه بكل رعاية، و تصونه بكل أنواع الصيانة، حتى يبقى في أمن من كيد الكائدين، و في حماية من زيف المزيفين و الوضاعين .. و ذلك كله إيمانا منها بالدور الحيوي الذي يلعبه في حياتها، و ثقة بما يقدمه لأجيالها من عزة و كرامة و اعتداد بالنفس.
و ليست العبرة في أن الأحداث تبقى مرسومة و واضحة، رهينة الكتب و الوثائق، حبيسة الصدور و العقول، لكن المهم أنها تعطي الصورة الحقيقية لهذه الشعوب بكل إبعادها، و بكل ما تتميز به من صفات و مزايا و أخلاق، و مظاهر حضارية، كيفما كانت هذه الصفات و هذه المظاهر، بقطع النظر عن كل الاعتبارات و العوامل ... فالتاريخ الحق هو المعيار الدقيق الذي نزن به الأشياء، و نقيس به الأعمال، و نستخلص منه النتائج ، ونصل به على الحقيقة، مهما كثر الغموض و أحاط الشك و اعتورتنا الاضطرابات .. و قد تختلف الشعوب و الأمم في تصوير هذا التاريخ و إبرازه، و قد تتباين الأفكار في إظهار الحقائق أو طمسها، أو في تعميتها و إحاطتها بسياج من المباهاة و المغالاة .. و قد تقع المبالغة أحيانا في تسجيل بعض المظاهر، أو في تجلية بعض الأشكال و الأنماط و السمات من الحياة، و قد يشتط القلم فيصور الحقيقة تصويرا بعيد كل البعد عن الواقع .. و قد يكون و يكون .. لكن القيمة الحقيقية تبقى رغم ذلك موجودة، لا يشينها ما يحيط بها من غموض، أو يعلق بها من أوهام و إيحاءات ، أو لبس و اضطراب ! إذ الحدث التاريخي في حد ذاته المادة الخام التي تزود المؤرخ، و التي يجعلها ركيزة فقط ، و يبقى عليه بعد ذلك أن يكون دقيقا في أحكامه، منصفا في تصرفاته، نزيها في استنتاجاته، مرنا في ضبط خطواته، صارما أولا و أخيرا في اتخاذ قراراته!!
و المغرب ليس بدعا في هذا المجال، فقد احتفظ بتاريخ مجيد، و ساهم في تنشيط الحضارة الإنسانية، و واكب الأمجاد في عزة و إباء، و كان فحلا مبرزا في عصوره القديمة و طيلة الموجات الاستعماري التي توالت عليه من الشرق و أوروبا، ثم اتخذ لنفسه طابعا ممتازا في عصوره المتوسطة بعد أن أصبح إسلاميا عربيا، و اتسم بذاتية خاصة فريدة، أبانت عن مقدرة في النضال، و محكمة في السلوك، و ظل يصارع الأحداث و يقاوم ظروف الزمن، بهمة لا تعرف الملل و عزيمة لا تفل، و صاحبته الأمجاد – رغم بعض الصعاب – حتى إلى عصوره المتأخرة، فلم يتهاوى بسرعة كلما تهاوت دول و أمم، و لم يرضخ إلا بعد ضروب من المقاومة قل نظيرها، و رغم ذلك ظل شامخا في وطنيته، محافظا على روحه، و استمر رغم العراقيل يقوم بأعبائه المنوطة به في دائرة الإمكان، و قدر طاقته و ما حبته به الطبيعة، فلم يتخلف عن الركب، و لم تقعد به العزيمة، بل ظل يحارب و يناضل و يتحدى الزمن لينهض من كبوة الرجولة، و من جولة إلى صولة، و تلك هي الخاصية التي ميزت تاريخ المغرب الطويل !!
و لست أريد هنا أن أذبج القصائد في التغني بالأمجاد، و الثناء على الماضي، فذاك أمر قد فرغ منه، إنما أريد أن أثير الانتباه إلى أن التعرض لهذا التاريخ على مداه، و تجلية غوامضه و توضيح مساره، مجهود لا يستطيعه الأفراد و الأشخاص وحدهم، و إنما هو حمل ثقيل و عبء ضخم، تنوء به العصبة أولو القوة، و لن ينجح العمل فيه إلا إذا تضافرت الجهود، و خلصت النيات، و أبعدت المغنم عن الحساب !! و إنما همي في بعض أحاديثي المقبلة إن شاء الله أن أضع اللمسات على بعض هذا التاريخ الحي ، لنابض بالحيوية، المتدفق بالنشاط لتتعرف من خلاله على واقع عاشته هذه التربة، و عرفه هذا الوطن الذي نعتز به.
و أود أن أتعرض لموضوع نخلص منه إلى نتائج تعيننا على عملنا، ذلك أن هذا التاريخ الذي نتحلى به، و نملأ الدنيا ضجيجا بوجوده، و الذي هو حقا بهذه المثابة من القوة و النشاط، و الخصب و سرعة الحركة، لماذا يظل هكذا مجهولا يتخبط في دنياه المتخبطون ؟ و يتيه في دربه العلماء و المتخصصون ؟ لماذا لم يمط اللثام عن أسراره و دقائقه، و تفك الأحجية عن كنوزه و ذخائره ؟ لماذا لم يوضع في إطاره الطبيعي، و تسجل أحداثه تسجيلا صادقا، فيه العظة و العبرة و المنفعة للأجيال اللاحقة ؟ لماذا ننبشه هذا النبش الخفيف الفينة بعد الفينة، و نتناوله هذا التناول الخاطف و كأننا على ميعاد ! ألم يحن الوقت بعد لنتعاون مخلصين لصياغته الصياغة الكاملة المشرفة ؟
لقد كتب الكاتبون و جر الباحثون، و لم يقصر الأجانب بدورهم فأماطوا اللثام إما صادقين أو لأغراض أخرى،  عن جوانب مهمة من هذا التاريخ، و صوروا الواقع المغربي حسب ميولهم و أفكارهم، و ضمن التوجيه الذي وجهوا به، فلم نبق هذا الركام على حاله، و لم لا نكمل ما بدأه الأجداد، و نصلح ما انحرف فيه المنحرفون أو اختلط فيه الأمر على غيرهم .. فالمصادر ليست شحيحة، و الوثائق ما انفكت متوافرة، و السجلات الخاصة و العامة ما برحت تملأ الرفوف، و الأبحاث و الدراسات التي ظهرت ليست من الكثرة بحيث تكفي المتلهف، و لن تروي الظمأ وحدها، فيه لا تخرج عن كونها بحثا معينا و في نطاق خاص ، و من أجل مهمة خاصة، فنحن نقدر جهود أصحابها، و نكبر فيهم لتضحيات التي قاموا بها ، و الجهود التي بذلوها من أجل القيام بعملهم على الوجه الأكمل و الأفيد .. و رغم هذا فنحن نلاحظ التقصير و نتحمل مسؤوليته.
بقي أن نتساءل عن السر في هذا، و هل هناك عوامل تدفع أصحاب الاختصاص إلى الهروب و الانكماش. و قبل كل شيء أود أن أسجل أو بالأحرى أشير إلى حقيقة معروفة منذ قرون عبر عنها صاحب كتاب مرآة المحاسن العلامة العربي الفاسي حين قال «إن المغاربة وسموا بالإهمال، و بدفن فضلائهم في قبري تراب و أخمال، فكم فيهم نم فاضل طوى ذكره عدم التنبيه، فصار اسمه مهجورا كأن لم يكن شيئا مذكورا » و ردد العلامة الحسن اليوسي نفس الأفكار في كتابه المحاضرات صفحة 59 و نقل عن شيخه أبي عبد الله بن ناصر ما يفيد ما قلناه. و لما جاء صاحب السلوة عقب بقوله : « و إنه لقلة اعتناء أهل هذا لمغرب بالتاريخ ضاع أكثرهم، و خفي على كثير من الناس جمهورهم و معظمهم » و رغم ما في هذه العبارات من ألم دفين، مصدره الحب لهذا الوطن، و الاعتزاز بأبنائه و العباقرة منهم، فإن هناك بعض المبالغة بالنسبة لعصور أولئك العلماء الذين قالوا ما قالوا، فإننا حين نرجع إلى ما خلفوا : من تقاييد و فهارس و نوازل و بحوث، نجد الشيء الكثير الذي نحن في أشد الحاجة إلى إماطة اللثام عنه و إظهاره للعيان في حلة ناصعة، و طباعة مناسبة .. لكن علامات الاستفهام تبقى رغم ذلك بارزة ؟
أيكون السبب هو كثرة المصادر و تنوعها، و اختلاف مشاربها، و تعدد مظاهرها، و اختلاط المواد بعضها ببعض ؟
أيكون ذل مرجعه إلى أنها ما تزال مخطوطة أو كالمخطوطة، إذ ما طبع في المطبعة الحجرية الفاسية أصبح نادر الوجود، و إذا ظهر فبأغلى الأثمان ؟؟
أيكون السبب هو اختفاء هذه المصادر في خزائن لا يمكن الوصول إليها بسهولة، بل يتعذر الحصول عليها، و يصعب بالتالي الاستفادة منها في أغلب الحالات ؟

أيكون الفراغ المادي،و عدم توفر وسائل النشر و الاستفادة السريعة، أحد العوامل التي دفعت الكثير إلى هذا الابتعاد، إذ التشجيع عامل رئيسي و مهم في دفع كل حركة و نجاح كل خطوة ؟
أم يكون الكسل العقلي الذي ران في النفوس، و خيم على الأفئدة، و جثم على القلوب هو الذي شل كل حركة، و أوقف كل نشاط، و جعل المخلصين من العاملين و الباحثين يكتفون من الغنيمة بالموجود ؟؟
أم أن هناك عوامل أخرى ، انضمت إلى ما سبق ، فكونت هذا الركود العام الذي لا نشهده في هذا المجال وحده، بل نلاحظه و نلمسه في كل مجالات الفكر ؟؟ فأين الشعر المتدفق من أفواه الملهمين ؟ و أين القصة الواعية التي تصور الواقع و تلهب الشعور ؟ و أين البحث الجاد المركز، الذي يزيد لبنة، و يرفع سترا، و يوضح مشكلا ؟
بل أين نحن من مجهودات القدماء، و كفاح من سبق ؟ أين نحن من تاريخ كلاستقصا للناصري، و من مجهود أمثال ابن زيدان،و أبي علي الدكالي السلوي، وابن إبراهيم المراكشي و أضرابهم ممن عكفوا على تارخنا فأسهموا فيه بنصيب له وزنه و ثقله ؟ بل أين نحن من الإنتاج الذي طبع و نشر بواسطة المطبعة الحجرية الفاسية ؟
و الواقع أننا أمام عراقيل كثيرة تقف أمام المتصدي للبحث و التأليف، و على الأخص فيما يتعلق بكتابة التاريخ، هذا التاريخ الذي يقدم – باستمرار – في كل الشعوب بصورة زاهية مشرفة، تبعث الحماس في نفس الطفل و المراهق و الشاب و المثقف و العامل و على جميع المستويات !!
فهل يأتي الوقت الذي نستطيع أن نفخر بأننا قدمنا لأجيالنا تاريخا واضحا ؟ و هل تزول الصورة الأليمة التي نواها صبح مساء، حين يسأل أطفالنا عن تاريخهم، فنقدمه إليهم في صورة شبه مبتورة، روتينية ... لا تخلو من ملل ، و لا تبعث الشوق في نفوسهم، و لا الدفء في حياتهم، و لا الإحساس بعزتهم و كرامة أمتهم !؟ ذلك ماؤآمله .

       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here