islamaumaroc

المسلمون بحاجة إلى…

  دعوة الحق

145 العدد

ما من شك في أن المسلمين – هنا و هناك – و في كل مكان يعيشون فيه، أو أرض يعمرونها، أو حيز من الفراغ يملؤونه، يتذاكرون فواجعهم، و يتدارسون أحوالهم، و يودون من صميم أفئدتهم، لو كانت لهم العزة البالغة، و القوة القاهرة، و الكلمة النافذة، و السلطان الشامل، لتسود العدالة، و يعم الرخاء، و ترفرف راية الأمان بين الناس، فلا يشكو إنسان ظلم مسلط، و لا بغي جبار، ولا غطرسة مستبد، ولا طيش جاهل، ولا استغلا مستعمر، ولا خيانة دخيل، و لا جناية أحمق، لأن هذه كلها بعض أمراض المجتمعات التي لا تنعم بتعاليم الإسلام، و لا تستظل بظله الوارف، ولا تستمد سلوكها كله من آدابه و أخلاقه، و تكالفه و اوامره، و لقد ظللنا منذ ذهبت أمجادنا، و ذلت دولتنا، و تفرقنا أبادي سبأ، ننوح نوح الثكالى، و نبكي بكاء الملدوغ، على ما أصابنا من هزال، و اعترانا من ضعف، أو نزل بنا من محن، مصورا ذلك كله في خطب الجمع و الأعياد، أو مجالس الوعظ و الإرشاد، و ربما ذكرنا هذا بقول بعض الخلفاء « أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال » و ما أكثر ما يكون الكلام في المناسبات، و غير المناسبات، و هاهي ذي أشلاؤنا مبعثرة، و قلوبنا متفرقة، و حقوقنا مهضومة، و أهواؤنا مختلفة، و عدونا جاثما على صدورنا، يتحكم في مواردنا، و يستأثر بثرواتنا، و ليس لنا معه إلا ما يكون لعبيد الخدمة من أسيادهم الذين يصدرون لهم الأوامر و النواهي. و يطلبون منهم ما يطلبه المالك من المملوك، و في كثير من الأحوال ينازعنا مجد هذا الدين الذي اختاره لها الله سبيلا إلى الكرامة، و طريقا إلى الخير، و طبا نداوى به صعر هذا العيش، و فساد تلك الحياة، و اعوجاج ذلك الزمن الذي يشبه أن يكون نذيرا بالنهاية المحتومة، و القيامة المنتظرة، و الخاتمة التي لا تحمد عقباها، و ربما كان أقصى ما نهتدي إليه من علاج لتلك الحال، أو ذلك الواقع المرير، أن نصيح هذا الصياح التقليدي، من ضرورة العودة إلى الإسلام، و الأخذ بالدساتير و النظم، لا نعنى إلا بما يهذب الفرج في ذاته، و يربط ما بينه و بين ربه، من صلاة و هجود، و ركوع و سجود، و اعتكاف في المسجد، أو ارتباط به، في حين أن هذه كلها ليست سوى إعدادا للإنسان لتكون حياته للإنسانية التي تتمثل في الأسرة و البيئة و المجتمع و الأمم و الشعوب، و لذا كانت المهمة الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم أن يربط بين القلوب المتنافرة، و الأفئدة المتباعدة، و الأهواء المختلفة، لتكون هذه الأمة كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى و السهر، و نحن لا ننكر أن هذا الدين رباط ربط الله به بين قلوب هذه الأمة و أفئدتها لتكون خير أمة أخرجت للناس – كما نطق بذلك الكتاب العزيز – إلا أن هذا الرباط يحتاج من أهله حزم و كياسة، و عقل و حكمة، و لباقة و ذوق، و فهم سليم، يجعلنا نحسن الانتفاع به، و الاستفادة منه، و الاستخدام له، و ليس هذا بالأمر الهين على القادة و المصلحين، ممن يتصدرون لوظيفة الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، لأنه يقتضيهم إلى جانب الفهم الصحيح لحكمة التشريع فيما جاء به هذا الدين بين الحلال و الحرام، أن كون لهم مشاركة وجدانية، و تفاعل بما تدور به الأحداث فوق هذه البسيطة التي يرتبطون بعجلتها، و يدورون في رحاها، ثم يجتهدون على قد ما يستطيعون لتقريب المسافات، و رأب الصدع، الذي يمكن أن يكون قد تخلف عن تباين الثقافات و الأوطان أو العقول، و لهذا كان من الضروري ألا تكون هذه الجماعة المتملكة لزمام الثقافة الإسلامية ناقصة التكوين، ولا  قصيرة الباع، و لا جاهلة تحقيقة الفلك الذي يتحرك بهم، و إذا كان للأديب ثقافته الخاصة به، و للغوي علومه، و للرياضي نظرياتهم، فإن رجل الدين يجب أن يكون له كل شيء في الأرض و السماء، و الماء و الهواء، و الجماد والنبات، و الخرافات و الأساطير، و قد أنبأنا التاريخ أن أسلافنا من الأساتذة كانوا لا يقفون من تحصيلهم عند حد، ولا ينتهون من معارفهم إلى غاية، و الحديث في ذلك كله يطول و يسترسل يعرفه من ساعدته المقادير بالقراءة في كتب التراجم و السير أمثال معجم الأدباء، و وفيات الأعيان لابن خلكان و غيرها من المعاجم، ومن طريف ما جاء فيها أن إسحق الموصلي قال لحاجب الخليفة العباسي إذا دخل وفد الفقهاء فاجعلني في زمرتهم، و إذا دخل اللغويون فاجعلني في عدادهم، و كذالك الأدباء و الشعراء، فإني لا يقصر بي جوادي، و لا يتخلف بي جهدي، و لا يتأخر بي لحاق، عن واحد من أهل العلم، و لا باحث من رواد المعرفة، مع هذا الذي يعرفه الناس عني من السبق في الألحان و الموسيقى، والغناء و الطرب، و الذي تسعده الظروف – الآن – بالارتحال إلى البلاد الإسلامية المختلفة سيجد فيها من التناقضات و البلبلة و الاضطراب في فهم الكتاب و السنة، و الأخذ بآداب هذا الدين، و الانتفاع بهديه و تعاليمه، و ما يحمله على التشاؤم من مستقبل هذه الأمة التي جعل الله لها القيادة و السيادة، و أراد لها أن تكون لها معلمة الأمم و الشعوب، فنكصت على أعقابها، و أبت أن تحمل تلك الأمانة التي عرضها على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان.. و لقد كنت أتصور من ذلك الدوي الذي تحدثه في أذني الكلمة القرآنية الكريمة « و إن هذه أمتكم أمة واحدة » أن يكون شعورنا بالمسئولية، و إحساسنا بالألم، و حبنا الخير، و نهوضنا بالبناء، و رفعنا لراية السماء، و دفاعنا عن الحق، و تمكيننا لدعائم البر و المعروف، لا تؤثر فيها اعتبارات الحدود و الأبعاد، و المسافات و الأجناس، و اللغات و الألسنة، و الألوان و التقاليد، إلا أني رأيت اختلاف الأصقاع، و تباين النظم، و تضارب المصالح، إلى جانب النزاعات السياسية و الإنسانية، جعلنا نشعر شعورا لا شك فيه أن العصبية للوطن أو اللغة و الثقافة و المصالح تطغى على ما سواها من الأمور و الاعتبارات، و أن هذا الدين الذي نتحدث عنه – أو يتحدث الناس – حسبنا منه صيام و صلاة، وحج و زكاة، و لا ننظر إلى تلك المعاني الأخرى التي تجعل المسلمين في الترابط كالجسد الواحد، أو أمام المسئولية سواء، و ما يشبه هذا و هذا من أنهم أمة واحدة، فخيال شعراء أو أوهام فلاسفة، لا تدور برأس إنسان ينشد الحقيقة، و يحيا في دنيا الواقع الملموس.. و الذي لا شك فيه أن المسلمين غرباء في أوطانهم، أذلاء في ديارهم، مغلوبون على أمرهم في كثير من الأصقاع و الأمكنة، و أن لهذه الأسباب و البواعث، و الأمراض و العلل، و ما يحتاج إلى دراسات مستفيضة، و جهود متضافرة، و نظر متواصل، و علاج دائم، لا يكون قاصرا على جماعة أو طائفة، و لا أصحاب ثقافة دون أخرى.. و في اليوم الذي تتعاطف فيه القلوب و تتقارب الأهواء، و تتلاءم الجروح، و تتداوى تلك النفوس من عللها و أوجاعها، يشعر المسلمون شعورا لا شك فيه أنهم خير أمة أخرجت للناس، و ليست هذه الخيرية لأنانية تعود عليهم هم بالمزيد من الفضل، أو الوافر من الثروة و الغنى، و الجاه والسلطان، و الإرادة و النفوذ و التمكن و السيطرة، و الغلبة و التحكم، و شريعتهم ليست شريعة الغاب، و إنما هي شريعة الرحمة و العدل و الإحسان و الأمن و الاطمئنان، لا تحمل أهلها على العنف، و لا تسوقهم إلى الفجور، و لا تغريهم بالسفه، ولا تدفعهم للعدوان، و لا تحبب إليهم الاستبداد و الطيش، و الاغتصاب و الظلم، و إنما تجعل في جوارهم الاستقرار والهدوء، والراحة و السكون، من غير قلق ولا خوف، و كأنما قد خلق منهم سبحانه و تعالى صمام الأمان لهذه الإنسانية المعذبة و تستمد منهم طيب العيش، و رغد الحياة، و صفو الأيام، و حسن الجوار، إذا تجهم الدهر، و ضاقت الدنيا، و توالت الأحداث، و اشتد ظلام الليل.. و الرسول صلى الله عليه و سلم كان يتنبأ لنا بهذا المصير إذ يقول : توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على القصاع. قالوا : أمن قلة نحن يا رسول الله، قال لا و لكنكم كثرة كغثاء السيل، و ما أظننا ننكر أننا –كذلك- كثرة كغثاء السيل، و لابد لهذا كله من علاج، إلا أن هذا العلاج من أين يبتدئ، و ما الذي يجب أن يتناوله، أو يلم به، و هل نضوب معين الاجتهاد في جماعة الرواد و الأساتذة و كان عاملا فعالا في ذلك، أم أن إساءة فهمنا لمعنى الجهاد – لا الاجتهاد – كانت هي الثغرة التي أصابنا منها الوهن و الهوان.

       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here