islamaumaroc

قلب وراء حمامة

  دعوة الحق

145 العدد

القرطبيون متيقنون من أنهم يعيشون في عاصمة الدنيا، و واثقون من أن مدينتهم ( قرطبة ) خير بقاع أرض الله، و أن سكانها من خيرة البشر دينا و علما و سلوكا و تحضرا ... فمن أناقتهم يتعلم الناس الأناقة، و من شعاع حضارتهم يقتبسون الحضارة، و من حلقات دروسهم يأخذون العلم، و على منهاجهم في السكن و اللباس و الطعام يسيرون، و أنى لهم أن يلحقوا بهم ! هم الأعلون في العلوم الدينية، و هم المتفوقون في العلوم الدنيوية، و هم البارعون في الموسيقى و الأشعار و الأزجال و المفاكهات .. يأتي إليهم القوم من أطراف الأندلس، و من مدن أوربا، و من مدن العدوة الجنوبية، و من بلدان الشرق كذلك ليتعلموا، و ليرفقوا مشاعرهم الجانية، و ليتساموا مع خيار قرطبة في ميدان كل عمل سام.
و على هذا، لا حرج على أي قادم للعاصمة من أن يدخل المسجد الأعظم، منبع العلم و الحضارة و الفضل، فحلقات الدروس متعددة و متنوعة و زاخرة، و لا من يمانع أو يدافع أحدا عن هذه الحلقات، فالأندلسي يدرس بجانب القادم من بلاد الغال، و الشامي يزاحم الوارد من أفريقيا، و المحمدي يجالس العيساوي و الموساوي دون نفور أو تعال، أو أي شعور بالامتياز و الأفضلية. إن المسجد خلية عظمى، أصوات المدرسين ترتفع ملعلعة، و الحماس للدرس و الإفادة وصل ببعضهم على حد الصخب، و الطلبة على اختلاف أجناسهم و ألوانهم ملتفون التفافا حول أساتذتهم ، يلتقطون المعارف المتناثرة من أفواه العلماء، و يفسحون المجال لها في صدورهم و عقولهم و أفئدتهم، فهي تسري في أجسادهم مسرى الدم ... و أحلى منظرا من كل ذلك هؤلاء الأساتذة الذين افترشوا الأرض، و راحوا يخطون بأقلامهم، أما لشرح معضلة رياضية ، أو تشخيص نظرية هندسية، أو تحديد منطقة جغرافية، أو كشف سر حيلة من حيل الطبيعة الخفية، و لا على الأستاذ من أن يشتبك مع طالب مشاكس في الجدال، و لا عليه من أن يجهد النفس لتوضيح الغامض لبليد متخلف، فهو العالم البارع المتفنن المحنك، سره شبيه بتيار زاخر، فلا أحد يستطيع أن يوقفه موقف العيي أو العاجز..
أين هذه البراعة، و أين هذه الفحولة العلمية، و هذا الإدراك الواسع من مجالس يتولى التدريس فيها نساء؟!.
لقد مضى (ابن حزم) سنوات غالية من عمره يدرس على النساء، فهن اللواتي علمنه القراءة و الكتابة، و هن اللواتي حفظنه القرآن الكريم و المتون، و هن اللواتي ألزمنه – بعد ذلك- بحفظ عيون الشعر الأندلسي و المشرقي، و لم يجدن أي حرج في تقديم قصائد (ابن أبي ربيعة) أمام الشعراء الغزاليين، و قصائد من يسير على منهاجه في التشبيب بالجمال النسوي و الرقة الأنثوية، بل أنهن قدمن الشروح الضافية و التعليقات الموسعة في شرح الأحاسيس التي تحسها الأنثى في مواقف التغزل فيها، و هنون القول و الإشادة بما وهبها الله من حسن و سحر و بهاء.. و بذلك تفطن إلى ما لم يكن متفطنا له، و أدرك من أسرار الحياة ما كان غافلا عنه، و صار ينظر إلى جمال الحسناوات – و ما أكثرهن في قصر والده – نظرة استحسان و إعجاب و خشوع، و هز ضميره الرقيق اللطيف هذه الألوان العديدة من الحسن النسوي البهي : صبيات من بنات الشام في بياض الحليب أو سمرة اللوز و صبيات من بنات الروم مدهشات آخذات بالألباب بشعورهن الذهبية و عيونهن الزمردية و بشراتهن النقية و بربريات امتلأن صحة و عافية، فبتدى ذلك في خدودهن الموردة و أجسادهن الفارهة. و كما تتوارى الزنابق بين أوراقها فإن هؤلاء البربريات غطين الحسن الفاتن بتزويقات الوشم، بين العينين، و تحت الشفة، و على الرقبة، و فيوق ظاهر اليد و على القدمين كذلك .. و لم يكن يدري أي دافع كان يدفع أولئك العذارى بين الحين و الحين ليتقربن منه، و يجاملنه، بل يحاولن معاربثته، فإذا ألقى إليهن بكلمة أو وجه إليهن نظرة رددن بابتسامات براقة، ورفت أعينهن بلمعان غريب، و تنطلق بعد ذلك ألسنتهن بشدو، و أكفهن تصفق، و قاماتهن تتمايل .. لكأنه أعطى الكثير لهذه المخلوقات اللطيفة الضاحكة للدنيا.
كاد (علي بن حزم) – يومئذ – أن يتصور أن العلم محصور في فضليات النساء، مثل هؤلاء اللواتي تولين تربيته و تعليمه، فهن حافظات لكتاب الله عن ظهر القلب، وهن حافظات للأحاديث الصحاح، وهن مستظهرات للمعلقات السبع، و المطولات من الشعر الجاهلي و المخضرم و الأموي و هن يتمثلن دوما بشعر النساء العربيات من مختلف البلدان و العصور، و يرين في الرقة الضرورية للشعر، و الجرس اللازم للإنشاد، و الحلاوة المستصاغة مع أجل المعاني ، و يكدن بجزمن بأن الشعر إذا لم يكن من أنثى فهو جفاء و غموض و هذيان، فهو ليس جديرا باسمه ... و مع ذلك وجد ( علي ) أن البعض من هؤلاء الفضليات يقلن غزلا، كله إشادة بشهامة رجال و كمالهم و سمو أوصافهم !
و ( علي ) بدوره قامت في نفسه هواجس، و تحرك فؤاده وهاج خاطره، و بذلك أخذ لسانه يتحرك، و شرعت شفتاه تهمان، ثم راحت يمينه تتلمس القلم، لتسود صفحات بيضاء بأشطار هي أشبه ما تكون بالنقش، أما المضمون فأشعار رقيقة لطيفة سائغة، تحلو على اللسان كما تحلو في الآذان، أما تأثيرها على القلوب فبعيد ... !
ليس يدري ( علي ) أمن أجل هذا طلبت إليه نساء القصر كلهن : صبيات و شابات بكثير من الإلحاح، و بموافقة مهذبة من الكهلات، و حتى ممن تجاوزن سن الكهولة ... طلبن منه أن ينشدنه من أشعاره، و بصوته الجميل ... إلا واحدة من بينهن، وهي الصبية (نعم) إنها لم تلح، و لم تلاحق، و إنما اكتفت حينما رأت أجماع هؤلاء أن توافق بإنحاءة من رأسها، و بحمرة غير شديدة شابت بياض وجهها المليح و ظاهر أذنيها اللطيفتين، و غدا الوجه بتورده المشرق وسط الضفيرة الشقراء كوردة في طبق من الذهب الأبريز ... و لو أفصح الشاعر عن دوافعه لقال أنه إنما أنشد تحت تأثير صمت هذه الشقراء الفاتنة، وخجلها المحبب الآخذ بمجامع القلب.
و هكذا كان للصوت العامر بخشونة الرجولة المبكرة تأثير وأي تأثير على الأسماع، فاهتزت القلوب الأنثوية، و تمايلت القدود الرشيقة، وحتى التي فاتتها الرشاقة، و افترت الثغور – و هي من مميزات سيدات قرطبة – عن ابتسامة فاتنة، و لوحظ أكثر من هذا أن عيونا امتلأت دمعا ثم أسالته ..!
أما (نعم) فقد كانت منصتة، و منصتة أكثر من أية واحدة أخرى، إلا أن المفعول الجبار كان يعمل عمله في الداخل، خفية من الذكيات اللواتي لا يغفل لهن طرف!. لكن الشاعر بعين بصيرته المتفتحة كان يلاحظ الآثار الخفية، التي لا تكاد تبين من شدة خفائها، فانتعش، و أخذ يشدوا من الأعماق، لا من الأشداق، و وجد – أنه مستعد لأن يرتجل، و أن يقول في ميدان الغزل قولا موفقا، مهما امتدت به الساعات، لكن الرجال – و لو كانوا مثله في طور النشأة – يخشون الهذر ... فليتوقف، و ليتمنع إلى حين، ليبقى ذلك الفتى المرغوب فيه، وفي حديثه الطلي !
كل هذا كان جميلا يومئذ !
إلا أن ( علي بن حزم ) وجد أن حياة المجتمع الزاخر في ( قرطبة ) هو غير كل ما كان يعرف، فشواغل الرجال فيه ليست مثل شواغل النساء في القصر على الإطلاق، أولئك يربين الأطفال، و يعلمن الصبيان، ثم تسنح لهن فرص فيتبرجن و يتعطرن و يملأن أوقاتهن بالأشياء التي لا فائدة من ورائها ... أما هؤلاء فأكفهم و أذرعهم متينة و شديدة، تبدع صنائع مثيرة للإعجاب، في البناء، و النجارة، و الحدادة، في الزخرفة و النحت و الحفر و التزويق، تزيد في حماسهم للعمل و التفنن أذواقهم و مهارتهم و عزائهم. و بفضلهم صارت دور قرطبة و مساجدها و أضرحتها و محاكمها آية في الفن المعماري، أما قصور الأمراء و الكبراء فمجمع للفنون و الطرائف ..
و على هذا فكل ما شاهد ( علي ) – وهو في الطريق إلى المسجد الأعظم – أخذ بكل اهتمامه، وجده فاصلا كبيرا بين حياته و محجوزا بين جدران القصر، و بين حياة جديدة طلقة حرة عامرة لائقة به كرجل، و أخذ بلبه أكثر من هذا رحاب المسجد العامرة الحلقات، لقد شاهد بأم عينيه فطاحل العلماء الذين لا ينضب لهم بيان، و لا يكل لهم لسان، و لا يوقفهم أي استفسار أو استفهام أو طرح أي إشكال.
اللغويون منهم متضلعون، متعملقون في اللغة و فنونها و أبوابها، لا يغيب عنهم مستعمل و لا محفوظ و لا شاذ، و أوجه الخلاف يدركونها، و يستعملون عقولهم لترجيع بعضها على بعض، ولا يعجزهم الدليل من أقوال العرب ...
و المؤرخون وعاة، دقيقو الملاحظة، حصفاء العقول، يسردون الأحداث لكأنهم يقرأونها في صحف تحت أبصارهم. و مقومو البلدان – هم بدورهم – يتحدثون عن أرض الجزيرة البعيدة حديث الخبرة، لقد زاروا و استخبروا ، و قاسوا المسافات، و استشاروا المراجع، فهم يؤيدون ما فيها ، أو يردون الحقيقة إلى نصابها...
و الفقهاء – ما أبرع الفقهاء – يثيرون الإعجاب بسعة اطلاعهم، و تعمق فهمهم، و كثرة استنباطهم، و حرارة جدالهم، و تناولهم الآيات ة الأحاديث تنالا يسيرا، بفضل سهرهم و انكبابهم على الحفظ و الاطلاع .. و لفت نظر الشاب ( علي بن حزم ) طائفة من الفقهاء لا تقول مثل قول الآخرين بل تصر على أن المرجع الأول و الأخير في كل شيء هو الكتاب الكريم و السنة المطهرة و ما عداهما يترك لضمائر المومنين تفصل فيه. أعجب بهذا الرأي لما فيه من طرافة، و لأنه وافق حرارة و جراءة يحس بهما، منذ خالط هذا المجتمع الحافل!
أما الحلقات الأخرى فقد وجد فيها ( علي ) علوم لم يعرفها من قبل، و لا سبق لأستاذة من أستاذاته أن قدمت إليه أية مبادئ فيها : علم التنجيم، علم الطب و صناعة الأدوية، علم الفلاحة، أساليب تصريف المياه ... إن الشاب يتوهم الآن أنه ضيع زهرة الشباب الباكر مع السيدات في حريمهن، ففاته هذا العلم الغزير، و فاته الاطلاع الواسع، و فاته منظر هؤلاء الرجال الذين يملأون القلوب و العيون و الأذهان .. أن مخالطتهم إعداد للحياة الجدة و لتحمل التبعات التي لا اعتذار فيها. لقد وجد في الرجال جرأة، وصولة، و اعتزاز، و ثقة بالنفس لا تجارى، و ثقة بالعلم الذي في الصدور !
إن الحياة بين المسجد و ما حوله، و مع سكان قرطبة و هم يتخبطون في مشاكلهم اليومية، و يواجهون الأحداث الكبرى التي تكاد تلحق بهم الدمار لشيء مثير و حافز، يجعل الإنسان و هو في طور الشباب الطموح يتعرف على المشاكل و يحدد موقفه منها، مع أو ضد، و لا يبقى في زمرة النساء اللواتي لا يد لهن في الأمور إلا ما تحركه الأميرات الداهيات من وراء الستور !
( علي ) له من اليوم مبادئه، و له من اليوم وجهات نظره في كل أمر أمر، سوف لا يبقى بمعزل، سوف يدخل في خضم الجدالات ، سوف ينحاز إن اقتضى الأمر انحيازا، أو يعارض إن اقتضى الأمر معارضة .. ولا عليه من عواقب الأمور ! لن يمنع من هذا أن في الخاطر وجها سعيدا، لا يغيب طيفه بالليل و لا بالنهار، أنه وجه صبوح بديع فاتن، فاتن باستدرته البدرية، بعيونه الخضراء الزمردية، و بخدوده العامرة الموردية، و بثغره الذي يمتاز بأسنان لؤلئية ساطعة ... فالحياة كفاح، و صمود، و يا ويل من يرتضي لنفسه القعود ..
لقد تقول ( نعم ) يم يزول حياؤها، و تتقوى نفسا بزواجها من ( علي ) : مالك و المجازفة، قصرك هذا فخم رافه، و أموالك كثيرة و مكدسة، و أملاكك  واسعة لا حصر لها، و مكتبتك و معها مكتبة والدك الوزير ملجأ لك أمين، أن الألمعي اللوذعي الذكي الفؤاد، هي مجال تنقيبك، هي تنضيدك و تأليفك .. كلن هذا لا يجدر بي .
إنني أموي النزعة، و ملك بني أمية أراه ينهار، و الإخلاص يقتضي أن أدافع. أنا ابن وزير فلائق بي أن أرث الوزارة، فهي جديرة بي، و أنت يا (نعم) جديرة بأن تكوني زوجة وزير ! يا (نعم) غير راض تحجير الفكر الإسلامي، و لا أريده إلا مقيدا بما جاء في الكتاب و السنة ... قد لا تعلمين يا (نعم) أن الذين يقولون مثل هذا القول قليلون، لكنني أريد أن أكون منهم أن أكون لسانهم الجهير، و كاتبهم الشهير، و بطلهم القدير...!
لا، لا، ليس لك يا (نعم) يا حمامتي اللطيفة الرشيقة أن تعترضي على شيء، فالمسألة مسألة مجد و خلود، و هل لعاقلة مثلك أن تعترض على مجد زوجها و مساعيه للخلود ... و الله لن ألبث أن أصير وزيرا، و الله لن يفوتني أن أكون إماما ذا رأي و مذهب بين هؤلاء الناس.
بارك الله في أستاذاتي الفاضلات، لقد علمتني المثابرة، و الإلحاح الشديد لتحقيق المآرب، أما دروسي على هؤلاء الأساتذة الفطاحل فمهما كانت قليلة فسيكون لها تأثير على مدى حياتي، إنني أحمد الله على أنني استوعب في أسبوع ما يستوعبه غيري في شهور و أعوام، و أفهم من كل درس المعنى العميق و المقصد البعيد، لقد تخرج الكلمات من فم الفقيه أو الأستاذ و أنا عارف بها، لقد فاجأت عددا منهم بذلك، فتفطنوا لنبوغي و الله يشهد أني لست مدعيا، ولكنني موهوب!
قد يهزك هذا القوب مني، و يجعل قلبك يضطرب، فيتصاعد الدم القاني إلى وجهك العزيز، و ترف عيناك – آه منهما – و ترسلان بريقا و هو وفعل السهام على السوء في قلبي، و تنسدل ضفيرتك الذهبية – اضطرابا – و تغطي الجبين فتصدها الأنامل الحلوة برفق، و قد تولين عني مغاضبة، فتكون حركتك هذه هزة لكياني النحيل، الذي براه سهد الليالي، وشغلته القوافي التي أخذت تتري خاطري، و يتعب في تسجيلها قلمي و ورقي و أصابعي ...
على ذكر الشعر يا (نعم) أقول : لقد قدمت لأستاذ العروض بعض مقطوعات ليراجعها فقال :
- يا علي يا بني ، لا حاجة بك إلى تعلم العروض فأنت شاعر بطبعك، انسخ لي شيئا من شعرك أحفظه، لقد وجدت متعة ولذة، إنه عصارة ثقافة حسنة، و ما أظنه إلا أغاني قلب مجروح، إن مقوم الشعر الأول هو الجمال، و أحسب أن ملهمتك على درجة كبيرة من الملاحة و المليحات لسن قليلات بهذه الديار، فاللهم كن في عون الشعراء الرقاق الشعور ...
إني فخور – يا نعم – بأنك ملهمتي، و أنك في سجى الليل و هدوئه مؤنستي، و أنك مشعلة نار هذا الفؤاد و فاتحة حنايا هذا الصدر، و حاملة عقدة هذا اللسان، و مرشدتي إلى ما كنت غافلا عنه من سحر الطبيعة و بهائها و بديع صنعها ... لك الشكر يا حمامتي الألوف، خذيني على جناحك الناصع، إلى فضاء الله الواسع !
- دعيني أكمل لك حديث الأساتذة ... إن أستاذ الأصول جاذبني إلى مناقشته، فنلت إعجابه أكثر من غيره، و دعاني إلى تناول طعام العشاء معه، و تفضل فجعل خزانته رهن إشارتي، حتى أنه نام و تركني فيها، فلم أغادرها إلا عند الفجر، عندما ذهبنا سويا إلى المسجد العزيز .. هذا قيل من كثير يا ( نعم ). يا حمامتي اللطيفة.
و سرح ( علي ) بنظره – و بخياله أيضا – في الجموع المتكاثرة حول المسجد، لكأنها جيوش نحل حول خلاياها .. و لم يشعر إلا و الخادم يقترب منه و يهمس :
- بادر يا سيدي إلى الدار.
- و لماذا يا جوهر ؟
- إن قضاء الله الذي لا مفر منه قد حم.
- فيمن ويلك ؟
- لقد سقطت (نعم) مغشيا عليها، و هي الآن في طور الاحتضار !
- الله ! (نعم) في حالة احتضار ؟
- لا أراها إلا هالكة يا سيدي، لقد علتها صفرة الموت الرهيبة، و غاب بؤبؤ العين  سيدي   ( علي) ولا أظنه يعود، و جفت نظرة الوجه الذي كان عامرا بالسعادة. فغدا كالحا ... الله الله على الحسن الضائع.
و لولا و قار الشاب الأديب الفقيه لوجه لهذا النذير لطمة مبرقة، و لأخذ بخناقه حتى تنتهي أنفاسه، و لكنه اكتفى بأن قال :
- إياك أن تكون كاذبا ؟ سيكون عقابك شديدا.
- هذا كله صدق يا سيدي ( علي ) ... بادر فالخسارة عظيمة.
- كفى، أرى روحي تكاد تسبق روحها إلى الصعود، ما أظنني أعيش بعدها .. خذني يا جوهر إلى الدار، لقد فقدت السيطرة على نفسي و كياني.
و غطت غمامة كثيفة عينيه، فسار سير أعمى يتخبط، مستندا إلى كتف الخادم الذي كان بدوره منهارا متلهفا متوجعا.
عند الباب أخذت بيده سيدة وقور، هي إحدى أستاذاته السابقات و قالت :
- علي ، ضع ثقة في الباقي بلا فناء، إنه لا مرد لقضاء الله الذي يحيي و يميت، إنها عزيزة علينا كما هي عزيزة عندك، و إن نكبتنا فيها مثل نكبتك، فأرجوا – يا ولدي أن تتقبل الصدمة بصبر المومنين، و أنت بحد الله لست ناقص الإيمان، لقد صارت ( نعم ) إلى عفو الواسع، و رحمته الشاملة ...
و ارتمى على صدر أستاذته يشهق، و يشهق، و يتوقف و دون إرادة منها شاركته في الشهيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here