islamaumaroc

انفجار

  دعوة الحق

145 العدد

عرفته و أخاه منذ انتقالي إلى اللاذقية.. فكنت أزورهما بين الحين و الحين، و كانت صلتي بكبيرهما الحاج كامل أكثر، لأن شبه منقطع إلى منزله، لا يكاد يغادره إلا لوقت قصير، قياما بعيادة بعض المرضى من معارفه، أو تفقدا للكتاب الذي افتتحه لتحفيظ القرآن، فهو يزوره بين الفينة و الفينة للاطمئنان لحسن سيره، أو لتوزيع المعونات الشهرية المقررة لشيخه الضرير و لتلاميذه. و فيما عدا ذلك فهو نضطر لالتزام البيت بسبب علو سنه و ثقل جسمه، و ما يلابسه من آلام في ركبتيه لا تكاد تزايله، يضاف إلى هذا حفاظه على الوضع الموروث عن آبائه و ذوي قرابته، من أبناء البيوتات العريقة، الذين تقل مفارقتهم لمنازلهم إلا للضرورات القاهرة، و قلية ما هي، لأن أصحاب العلاقة بهم يعرفون الطريق إلى مجالسهم الدائمة في أي وقت شاءوا من ليل أو نهار... و كذلك الأصدقاء و المعارف الذين اعتادوا التردد على هذه المجالس لقضاء السهرات، و للمشاركة في الأحاديث المختلفة، التي غالبا ما يكو لها أثرها البعيد في تثبيت الآداب الاجتماعية الفضلى ... و حتى بعد التطورات العميقة التي اكتسحت الأجيال الجديدة، فصرفتها عن هذه المجالس على مواطن التسلي المختلفة من أندية اللهو، و ملاعب الرياضة، و حلقات المقاهي.. لم يزل لهذه المجالس العريقة روادها من الشيوخ و من في حكمهم من الشباب المحافظين، الذين لم تجرفهم سيول تلك التطورات إلى مسافات بعيدة.
و هكذا كانت زيارتنا لمجلس الحاج كامل شه مستمرة، تدفعنا إليها العادة و الرغبة في قرب هذا الرجل، الذي كنت أعتبره بقية من السلف الصالح الذي بات مهددا بالانقراض.. و كان مما يزيدني تعلقا به خلقه الإسلامي العجيب، الذي بات من التحف النادرة، ذلك أن المرتاد لمجلسه لا يلامس سمعه إلا الكلام النظيف، فهو إما حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، أو صحابته الأكرمين، أو إطراء لفضيلة حققها بعض الطيبين، أو تذكير بفقير محروم ينتظر معونة المحسنين.. و قلما ينفض المجلس دون دعوة خير، أو سعي إلى إحسان.. و كان صاحب المجلس دائما هو المجلي الذي لا يسبق أبدا.. حتى بات معروفا عنه أنه – على سعة ملكه بالنسبة إلى قلة أهله – لا يكاد يخلص من أعباء الديون، التي يقترضها للوفاء بما يعتبره حقا لله!..
و كان أخوه الحاج عزة أشبه الناس به حسن خلق و نظافة حديث و رغبة في خير.. و إن لم يبلغ مثل شهرته في ميدان الإحسان. و لعل مرد ذلك أن ثروته الزراعية كانت دون ثروة أخيه، أو أنها كانت تبدو كذلك لأن حاجته الاستهلاكية أكبر من حاجته، بسبب أنه ذو أولاد و لا أولاد لأخيه، فمسئولياته البيتية فوق مسئوليته..
و كان للحاج عزة ميزة أخرى، هي أنه أكثر صلة بعلوم الدين من أخيه، فهو معني بقراءة المجلات  الإسلامية، و ذو رغبة في الكتب النافعة، ولذلك كان له مشاركات طيبة في القضايا التي تحتاج المسلم إلى معرفتها من شؤون دينه.
و كان أكثر تلاقينا مع الحاد عزة في مجلس أخيه و بخاصة في ليالي رمضان، حيث تطول السهرات أكثر منها قي غيرها، و كثيرا ما كنا نحضر صلاة العشاء و القيام – التراويح – هناك، حيث يؤمنا فيها الشيخ مصطفى الضرير مدرس القرآن في كتاب الحاج كامل.. حتى إذا فرغنا منها استمعنا إلى التلاوة يهدر بها المقرئ من الغرفة المجاورة إلى ساعة متأخرة من الليل.. و إذن فلا غرابة أن يكون لهذه المناسبات أثرها البعيد في تعميق صلاتنا القلبية بهذين الأخوين.
و كانت التفاعلات الاجتماعية تحفر أخاديدها بعيدة في قلوب الجيل الجديد.. الذي كادت صلته تنبت نهائيا بهذه الأوساط المحافظة، فقد تبدلت مفاهيمه، و اختلفت مقاييسه، و انحرفت تصوراته، فلم يكد يفقه شيئا عن هذه الروابط التي تنتظم مجتمع الآباء، و لم يكتف بألا يفقهها فراح يعاديها، مدفوعا إلى ذلك بما يسمعه و يقرؤه طوال أيامه على مقاعد الدرس، و في الأندية الحزبية، و في الصحف الموجهة.. من نقد لاذع يوجه باسم العلم إلى كل ما هو قديم.. و من سخرية مرة تكال لكل الرجال الذين يمثلون أو يدعون إلى تلك القيم القديمة..!
و بقدر الغفلة التي كانت تستحوذ على المسئولين في الجانب المحافظ، كان اندفاع الأفكار الدخيلة و تغلغلها في صدور الشباب الذي لم يزود قط بأية حصانة من الإيمان النقي و العلم الصحيح، الذي يستطيع الصمود في وجه السيل الوافد ... و بذلك تهيأ الجو لاستقبال كل تغيير في بنية المجتمع، و إلقائه فجأة في غمرة من الصراع الذي ما لبث أن مزق أوصاله، و حال بينه و بين الاستقرار !..
بدأت دعوة التغيير بنبش كل السيئات التي انطوت عليها الأوضاع القديمة، ما لا يتوقع خلو مجتمع من مثله، و تعمد النابشون أن يضخموها إلى أبعد الحدود، ثم يجعلوا منها عنوانا بغيضا على الماضي بأجمعه .. و لم يتورع هؤلاء أن يخترعوا القصص لألوان من المظالم لا وجود لها البتة، فزعموا مثلا أن فلانا الإقطاعي قد دأب على انتهاك أعراض عماله، حتى لا يسمح بزواج فتاة منهم إلا بعد قضاء وطره منها!. فإذا ما راجت أخيلتهم هذه في سوق العامة عمدوا إلى افتعال أهول منها ، فزعموا مثلا أن ولد أحد العمال قد دافع عن نفسه فضرب ابن صاحب الأرض، فانفجرت براكين البلاء على أهل الغلام المعتدي، حتى لم يبق سبيل إلى إخماد الفتنة إلا بأن يأتي العامل فيقدم ولده إلى ( الأغا ) ليؤدبه بما يشاء، فيطلق هذا عليه النار أمام عيني والجه .. الذي لا يجرؤ حتى على البكاء !.
و هكذا سلطت المحرضات على أعصاب الغوغاء و الشباب الذي لا يملك أي وعي لتحليل الأنباء، فاستثيرت الغرائز و انطلقت الأحقاد، و تفجرت براكين الكراهية و النقمة، فإذا الأخر عدو أخيه، و الابن خصم أبيه، و إذا العمال و الطلاب نار متأججة تتأهب لالتهام الأخضر و اليابس .. و من وراء ذلك كله كانت ( القوة الخفية ) التي خططت لكل شيء، فما أن بلغ التوتر الاجتماعي حدود الانفجار المنشود حتى دفعت بجنودها المعبئين إلى الحكم باسم (الجماهير) ... و بوصول هؤلاء إلى منصة السلطة أحكم الحصار على (الحقيقة) فلم تعد قادرة على التنفس إلا في أضيق نطاق، و قبضت القوة الخفية على وسائل الإعلام كلها، فلم تعد تسمح للكلمة بالخلوص إلى أسماع الناس، إلا ضمن الحدود التي تؤمن لها استمرار السيطرة حتى على العقول و الضمائر..
و جاءت الخطوة التالية في قرارات ( الإصلاح الزراعي) الذي سلب المجتمع المكبل كل قدرة على التحرك، لأنه قصد إلى تجميع الثروة الزراعية كلها  - و هي قوام الحياة – في قبضة العصبة الحاكمة، التي بهذا التجميع تضمن بقاءها إلى الأبد، و تحقق تحويل المجتمع بأسره إلى رقيق لا يملكون إلا قدرة الخضوع للعنصر المتسلط!.
و كانت الحبكة محكمة و مغرية، إذ صدرت قرارات الإصلاح الزراعي في موكب من ضجيج الدعاية، يزرع في إخلاد العمال و الفلاحين أنها لا تستهدف سوى إنقاذهم و إنصافهم من الطبقة المستغلة التي سلبتهم إنسانيتهم و كرامتهم، و جعلت منهم كمية من المهملات المهينة !..

و لتوكيد هذا الإيهام حصرت الملكية الزراعية ضمن حدود معدودة من الدونمات لكل فرد، و اعتبرت كل ما زاد عنها ملكا للدولة ترده على عمال الأرض ليكون حقا لهم متوارثا، و لم تنس أن ترضي ضمير العدالة فأثبتت للمالك حق اختيار الجزء الذي يؤثره من ملكه المسلوب في نطاق الحدود المقررة، ثم أعلنت أنها ستعوض أصحاب الأملاك المصادرة بثمنها المناسب مقسطا على سنوات..
و لكن السلطة صاحبة هذه المقررات لم تلبث أن اتخذت من التدابير ما أبطل كل الحقوق التي تضمنتها، و باشرت ذلك في جانب الملاك الأولين، فلم تمكنهم من الحصول على أي قسط موعود، و حرمتهم حق اختيار الجزء المناسب من أراضيهم، و بخاصة الأقسام المحتوية على بيوتهم، التي لم تشملها أحكام المقررات!. و لكي تضمن تنفيذ مخططها الصارم انتدبت له أشد القوم تعصبا لأهدافها، و أجراهم على الكيد للذين لا يؤمنون بها .. فجعل هؤلاء أكبر همهم تحريض الفلاحين على المالكين، و لم يتورع بعضهم أن يوعز للفلاحين باقتناء الأسلحة و استعمالها بوجوه أولئك عند الحاجة!..
و وجد هذا التحريض استجابة لدى الكثير من عمال الأرض، فأيقظوا غرائزهم و أناموا ضمائرهم.. و قد حسبوا أنهم بذلك يضمنون استبقاء هذه الملكية الموهوبة إلى الأبد..  ثم لم يفطنوا إلى الحقيقة إلا بعد فوات الأوان حين وجدوا أنفسهم أجراء لطبقة جديدة من الملاك، فرضت نفسها بقوة السلاح على كل شيء ثم لم تسمح للرحمة أن تعرف إلى قلبها سبيلا.
و سرت أنباء الصراع الجديد بين الفلاحين و ملاكيهم إلى كل مكان، و احتلت المرتبة الأولى بين مشاكل الناس... و تجاوزت هذه الأنباء حدود كل التوقعات، حتى بات الكثير منها موضع الريب و الاتهام بالتخلي أو التزيد .. و امتلأت ردهات محاكم الإصلاح الزراعي بالشاكين من أصحاب الأرضين.. و كان على هؤلاء أن ينتظروا الساعات، بل الأيام، حتى يسمح لهم بإيصال شكاواهم إلى المسئولين ..على حين لا يحتاج فلاحوهم إلى أي انتظار، لأن الأبواب مفتوحة لاستقبالهم في كل مناسبة !.
و كان ظاهرا من هذه الأوضاع أن وراءها تدبيرا متعمدا يقصد به إذلال الملاك و إيئاسهم من كل حماية، بل من كل حق تضمنته تلك القرارات .. فلم يبق عليهم، و الحالة هذه إلا أحد أمرين: إما الخضوع للواقع المر يتجرعونه دون كلام.. و يقبلون بكل نتائجه من الفقر و  التشرد، و تعريض أبنائهم لأسوأ ضروب الحرمان.. و إما مجابهة الشر بالشر، و هو بالنسبة إليهم أحد المستحيلات أو أبعد الممكنات.
و كان الحاج عزة – حتى تلك الأيام – غير قادر على تصديق ما يسمع من أخبار ذلك الصراع، أو على الأقل غير متوقع أن يتعرض لمثله أبدا .. ذلك لأن مرابعيه – أو شركاءه على حد تعبيره – من طراز آخر غير هؤلاء الذين سهل انقيادهم لدعاة الشقاق .. أنهم عدة من الأسر نشأت في كنفهم كأنها بعض أهليهم، فهي تتولى حراثة حقولهم و استثمارها بتفويض كامل، فإذا جاء موسم الجني و الحصاد قامت هي بتقسيم المحصول فأخذت حقها و آتتهم حقهم دون أي اعتراض أو شبهة.. هذا علاوة على ما تنعم به من استثناءات لا حساب عليها و لا رقابة.. و فضلا عن العطاءات التي ينالها صغارها و كبارها من أصحابهم في مختلف المواسم و المناسبات .. حتى بات واضحا أن الحظ الأوفر من خيرات هذه الأرضين إنما هي من حظ هؤلاء المرابعين  دون المالكين..
أفيصح في عقل أن ينقلب فلاحو الحاج عزة هؤلاء بعد المودة و الوفاء إلى أعداء الداء، يستمتعون بإيذاء أصحابهم و إهانتهم كما يفعل أولئك الفلاحون في أراضي الآخرين ؟  .. ! لا .. لا .. إن هذا الانقلاب الخلقي إذا أمكن حدوثه في كل مكان، فلا سبيل له هنا .. إن ألفة عشرات السنين، و ما قامت عليه من ثقة متبادلة، و رعاية مشهودة معدودة لا يليق أن تنسفها في لحظات دسائس المفسدين الدساسين..
و لم يجد الحاد عزة ضرورة للإسراع بقطع زيارته لأهل زوجه في طرابلس، على كثرة ما يسمع من أخبار تلك الفتن المشبوبة في بلده، فمكث حتى استدرت زوجه صحتها، و من ثم عاد إلى اللاذقية ليواجه بعينيه ما سبق إلى أذنيه. و سرعان ما ألم بالواقع المزعج، فأيقن أن الأخبار التي شد ما كذبها أو تردد في تصديقها .. هي دون ما يعانيه الناس في  هذه المحافظة المنكوبة.. و مع ذلك فقد ظلت ثقته بعماله فوق مستوى الريب، إلا أنه بدأ يحس باعثا خفيا يستعجله لزيارة بعض حقوله، ليتحقق من أن كل شيء لا يزال كما عهده.
و أشرفت السيارة بالحاج عزة على تخوم بستانه المفضل.. و مضى لتوه إلى داخله و هو يوزع بصره على جانبي الطريق الممتد إلى بيوت مرابعيه، فيرى إلى أعشاب الفستق السوداني و قد تراكمت هنا و هناك بعد أن أخليت من حبوبها، فتوقع أن يكو موسمه صالحا يساعده على تسديد بعض الديون التي تكبدها في هذه السفرة .. و وقع في مسمع الحاج عزة صوت يعرفه و هو يصيح « إلى أين ؟ .. أخرج .. أخرج .. » و استمر في سيره و هو يقول : « الله يعطيك العافية يا أبا حسون .. » و جاءه الرد في عنف أكثر « لا عافاك الله ! .. أخرج .. أخرج..» و لكن ذلك لم يغير قلب الحاج، إذ توقع أن صاحبه لم يعرفه، لأنه لم يتوقع قدومه، فأجابه و هو يضحك : ألم تعرفني ؟ ! و رأى أن يزيده إيضاحا فقال : « أنا شريكك .. أنا أبوا محمد..
و كان الرجل قد ترك عمله، و أقبل باتجاه الحاج حتى اتضح لكل منهما وجه صاحبه، ثم رد قائلا : « شريكي ؟ .. كان ذلك قبل (الإصلاح الزراعي ) أما اليوم ...»
و هنا بوغت الحاج بالحقيقة .. فصاحبه لم يكن يجهله إذن .. غير أنه تغير عليه فلم يعد هو الذي يعرفه من قبل !.
و رأى من الحكمة ألا يستسلم إلى انفعالاته .. فضغط أعصابه، و بذل كل ما يستطيع لضبط لهجته ثم قال : « ولو .. يا أبا حسون.. إن علاقتنا أكبر من الأرض .. و أغلى من المال .. »
و وقف العامل على مبعدة أمتار من الحاج .. و جعل يصرخ و يهز بوجهه مجرفته : « لا أعرفك  .. و لا علاقة لك بنا .. أخرج .. قلت لك أخرج .. و إلا حطمت رأسك !..»
و عز على الحاج عزة أن يغامر بالباقية من كرامته، فاستدار يجر رجليه إلى الطريق و هو يقول : ( لا حول و لا قوة إلا بالله!...)
و كانت الصدمة أثقل من أن يتحملها رجل مثله ينوء تحت أعباء السبعين، فما كادت السيارة تصبر به إلى بيته حتى عجزت رجلاه عن احتمال جسده فإذا هو يهوي .. ثم يأتي الأطباء ليقرروا أن الحاد عزة وافاه الأجل بانفجار الدماغ!..

        

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here