islamaumaroc

العهد الجديد يتطلب ثقافة ملائمة

  أحمد التيجاني

19 العدد

معشر المسلمين، أتدرون وضعية المجتمع العام الذي أنتم جزء منه ؟ أتدرون الروح التي تسير الأمم القابضة على زمام الزعامة بما توفر من عدد ودعة في الوقت الحاضر؟
أما وضعية المجتمع فهي ما يشاهده كل واحد من انقسام الدول العظام إلى معسكرين: الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، وما تبقى من الأمم الثانوية والصغيرة على حد تعبير العصر فبعضها تحيز حقيقة أو حكما لإحدى الكتلتين وربط مصيره بمصيرها، والبعض الآخر لا يزال يتردد فهو في شبه أرجوحة تطيش به تارة لجهة الشرق وتارة لجهة الغرب، ومن هذا القسم الأمم الإسلامية فإن اقل ما يمكن أن يقال عنها أن موقفها يشبه موقف القائل:
ما بين معترك الأحداق والمهج.
هذا فيما يخص تصوير وضعية المجتمع بوجه عام. وأما ما مكان من الروح التي تسير الأمم المتسنمة لذروة الزعامة، فإننا نجدها متمثلة أظهر تمثيل في قول أحد علماء الاقتصاد الإنجليز إذ يقول:
إذا أتيحت لنا فرصة نرجو من ورائها ربح مائة في المائة سرقنا، وإذا كان الربح المرجو مائتين في المائة قتلنا ولا نبالي، وإذا بلغ ثلاثمائة في المائة ألقينا بأنفسنا في المهالك، ولو أدت الحال إلى تجرع كأس المنون.
معشر أبناء الإسلام. هذه هي نفسية الأمم الذين يلونكم وتجلسون معهم جنبا لجنب في المنظمات الدولية وفي مجلس الأمن، ما أكثر ما يتكلمون في هذه المنظمات على السلم، وما أكثر ما يكررون بأنه ليس هناك من المشاكل ما لا يوجد له حل سلمي، هذا الذي تردده علينا صباح ومساء مختلف الإذاعات وهذا ما تنشره الجرائد والمجلات. يقال لهؤلاء من أهون الهيئات تعليم الأبناء قراءة حروف الهجاء، إنما الصعوبة في تعليمهم قراءة ما بين السطور. كثرة الكلام على السلم تتناول بطريق المفهوم الكلام على الحرب، وذلك ما أدى (بزمارك) الألماني العظيم إلى القول بأن الإكثار في تصوير الشيطان على الحائط يوشك أن يخرج الشيطان بالفعل. تلك هي الحال فيما نحن فيه.
يقول الغربيون إن الهدف الوحيد الذي يسعى إليه العالم الحر، إنما هو إقرار السلم، والسهر على مبادئه، والكتلة الشرقية تجيب من جهتها:
عباراتنـا شتـى وحسنــك واحــد
                      وكل إلـى ذاك الجمــال يشيــر
الكل يقسم أن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد انهم الكاذبـون.
بينما نراهم يشهدون العالم أجمع أنهم لا يريدون إلا الحسنى، نراهم من الجهة الأخرى يعدون للصدمة المتوقعة عدتها من أحلاف تبرم، وقواعد جوية تؤسس وتجهز في طول المعمورة وعرضها، هذا ما يمليه علينا الواقع فيما يتعلق بالكتلتين المتجابهتين، مع العمل الذي لا مجال فيه لريب ولا احتمال، بأن الحرب واقعة لا مرد لها، حكم بذلك من خلق الإنسان وبعلم ما توسوس به نفسه في قوله جلت قدرته(ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسيوا حظا مما ذكروا فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة).
ولا يعقل أن تبقى هذه العداوة مستمرة على توالي الأجيال على يوم القيامة بدون أن تنفجر عن حرب، لا سيما وهناك آية أخرى تؤيدها وهي قوله تعالى:(ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) يضاف الى كل ما تقدم داع آخر من الدواعي التي تحمل على التشاؤم، وهو أننا بينما نرى الدول العظمى في الحالة التي وصفت، ودورة الفلك السياسي كما شرحت، نرى إلى جـانبهـا أبـا هـول الاستعمار جاثما يتحفز للوثوب.
 وأبو هول الاستعمار هو ذلك(الفالج) الذي لم يبق من يجهله، ولمزيد التعريف به اروي لكم ما قاله عنه العلامة الأمريكي(ستودار) صاحب كتاب(حاضر العالم الإسلامي):(إن سياسة الاستعمار ترمي إلى خصاء الشعوب) ويقرب منه ما قاله المؤرخ الفرنسي(أوجين كانط) في كتابه (تاريخ إفريقيا الشمالية: إن سياستنا في المستعمرات تحذو حذو السياسة الرومانية التي رسمت خطة لها تسخير الشعوب حتى يصيروا مجرد مزارعين عند الحكومة.
تلكم هي الحال، صدق من صدق، وأبي من أبي. الواقع لا يرتفع.
*
فلم يبق لنا معشر المسلمين إلا البحث عن الطريق الذي ينبغي سلوكه أمام ما يتلبد أمامنا من الغيوم في الأفق السياسي.
بادئ بدء، يجب تنظيم شبه تعبئة عامة:انفروا خفافا وثقالا تحت شعار ما قاله حكيم الشرق جمال الدين الأفغاني الحسيني:« ما من أحد بأصغر من أن يعين، ولا بأكبر من أن يعان لأنه لا حد لكمال».
وذلك بالتشمير على السواعد لبناء مجتمع جديد يقوم على ثقافة شهد التاريخ والواقع بصلاحيتها ومضمون مفعولها، فلنبدأ بحفر الأساس باجتثاث العقائد والتقاليد التي لا يساندها اصل إسلامي صحيح ولا عقل، مما تشكو ثقله وركاكته الكتب التي منبت بحمله، يجثث اجتثاثا لا يترك عرقا ولا ورقا إلا قضى عليه ونبذ به على العراء، ثم الشروع في بناء مجتمع روحه العمل لبنته الأولى قوله تعالى(وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ولبنته الثانية قوله صلوات الله عليه وسلامه: «اليوم الرهان . وغدا السباق والجائزة الجنة».
ركنان أساسيان عظيمان كما ترى أن هما روعيا على ما يجب،لم يلبئا ان ينقلا الامة من الركود المتوارث إلى مضمار المسابقة الذي فتحه سبحانه لأهل الكتب الثلاثة التوراة والإنجيل والقرآن في قوله جل وعلا في سورة المائدة « ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة و لكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون »
وفي هذا المعنى من الآيات ما يجعل الكاتب بمنزلة من يجلب الماء إلى الساقية أو ينقل الحطب إلى الغابة من ذلك:وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسولكم والمومنون- والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا- ولكل درجات مما عملوا- يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا- انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله.
فلو كانت السعادة تنال بمجرد قول لا إله إلا الله كما يجري على الألسنة: من قال لا اله إلا الله دخل الجنة لما قال الكتاب: والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء.
وبالاختصار أن بياض نهار القرآن أغنى عن غلس كسب الأشعري وغموض مذاهب المتكلمين كسب الاشعري الذي صار مضرب المثل في الغموض فيقال أخفى من كسب الأشعري.
إن الإسلام كما نراه في مرآة القرآن ليس بدين تواكل ولا إحالة على المقادير في الجليل والحقير، الثابت عنه عليه الصلاة والسلام: الإيمان والعمل إخوان شريكان في قرن لا يقبل الله أحدهما إلا مع صاحبه»
وإلى حضرات القراء نماذج مما تهديه لطلابها ثقافة الإسلام:
النموذج الأول نلتمسه في سيرة المرشد الأكبر الأول صلوات عليه وسلامه يوم غزوة أحد، وشرح الحال باختصار:إن المشركين قد تقاسموا بعد انهزامهم في بدر ليأخذن بالثأر وليمحن ما لحقهم من عار، فأجمعوا أمرهم واستنفروا من استنفروا قاصدين المدينة معسكر الذين هزموهم في بدر، وكان عليه السلام قبل وصول العدو رأى رؤيا إن كانت تدل على شيء فعلى ما سوى الخير، رأى في سيفه ثلمة وبقر تذبح من حوله، ورأى أنه أدخل يده في كمه فتأولها هزيمة وأن بعض من أصحابه يقتلون،وأنه يلجأ إلى الالتجاء داخل المدينة. فلما أصبح الصباح تواردت عليه أفواج الشبان ممن لم يحضروا بدرا، جاءوا يلتهبون حماسا، فصاحوا: يا رسول الله لا يسرنا إلا أن تلقى بنا عدونا. فسكت عليه السلام لما في نفسه من أمر الرؤيا تاركا الجواب لكبار الصحابة بما يحمل الشبان على الأناة والتدرع بالصبر، فلما لم يجسر أحد لأجابتهم، دخل الرسول لمنزله ثم خرج لابسا لأمته ومغفرة عدة القتال، وملامح نوع من الانقباض تلوح على وجهه، فقال له أبو بكر: يا رسول الله، كأننا استنكر هناك على الخروج فإن رايت ان لا تخرج اليهم فلا خروج. فكان الجواب منه عليه الصلاة والسلام: ما كان لنبئ لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه المناجزة.
ذلكم كان هو الجواب. وهل ينتظر جواب آخر ممن نزل عليه قوله عز سلطانه: فإذا عزمت فتوكل على الله. و لا شك ان من لبس درعه فقد عزم. فكان ما كان من موت عدد من أصحابه منهم عمه سيدنا حمزة مما هو لا شك هزيمة، ومع ذلك همة القائد الأعظم سيطرت على الموقف إلى حد يقول فيه: لقد كانت هزيمة أحد أحب إلي من نصرة بدر. وفي ذلك نزل قوله سبحانه:«وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا ».
النموذج الثاني قضية أبي خيثمة في غزوة تبوك المشار إليها في قوله تعالى:وقالوا آلا تنفروا في الحر. كان هذا الصحابي الجليل وجده الحال غائبا يوم خرج الرسول وبعد أن سار عليه السلام أياما دخل أبو خيثمة على أهله في يوم حار، فوجد امرأتيه في عريشتين لهما في حائط قد رشت كل واحدة منهما عرشتها، وهيأت طعاما وماء بارد، فلما دخل نظر إلى امرأتيه وما صنعتا، فقال رضي الله عنه: فقال رضي الله عنه:رسول الله(صلعم) في الحر وأبو خثيمة في ظل وماء بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء، ما هذا بالنصف. ثم قال والله لا ادخل عريشة واحدة منكما حتى ألحق برسول الله، فهنيئا لي زادا، ففعلتا، ثم قدم ناضحة(ناقة) فارتحلها بعد أن اخذ سيفه ورمحه، ثم خرج في طلب رسول الله حتى أدركه.
النموذج الثالث استعيره من سيرة التابعي الجليل(سعيد المسيب) ومن خبره أنه كان فقد إحدى عينه في غزوة من الغزوات، وبعد ذلك بمدة تعين الخروج لغزوة أخرى، فكان رضي الله عنه في طليعة من هبوا إليها، فقال له بعض معارفه يا سعيد سقط عنك الفرض لأنك من أولي الضرر، (ولا يستوي القاعدون من المومنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) فقال سبحان الله إن الله استنفرنا خفافا وثقالا. إذا مل يمكني قتال أكثر السواد واحفظ المتاع.
تلك إخواني الثقافة والتربية التي ندعو إليها. وأقسم لولاها ما قام للإسلام عمود ولا أخضر للإيمان عود.
والمولى سبحانه يلهم الشباب التأسي بمثل هذه المآثر والمفاخر، فإن شبابنا دخل هذا العهد السعيد تحت طالع سعد، وهو قوله عزمن قائل:(فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه) إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير.

 


 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here