islamaumaroc

قيم خالدة في تاريخ الإسلام

  دعوة الحق

145 العدد

التاريخ بالنسبة لأي أمة أكثر من سجل للحوادث والمنشآت، إنه مسيرة حية مبدعة، متطورة، بإبراز المسيرات البشرية الأخرى، إنه نهر كنهر هراقلطيس، ما من لحظة هو هو. إنه يتجدد و يندفع و يتطور، لكن في خط معين أي في اتجاه يربط دائما بين الينبوع و المصب، أو بين المبادئ و الغايات.
و حركة التاريخ بهذا المفهوم ليست حركة يغيب طرفاها وراء حدود الميتافيزيقا، حيث يلعب القضاء والقدر دوره الحاسم، فذلك أمر لا نحب أن نناقشه الآن، لأن ما يهم الإنسان اليوم من تاريخه أن يجد فيه دوره هو، و يجد فيه أيضا تفسير الماضي و بذور المستقبل. و من الممكن أن يكون التاريخ خاضعا لحركة جدلية بين الطبقات الاجتماعية في علاقاتها بالمعادلات الاقتصاديـــة(1) ، أو يكون حركة يوجهها فكر مطلق يسعى لتحقيق ذاته (2) أو مجرد حركة تطورية تخطط لها العبقريات الإنسانية عبر الزمان (3)، أو غير هذا أو ذاك مما تقدمه لنا الفلسفات الغربية. و في جميع الأحوال يظل التاريخ حركة لها عللها و حتمياتها. و يظل تاريخ الإسلام مسؤولا عن تحديد دوافع حركته، مسؤولا عن تحديد الخط الحضاري الذي يسير فيه، و الشعارات أو المبادئ التي يقيس بها أو إليها شؤون الازدهار و التدهور، و الثبات و التطور.
إنه تساؤل يلح علينا عند كل مطلع سنة هجرية. فلماذا السنة الهجرية بالذات ؟
لأن حركة الإسلام التاريخية تبدأ من هنا. أي من تخطيها لمهبط الوحي البعثي في مكة إلى مهبط الوحي التشريعي في المدينة المنورة، بحثا عن بيئة جديدة، و بحثا عن مناخ و تربة ملائمين للبذور الجديدة. و هنا نأخذ الدرس الأول من تاريخنا. و خلاصته أن البيئة الصالحة للثورة، اجتماعية أو سياسية عامل أساسي في نجاح تلك الثورة.
و التساؤل الملح علينا كما حددناه من قبل إنما يأخذ عمقه من وعينا للتاريخ الإسلامي.
و المؤسف هو أن هذا الوعي يزداد ركودا و ضحالة في هذا العصر، و نحن في نهاية القرن الرابع عشر للهجرة. أن الواقع يؤكد اليوم جهل المسلمين لحقائق تاريخهم، و لخط المسيرة التاريخية للإسلام. و ينعكس ذلك على واقعنا في العالم الإسلامي ، فهذا العالم كما يبدو اليوم يعيش مرحلة التيه و الضياع بين المسيرات البشرية الأخرى، تتجاذبه الإيديولوجيات و التكتلات و الشعارات.

و الأمر يتجلى بصورة أوضح عندما نضع سؤالا كهذا : لأي حركة تاريخية ينتمي المسلمون اليوم، و ما الأفكار الأساسية التي تحركهم ؟ و نعتقد أن الأمر أدهى من ذلك، فالمسلمون اليوم مفترقون مختلفون، لا تجمعهم وحدة أو فكرة أو منهاج عمل . و للخروج من هذا الضياع ينبغي أولا أن نعود إلى التجارب مع تاريخنا، أي أن نكثنه حقيقة تاريخنا، و نفقه فلسفته و نتعاطف معه. و لما كنا نجهل هذا التاريخ و لا نفقه قواه المحركة، فضلا عن أن نستنتج منه فلسفة، فإننا لا ندري لحد الآن ماذا ينبغي أن نفعل.
و هنا نؤكد حقيقة أساسية، و هي أننا لا نعني بالتاريخ مجرد أحداث متراكمة عبر الزمان، من دول و إمارات، و غزوات و حروب، و آثار تشيد و تبلى و هزائم و انتصارات تثرى في دوامة دائرية لا يدري طرفاها. فالتاريخ بهذا المعنى لا معنى له ، و لا معنى أيضا لأن ننتمي إليه أو لا ننتمي ، لأننا جزء منه، و حركة من حركاته و فصل من فصوله، أحببنا أم كرهنا. و إنما نعني بالتاريخ هنا حركة إنسانية ذات مضمون عقائدي و حضاري تنطلق من مبادئ موضوعية تتجلى في أحداث، و تسعى لأهداف و غايات. و ينشأ الصراع حولها حين ينشأ من أجل قيم واضحة و مثل أخلاقية نابعة من نفس المبادئ و الأهداف و ينتهي هذا الصراع أو يتجدد على أساس من معنى الانتصار و الهزيمة اللذين يكتبان لمرحلة من مراحل النضال في سبيل تحقيق تلك القيم و المثل. و بهذا المعنى نفهم معنى معركة بدر أو حروب الردة أو معركة صفين أو معركة حطين. باعتبارها جميعا حلقات ينتظمها خيط معين، لا أحداث مرتجلة، أو معارك أشخاص لهم مغانمها و عليهم تبعاتها.
إن وراء تاريخنا الإسلامي منهج للحياة يجب تحقيق. و هذا المنهج هو الذي يجعل حركة الإسلام إحدى قوى التاريخ الكبرى، و هو الذي أبدع تلك الحركة الثقافية و الحضارية التي نعرفها، و هو الذي يعبئ له المسلمون طاقاتهم، و يكرسون له قواهم، و هو الذي يجعل الموت في سبيله شهادة لا انتحارا و لا اعتباطا. و هو المنهج الذي ارتضاه خالق الإنسان للإنسان. و طالما آمن به إنسان سيظل التاريخ الإسلامي حركة على وجه الأرض.
إن كل تاريخ لابد أن يخضع لدورات من الازدهار و التدهور حسب قانون يجتهد الفلاسفة في تأويله. و تاريخ الإسلام قد عرف أحوال الازدهار و أحوال التدهور حسب هذا القانون أو ذاك. و المؤكد أنه لا ينبغي أن نيأس اليوم و نحن نقع الآن في طرف من حركة التاريخ، هي و إن كانت في نهاية الانحدار إلا أنها تؤذن بصعود جديد، « و تلك الأيام نداولها بين الناس » و إيماننا بهذه المداولة للأيام بين الأمم في تواريخها معناه الإيمان بسنة كونية، لا تتخلف. تترجمها فلسفات المؤرخين حسب ما يتراءى لهم. ولكن علينا أن نعي معنى الحركة التي تحقق هذه السنة الكونية. فهناك من يرى أن العالم الإسلامي وقع في تصدع إثر انطلاقته الأولى بين انجذابه لروح القرآن و بين انجذابه من جهة أخرى إلى الروح الجاهلية. و قد حصل ذلك في وقعة صفين في العقد الرابع من تاريخ دولة الإسلام. و استطاع الإسلام كدولة – رغم هذا التصدع – أن يتماسك بفضل الروح القرآنية التي كانت تهيمن على قادة الفكر و ربما بعض رجال السياسة و الحكم، الذين كانوا يحافظون على التوازن بين المادي و بين الروحي ولو إلى حين. و قد كان هذا التوازن مبعث ازدهار فكري و حضاري، غير أن حركة التاريخ الإسلامي أخذت في التدهور عندما فقد الجانب الروحي فعاليته – و لم تستطع الدول الإسلامية المتأخرة – بما في ذل الخلافة العثمانية – أن تصنع شيئا ينقذ المجتمعات الإسلامية من الهبوط. و ما بقي من حرارة ذلك الإيمان و وهج العقيدة هو الذي غير اتجاه الهبوط في العصر الحديث، بالنسبة للشعور الإسلامية. و من المعلوم أن هذه الشعوب بلغت نهاية ضعفها في أول القرن التاسع عشر للميلاد، و ابتليت بأزمات و أوضاع فاسدة كان بعضها كافيا للقضاء على دول و شعوب عظيمة قبلها. و جاء العصر الحديث و العالم الإسلامي كله هدف لحملات التبشير و الاستغلال و الاستعمار. و توقع الناس يومئذ انتهاء هذا التاريخ مداه الذي لن يتعداه. و لكنهم فوجئوا، فالاستعمار يتراجع، و ينسحب عن بلاد الإسلام. و الإسلام يزداد انتشارا في قلب إفريقيا و آسيا، و تبرز له دولتان عظيمتان هما دولة أندونيسيا و دولة الباكستان. ولم يكن ذلك اتفاقا و مصادقة يصعب تعليلها بالنسبة لحركة التاريخ الإسلامي، بل كان أمرا طبيعيا ينسجم مع قانون هذه الحركة في تصاعدها و امتدادها. و هذا هو الدرس الثاني الذي نستخلصه من هذا التاريخ وهو أن للإسلام فعالية متحركة تنبع من عقيدته الكونية الصامدة تجعل مسيرة تاريخه مسيرة متحركة تزيدها عناصر التحدي و المقاومة صمودا و تباتا، و تجدد فيها روح العزم و قوة الثبات.
و يعلن لنا أن نرد بهذه المناسبة على رأي للفيلسوف الألماني هيجل. و ذلك بصدد تفسيره للتاريخ و لقوانين حركته. حيث قال : « إن التاريخ العام يمثل الروح و هي تجاهد للارتقاء إلى معرفة الشيء في ذاته، و الشرقيون لا يعرفون أن الروح أو الإنسان من حيث هو إنسان أنه حر، و بما أنهم يجهلون هذه الحقيقة فهم ليسوا أحرارا. و إن الإدراك الواعي للحرية قد تفتح عند الإغريق أول مرة، و لذلك كان هؤلاء أحرارا، و لكن الإغريق و الرومان كانوا يدركون أن الحرية ليست من نصيب كل  إنسان من حيث هو إنسان، و إنما هي من نصيب بعض الأفراد(4) . ويمضي هذا الفيلسوف إلى استنتاجه و هو : أن الأمم الجرمانية أول من ارتقى إلى إدراك الحقيقة ، وهي أن الإنسان من حيث أنه إنسان هو كائن حر.
و واضح أن هيجل يعني بشعوب الشرق فيما يعني الهنود و الصينيين و الفرس ، و لكن هل كان يعني العرب أيضا؟ إذا كان يعنيهم فهو يجهل التاريخ، و إذا كان لا يعنيهم فهل يجهل حركة من أقوى حركات التاريخ في الشرق. و لا عذر في الجهل بالأمرين أو بأحدهما على السواء.
ونحب أن نرد عليه بأن الإسلام جاء ليؤكد فيما يؤكد من مبادئ مبدأ الحرية الإنسانية ، و لسنا بصدد استعراض أمثلة تدل على إيمان العربي بالحرية في الجاهلية إلى درجة وعي المتلمـــــس (5) لهذه الحرية في قوله :
ألم تر أن المرء رهن منية
   صريع لعافي الطير أو سوف يرمس
 فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة
   و موتن بها حرا و جلدك أملس
و ما الناس إلا ما رأوا و تحدثوا
   و ما العجز إلا أن يموتوا فيجلسوا (6)
فقد قيل بأن هذه الحرية هي حرية واقعية ، « لا تعني مفهوما إنسانيا عاليا، فهي كالحرية التي تتمتع بها الأوابد في الخلاء، أو تتمتع بها الطير في الهواء، و علتها أنها حرية مصدرها قلة المنازعة عليها لا قوة المبادئ التي تدعمها و تحميها »(7). لقد جاء الإسلام ليرفع من مستوى شعور الإنسان بحريته الواقعية إلى مستوى شعوره بالحرية الحقوقية و الفكرية و الفلسفية، و دليلنا على ذلك أمران نجتزئ بهما عن أمور . و الأول أن الإسلام حدد حرية التصرف و السلوك ، و بذلك أبطل محاسبة إنسان بعمل إنسان آخر، وأبطل أفضلية إنسان على إنسان بغير العمل الصالح ، و حدد المساواة المطلقة بين الأفراد . و أما الأمر الثاني فهو سلوك الخلفاء الراشديين أثناء مزاولتهم حكم الدولة الإسلامية ، انطلاقا من المفاهيم التي آمنوا بها إقتداء بالرسول ، و اجتهادا في تحقيق المثل الأعلى الذي لقنوه منه .
فهذا عمر بن الخطاب يستفهم استفهام الإنكار أحد ولاته المشتطين في معاملة الناس : « متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ » أما علي بن أبي طالب فيقول للناس كافة ، أي لمطلق الإنسان : « لا تكن عبد غيرك و قد جعلك الله حرا ».
و هذه مفاهيم و مسالك في الحكم جديدة على التاريخ الإنساني ، فيما نعلم . و الجديد فيها حقا أنها لم تكن نظريات طوباوية كتلك التي تقرؤها في « جمهورية أفلاطون » ، بل إنها مبادئ سلوك سياسي لاثنين من أئمة المسلمين و خلفائهم في الصدر الأول من تاريخ الإسلام ، و من الذين جمعوا بين السلطتين الدينية و السياسية بيد واحدة . فالحرية في التاريخ العربي و الإسلامي مبدأ من المبادئ المقررة ، و إن كانت كسلوك ظلت قاصرة   على الآحاد من الخلفاء و رجال الحكم والفكر. و المهم أنه لم يبق للجرمان الفضل في إدراك حقيقة الحرية كما يزعم فيلسوف الجرمان، فعلي بن أبي طالب قد عبر عن وجود الوعي بمدلول الحرية كحق من حقوق إنسان قبل ذلك بعشرة قرون.
و هناك أمر جدير بالملاحظة، و هو : أن بين عبارتي عمر و علي تفاوت في الدلالة و العمق يشير إلى تطور مفهوم الحرية بين الرجلين في فترة لا تتعدى عقدا من السنين. و نترك بيان هذا الفرق في الدلالة و العمق لأحد الكتاب المسيحيين، لأنه أجل من سواه في إنصاف الخصم. يقول جورج جرداق :  « لابد من الإشارة إلى أمر ذي خطر في نطاق هذا البحث. فلو استعرض المرء لفظة الحرية  في ذلك العصر لما وجد لها مدلولها الواسع العام إلا في نهج الإمام علي. فإن كلمة الحرية و مشتقاتها جميعا، لم يكن لها من المدلول في عصر الإمام إلا ما يقوم منها في معارضة الرق. فالحرية ضد العبودية، و الحر ضد العبد أو الرقيق. فلو نظرنا في المدلول الصحيح لكلمة عمر بن الخطاب المشهورة : ( متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) لرأينا أن صيغة هذه العبارة، و الظرف الذي قيلت فيه، و الدوافع التي أهابت بابن الخطاب إلى قولها، تتفق جميعا على أن عمر لا يعني بالأحرار إلا أولئك الذين ليسوا عبيدا يباعون و يشترون.
أما لفظة الأحرار التي تعني أصحاب الحق في القول الحر و العمل الحر، فليست تلك التي يريدها ابن الخطاب في عبارته هذه. نظيف إلى ذلك دليلا أخر، هو أن عمر توجه بقوله هذا إلى يستعبدون الناس و يأمرهم بألا يسترقوا من ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
و هو لم يتوجه بقوله هذا إلى الأرقاء أنفسهم فيأمرهم بأن يثوروا على مستبديهم شراء و بيعا. إذن، فالأمر منوط بإرادة الأسياد في كلمة عمر، و النصيحة موجهة إليهم وحدهم و الأفضل ألا يسترقوا المستضعفين من الناس.
أما عند علي بن أبي طالب فالأمر غير ذلك. و مفهوم الحرية أوسع و أعم. نستدل على ذلك بنص صريح له. أولا، ثم بما نستنبطه من دستوره العام الذي نرى منه وجوها في معظم أقواله و عهوده و وصاياه. فإزاء كلمة عمر التي أشرنا إليها، يقول علي نصا : ( لا تكن عبد غيرك و قد جعلك الله حرا ). فانظر كيف توجه علي بقوله إلى من يريدها أن يثق بنفسه و يستشعر روح الحرية و معناها، فألقى في نفسه ما يوقظه على أصل من أصول وجوده، و هو أن طبيعة الكون جعلته حرا لا يتمرد و لا يطيع و لا يعمل و لا يقول إلا على أساس من هذا الحق الطبيعي. و هو بذلك إنما يلقي في نفسه بذور الثورة على كل ما من شأنه أن يضيق عليه، ويسلبه حقه في أن يكون حرا(8).
وقد قلنا من قبل بأننا أصبحنا نجهل تاريخنا بحيث أصبح غيرنا ينبهنا إلى قيم هذا التاريخ، و يوقفنا على معالمهم و مناقبه، وهو أمر يؤكد انفصالنا عن مسيرتنا التاريخية. و الذي نعنيه من هذا الانفصال هو ما نلاحظه من انحراف عن جوهر الرسالة الإسلامية الخالدة، و الوقوف بموقف الاختيار من جديد بين اتجاهات متناقضة. و تلك بعض مظاهر الغزو الفكري الذي يحيط بنا. وهذا الغزو الفكري، هو الذي زلزل ثقتنا في الماضي و شككنا في ثقافتنا الوطنية و قيمنا الروحية، و ذلك ضمن مخطط رهيب يرمي إلى عزلنا عن المدار الحقيقي الذي يجب أن نسير فيه. فالشخص المسلم اليوم يتعاطى ثقافة جديدة، و يتجاوب مع حضارتها، و ينفعل بتاريخها معصوب العينين في الوقت الذي لا يعرف فيه ثقافته بالمعنى الصحيح و لا يقرأ عن تاريخها إلا من خلال كتب الأجانب و القساوسة المتنكرين أمثال لامنس و رينان. الشخص المسلم في هذا الإطار من الثقافة المجلوبة و الحضارة المستهلكة يعيش في استمرارية تاريخية تنطلق من أوربا، و تقاس مراحلها بمقاييس الفكر الغربي، و هو ليس منها في شيء و بفعل هذا الاستلاب تحول إلى كائن مستهلك و مقلد، يحفظ الأحداث و يحتج للمفكرين و ينصاع للآراء من كل ما هو أجنبي، و لا يحتفظ في ذكرته بإزاء ذلك بأي فضل أو حادثة أو رأي مما يحفل به تاريخه. و هكذا يطمس تاريخه برمته، و يلقى في زوايا القرون الوسطى لأنها عصور ظلام، دون أن يتنبه أن هذه العصور الوسطى هي عصور أوربا وحدها.
قد يقول القائل : أننا فعلنا كل ذلك و أنتمينا إلى الحضارة الحديثة و اندمجنا في مسيرتها لنلتحق بما هو كوني شامل، لأن الحضارة الحديثة حضارة عالمية لا تختص بطائفة أو أمة أو صقع من أصقاع الدنيا، فلم البقاء في مسيرتنا الإقليمية الضيقة، أو في إطارنا التقليدي، خصوصا و أن معطيات هذه الحضارة معطيات ينتفع بها كل إنسان يسعى للتطور ؟؟
و نحن نرى أن هذه الكونية الشاملة غاية كل حضارة، و غاية كل تاريخ، و لقد كان التاريخ الإسلامي نفسه يستهدف الكونية و الشمول، و قد يحكمون ذلك بالفعل يوم كان الخلفاء الأولون من المسلمين يحكمون العالم القديم بأسره، و كانت الجامعات الإسلامية جامعات الأمم كلها من مسلين و يهود و مسيحيين، و كانت العربية و آدابها لغة العالم المتمدن و آدابه، و رسالة الإسلام نفسها تعلن كونيتها و شموليتها، و تنادي أهل الأديان السماوية جميعا إلى كلمة سواء. و حضارة الإسلام حضارة ساهم فيها العربي و الفارسي و الهندي و التركي و القبطي و البربري و القوطي.
فتاريخ الإسلام تاريخ كوني أيضا، و حضارته حضارة عالمية. والحضارات جميعها أشكال متعاقبة تحقق سعي الإنسان المشترك لتحقيق عيش افضل و حياة أرقى، و بهذا المعنى تتوارث الحضارات و تتواصل و لك منها يهيمن على حقبة من أحقاب التاريخ. إلا أن انتماءنا للحضارة الحديثة لا يفرض بالضرورة انفصالنا عن تاريخنا، لأننا نميز في الحضارة بين أمرين : الجانب المادي للحضارة من تنظيم و تجهيز و علوم و فنون. و الجانب الروحي أو الفكري من فلسفات و آداب و ثقافات.
 ولا نعتقد أن أحدا يتصور أن الإنسان اليوم يجب أن ينسلخ من كل ثقافة وطنية، و من كل عقيد ة موروثة لكي يندمج في حضارة القرن العشرين، بل لا نعتقد أن أرباب هذه الحضارة و بناتها يشترطون على جميع الأمم في آسيا و إفريقيا في هذه الحضارة الجديدة. فالحضارة الحديثة حضارة تعايش بين الأمم و إخاء بين الشعوب إن صدقت النيات و خلصت العزائم. على أن في هذه الحضارة من دواعي الخلل و الانحراف من نزعات استعمارية و أهواء ضالة و انحلال أخلاقي مما يتصل بجانبها الروحي و الأخلاقي ما يدعو للاحتراس منها و الحذر من كثير من مظاهرها. و مع ذلك نستطيع أن نميز فيها بين ما هو نتاج العقل و ثمرة الإخلاص الإنساني و الجهد العلمي، و ما هو من ثمرة الحقد و الأثرة والخداع و العنصرية. و هنا تختلف مسيرتنا التاريخية عن المسيرة التاريخية الغربية.
إن الإنسانية أمة واحدة بحكم أهدافها المشتركة العليا غير أن كل أمة من أمم العالم تسعى بأسلوبها الخاص لتحقيق هذه الأهداف ، و تاريخنا الإسلامي ينطوي على رسالة جاءت لتحرير الإنسان و تنظيم حياته وتحقيق التوازن بين مطالبه، و لا نعتقد أن تاريخنا يستهدف هذه الغايات لا يستحق مواصلة المسيرة في نفس الاتجاه، بعد إزاحة العوائق و تنظيم الطاقات لكي يبرهن كذي قبل على صفاء الضمير و عمق الإخلاص للإنسان الكوني.


(1)  وهو التفسير الماركسي للتاريخ: خلاصة رأس المال ص 16
(2)  وهو تفسير هيجل للتاريخ. هيجل لاندري كرسون ص 113
(3)  و ذلك هو تفسير الفيلسوف كارليل.
(4)  هيجل – أندريه كريسون . ص 120.
(5)  المتلمس ( جرير بن عبد المسيح شاعر جاهلي من منادمي عمرو بن هند ملك الحيرة في الجاهلية)
(6)  ً ًً ً ً ً
(7)  الديمقراطية في الإسلام – عباس العقاد . ص 27
(8)  علي و حقوق الإنسان : جورج جرداق ص 174

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here