islamaumaroc

في مواجهة أخطر التحديات في هذا العصر: تحرير العقيدة

  دعوة الحق

145 العدد

من أخطر التحديات التي تواجه المسلمين اليوم: سلامة العقيدة وتحريرها، وبراءتها من الزيف الذي حبته الفلسفات والمذاهب والدعوات المختلفة، خلال عهود طويلة بعد المسلمون فيها عن مصادرهم الأصلية، وظنوا أنهم حين يقولون (لا إله إلا الله) فإن ذلك يكفيهم إيمانا بالتوحيد لله.
و من الحق أن الإسلام قد جعل تحرير العقيدة من كل زيف أو شبهة تحريرا كاملا: هو الأساس الأول الذي يجب أن يظل حيا متجددا لا تجرفه السيول ولا يطغى عليه الغبار ولا يغشيه أي سحاب.
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) [الزمر: 2-3]
فالأمر ليس أمر الإلحاد في الله وإنكاره أو التعدد، وهي أخطر عوامل فساد العقيدة ولكنها إلى ذلك كله أمر «الشرك» مع الله أحدا ما، أيما كان هذا من مكانة في الدنيا، فلقد كان أهل مكة يؤمنون بأن الله هو خالق السموات والأرض، ولكن ذلك لم يكن كافيا، بل كان لابد من الاستغناء الكامل عمن سوى الله والإخلاص لله وحده، لا شريك له وليس من دونه ولي ولا نصير.
واليوم يعود المسلمون إلى مواجهة مثل هذا الخطر، فهم في أشد الحاجة إلى تحرير العقيدة من كل زيف سواء أكان هذا من مفاهيم تكريم الأولياء أو إعلاء شأن الأبطال أو تقديس أي كلمة لا تستمد أصولها من القرآن الكريم.
فلا ريب أن هناك أخطارا كثيرة وزيوفا كثيرة دخلت إلى تقاليدنا، وأخذت صفة العقائد واختلطت مع الحقائق، فلم يعد التفريق بين الصحيح والفاسد منها يسيرا. ولا شك أن هذه الإضافات التي استمدت أصولها من الوثنيات القديمة وإحياء العادات الباطلة، قد استشرت في المجتمع الإسلامي من خلال عادات الأفراح والمآتم، والزواج وميلاد الأطفال وعشرات من التقاليد، وأن هذه الوثنيات القديمة قد غلبت على طوابع العقائد حتى علت وبدا منها طابع الشرك والخرافة والوهم وانتقاص الفهم لمفهوم التوحيد الخالص الذي يضع الأمور كلها في يد الله سبحانه وتعالى ويتقبلها تقبلا كاملا، ولا يضيف إليها ولا ينتقص شيئا ما.
                                                -) * (-
ومن تلك الأخطار التي تواجه العقيدة السليمة ذلك الانزعاج الشديد الذي يواجهه المسلمون إزاء الموت: وتلك العبارات الخطيرة التي يكتبها بعض الأدباء  أو الشعراء عن هول الفجيعة أو عتاب الأقدار، أو الإشارة إلى الخسارة التي لحقت أو تلحق نتيجة موت أحد ما، ولا ريب أن هذا الفهم دخيل على المسلمين وزائف إزاء أصحاب الفهم العميق والإيمان الخالص. ذلك أن الأمر في أساسه أبسط من ذلك كله، فكل إنسان في هذا الكون وديعة، ولكل إنسان أجل وكتاب ونهاية، غائبة عن الناس ولكنها محددة، لا سبيل إلى مدها أو تقصيرها، وليس المرض أو الإصابات أيا كان مصدرها ذات صلة مباشرة بالموت، ولكل إنسان مشروع حياة، ومهمة ودور، فإذا انتهى هذا الدور، فقد أذن له بأن يترك الساحة، وأن يغيب عن مسرح الأحداث، وتلك طبيعة الحياة، والموت حادث يقع بين أيدينا كل يوم بل وكل ساعة، فما كان له أن يزعجنا لو كنا نفهم الأمور فهما صحيحا، إنه حقيقة مؤكدة، لابد أن تبلغ في نفس الإنسان مبلغ اليقين، فيتقبلها في رضى، وطمأنينة، على أنها الحق الذي ليس بعده حق، وقد تدمع العين، وتحزن النفس، ولكن ذلك لا يقلل من شأن اليقين بالحقيقة الأساسية.
ولقد كان تهويل الموت والخوف منه والانزعاج له من الإضافات والدخائل التي دخلت على المسلمين وأفسدت حياتهم، وأعلت من شأن الحياة إعلاء شديدا وقعدت بهم عن الجهاد، وعن بذل النفوس رخيصة في سبيل الحق، والغلو في الحرص والخوف والجبن والذلة حتى لا يواجهون الموت في ميادين البطولة والجهاد. وقبلوا لذلك حياة ذليلة، ولو علموا أنهم سيموتون في نفس اللحظة التي ينتهي فيها الأجل، لما جزعوا مثل هذا الجزع ولما واجهوا الموت بمثل هذا الخوف، ولما هول شعراؤهم وكتابهم ووصفوا ضخامة الفجيعة، أو الأثر الخطير المترتب على فقدان الفقيد. ذلك أن الناس تمضي إلى الموت يوما بعد يوم، صنوفا من علماء وأبطال وأغنياء وعظماء، بله عامة الناس، دون أن ينقص ذلك شيئا من أمور الحياة، ودون أن يضطرب الزمن وأمور الكون، فالحياة أقوى، والموت سنة من سننها التي لا تتخلف، ولقد كره الموت أقوام وأثاروا  حوله قضية كبرى، بل لقد جرت المحاولات الفلسفية للبحث عن طريق للتحرر من الموت وذلك من الأمور التي يستحيل على العلم أو الفلسفة أن يقول فيها كلمة ما، ولذلك فإن المسلمين إذا فهموا الإسلام فهما حقيقيا فإنهم يستطيعون تذليل هذه الحقيقة والانتفاع بها في بناء أنفسهم وبناء الحياة، بالجد والعمل النافع والعطاء والإنفاق في سبيل الله، دون البخل والشح والانطواء، وانبعثوا في مجالات الحياة يعملون لأنفسهم ولأمتهم.
                                                -) * (-
و من الأخطار التي ألقت ظلا على العقيدة الصحيحة: شبهة تروجها اليهودية التلمودية منذ الزمن القديم إلى اليوم، وهي الدهرية: إن هي إلا الحياة الدنيا وليس بعدها شيء آخر، وتلك شبهة خطيرة عالجها القرآن الكريم في عشرات المواضيع وعرض لها عرضا واضحا صريحا حتى يرد المسلمين عن خطرها، وهي من الأمور المستحيلة عقلا، إذ كيف يوجد الناس على هذه الأرض يعملون ثم لا تكون هناك مسئولية لأعمالهم، أو إلهام أخلاقي لسلوكهم، يكون موضع المساءلة في حياة أخرى هي حياة البعث والجزاء.
و لقد تلقى أحدهم فيقول لك ساخرا: «هناك قابلني» وهي كلمة خطرة، أخذت طابع التهكم، والفكاهة، بينما هي تقصد إلى أمر خطير، وتدافع عن أكذوبة كبرى، وضلال بعيد.
?أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ? [المومنون: 115]. فالحياة أمانة من الله للإنسان ومسؤولية وجزاء. وتفقد الحياة مفهومها الصحيح إذا انصرف الذهن إلى أنها هي النهاية، وليس هناك من شيء يمكن أن يبرر هذا الفهم القاصر الساذج إزاء هذا الكون الكبير، ووجود إنسان فيه وتمرسه بالعطاء والحرمان، والحق والباطل، والخير والشر، وموقفه من ذلك كله وتصرفه بالأخذ والعطاء.
                                                -) * (-
من الأخطار التي تواجه «عقيدة التوحيد» هي: تأليه العلم  أو العقل أو تأليه شركة التأمين، فالعلم مهما بلغ من أمر فتوحه فإنه لن يستطيع أن يستكنه الأشياء وإنما هو تفسير لظواهرها، وما زال علم الله هو العلم الأكبر، أما العقل فهو «أداة» المعرفة في نطاقه الذي يتحرك فيه، ولذلك فإنه لا يستطيع مهما بلغ من القدرة أن يصل إلى مرحلة التقديس أو الإعلاء.

وهذه صيحة سادت في فترة ما تحت وهج الكشوف العلمية ولكنها لم تلبث أن فترت بعد أن بلغت الكشوف أقصى مداها فوصلت إلى تفتيت الذرة، والوقوف عند المجهول الذي ما زال من وراء الغيب لم يستكنه بعد، عند ذلك أحنى العلم رأسه إلى قدرة عليا كبرى، يعجز عن استكناهها، أما الفلسفة وخاصة الفلسفة المادية فهي التي مضت تشق طريقا ضد التيار وضد الفطرة وضد طبائع الأشياء لتثبت أباطيل الإلحاد والإباحة وتنكر عالم الغيب، وتعارض الميتافيزيقا. والفلسفة ليست علما ولكنها فروض يفترضها بعض الباحثين ثم تجيء فروض أخرى مضادة وهكذا. لا شيء يثبت أبدا للبحث، لأنه يفترض فروضه من خلال نظرة ناقصة أصلا: هي النظرة إلى الإنسان على أنه جسد ومادة فحسب. وعلى أن الكون كله مادة بينما تجيء الحقيقة التي تكمل العقل والمادة في أن الحياة والإنسان والكون جانبان متكاملان: مادة وروح، وعقل وقلب، ودنيا وآخرة، والإنسان نفسه ليس مادة خالصة ولذلك فإن تطبيق قوانين المادة عليه تكون ناقصة النتائج، والإنسان نفسه ليس حيوانا ولكنه يمتاز عنها ويختلف بأن له جانبا آخر، ولذلك فإن قوانين الحيوان وتجارب الحشرات والبهائم لا تصلح للتطبيق عليه.
فإذا استشرى القول بأن الإنسان سيد الكون أو أنه حيوان، وإذا ساد القول بإعلاء العقل أو العلم، كان ذلك من أكبر أخطار العقيدة، وانتقاصا لمفهوم التوحيد الخالص الذي يقوم على أساس قدرة الله القائم بالحق، وهذا الكون كله من جماد وحيوان ونبات وإنسان من صنعه، وكذلك العقل والروح والمادة جميعا.
                                                -) * (-
و من أخطار العقيدة وتحدياتها تلك المحاولات الفلسفية التي تطرح فصل مفهوم الأخلاق عن الدين، الدين عن المجتمع، أو العبادة عن المعاملة، فنحن نرى عددا من الصور التي لا تحاول فهم الإسلام فهما متكاملا وإنما تأخذ بقطاع منه وتتجاهل الباقي.
(أولا) القول بأن الإسلام دين أي عبادة وعقيدة وصلة بين الإنسان والله.
(ثانيا) القول بأن الأخلاق (من صدقة وبر وإحسان) تكفي دون الصلاة وأداء الفرائض.
(ثالثا) الوصول إلى أرقى درجة الفهم والثقافة في أمور الدين دون تطبيقها عبادة.
(رابعا) القيام بالعبادة الطويلة المرهقة دون الارتباط بالخلق السمح أو الصدقة والزكاة.
هذه كلها نماذج في المسلمين اليوم، يقوم مفهومها على الفصل بين القيم الأساسية المتكاملة للمسلم في الإسلام، ولابد لفهم الإسلام من أن يكون جامعا بين العقيدة والشريعة والأخلاق، مطابقا بين الدين ومنهج الحياة.
ولابد أن تكون الأخلاق مستمدة من العقيدة أساسا ومرتبطة بالعبادة والشريعة ولابد من الربط بين الإسلام (فهما) والإيمان (تطبيقا).
ولابد من ربط العبادة، بالخلق الحسن، وبالصدقة والزكاة جميعا.
ومن هنا نجد أن نماذج كثيرة قد انحرف مفهوم العقيدة لديها أو نقص عن أصوله الشاملة الكاملة، وقد جاء ذلك استمدادا من مفاهيم بعض الأديان والعقائد التي تقوم على الفهم الفلسفي للدين وللإيمان بالله ولا تربطه بالعبادات، أو التي تقوم على أساس العمل الخلقي (من إحسان وصدقة ومعاونة للناس) في مجال الحياة دون الارتباط بالعبادات والشريعة، أو تقوم على أساس الصوم في رمضان أو الحج إلى بيت الله دون مواصلة الصلاة. بينما الصلاة هي المدخل الحقيقي للإيمان.. ولقد أكدت أصول الإسلام ذلك الترابط والتكامل بين الإسلام والإيمان ونعى القرآن على الذين أسلموا ولم يؤمنوا، ومن الطبيعي أن يؤخذ الإسلام كاملا، وأن يؤمن به كمنهج حياة لا ينقص ولا يزيد، ولا يؤخذ منه أجزاء، بينما تؤخذ أجزاء من فلسفات أو دعوات أخرى، أو ينقص منه أجزاء، ظنا أن ذلك المأخوذ وحده يكفي..
        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here