islamaumaroc

العبقرية والمسؤولية

  دعوة الحق

145 العدد

هل نبريء العبقرية من تهمة الجناية على الجماعات ؟
أو، هل نبريء الجماعات من تهمة الجناية على العبقرية ؟
أيهما الجاني : العبقرية، أم  التابع المعجب بالعبقرية ؟
ثم، هل العبقري البشري جزء من عبقرية الطبيعة، فهو إذن يتمتع بطبيعة العبقرية ؟ أو أن العكس هو الصحيح، فتتمتع الطبيعة بعبقرية البشرية ؟
و في كلا الأمرين، هل العبقرية ضربة لازب يتحملها المرء فيؤديها، أداء المكلف، أم هي اختيار يقع في الضمير، و في الشعور، و يقع في العقل و في الحواس، ثم ينتقل إلى الوجود كمما تنتقل السلعة من المصنع إلى حيث تباع ؟
هل العبقري – هي طاقة الفرد، أو ، هي طاقة الأمة ؟
و هل العبقرية في الأمة هي العبقرية في الفرد  ؟
إنك تنظر أحيانا إلى قمم الجبال العالية، كستها الغابات أو كستها الثلوج. ثم تنقل البصر إلى ما تحتها من سهول و أودية فتحس فرقا شاسعا بين العلو و الانخفاض.
القمة العالية زاهية مزدهرة، حتى لو كانت جرداء، و أحجارها تبدو براقة لامعة، لأنها في موضع يتلقى أشعة الشمس و أضواء القمر.
و هي – شاءت أو أبت – تطل على ما دونها من بحار و أنهار و وهاد. و قد يخيل إليك في ساعة مقارنة عابرة أن تلك القمم تكاد تكون مسئولة عن المقاييس التي أصبحت تقيس بها الأشياء حولها. فأنت تسمي الأرض المنخفضة إزاءها : سفحا أو سهلا أو واديا. و لابد أن تتعالى بنظرك حين تتابع معارج القمة. كما لابد أن تخفض بصرك و تحني ظهرك حين ترقب مسارب الوادي أو سفوح الجبل.
و لعلك تقول : لا ذنب للسفح ! و قد خفضته قوة لا قبل له بها. ولا ذنب للوادي ، و قد صار مأوى للضباع و الأفاعي رهيبا.
و أنك لتسأل هذه الجحور المحتجبة عن الشمس : ما الذي قعد بها عن طلب المقام الأعلى – ما الذي هبط بها إلى ذلك القرار السحيق ؟ تركبك الحيرة، لأنك تريد أن تنصف الأشياء، فالغبن واضح، و المحاباة لا لبس فيها.
الطبيعة ظالمة، مظلومة.

و هل جنحت الطبيعة في تكوينها الأساسي إلى إحداث هذه المغابرة ؟
سؤال، ستجيبك عنه – في صمتها – هذه الجحور و المغاور، كأنها تقول :
- أنك لن تجد فرقا بيننا و بين القمم. الصخور هنا في الظلمة الكئيبة، كالصخور هناك في الأضواء البهيجة. أننا نتكون من عناصر واحدة ، و يتداخلنا تراب واحد.
لن نقتنع بهذه الإجابة تماما. و ستستمر تحدق فيها، و تهز الرأس أسى أو استغرابا. فإنه موقف يدعوك إلى نبل المشاركة الوجدانية و قد يدعوك إلى أبعد من ذلك.
لكن الجحور البائسة ستتابع توضيح بعض الأمور بهمسها المؤثر قائلة :
- كل ما في الأمر أن القمم أتيح لها الظهور، فهي تغرر بالناس كي يتجشموا مخاطر الصعود إليها، ثم .. تقذف بهم من حالق. فتتلقاهم أحضاننا. إنك تجد فينا عمق الحقيقة، فلابد لك من الانحناء حتى تفهمنا ..
و هكذا تمثل لنا القمم مرتبة العبقرية. فإذا بنا ننظر إلى أفراد الإنسانية بتلك المقاييس نفسها التي وضعتها لنا الطبيعة في ارتفاعها و انخفاضها، فنجعل من الإنسانية وهادا و سفوحا بينها و بين القمم صلة الوحدة في التكوين. لكن التقدير لا يزال يباعد بين هذه و تلك مباعدة لا سبيل معها إلى اللقاء. فلو لم تكن العبقرية لكان الناس أفرادا متساوين في المواهب كما تتساوى السهول المنبسطة. و لما اضطرت اللغة إلى وضع كلمات جديدة تؤدي معاني متباينة. و كنا لا نرى داعيا للقول : هذا الرجل عظيم، أ, فذ، أو عبقري.
لكن الإنسانية – لحسن الحظ أو لسوئه – ظلت تبحث عن العلو و الارتفاع و العظمة في الأخلاق و المواهب، فتقررت على مر الأجيال هذه المقاييس التي نستعملها الآن. و على هذا فالعبقري من الناس لا يختلف عن غيره في التكوين، إذ هو كائن بشري نابع من قاب الجماعة، إلا أنه يمثل قدرة يحتاج إليها المجتمع، أو يمثل قدرة يسبق بها المجتمع. و ترى الناس مسوقين – بحكم الفطرة – إلى تتبع العبقري. فهل نعده من أجل هذا مسئولا عما يحدثه من آثار في المجتمع؟
لا ريب عندنا أن العبقرية مسئولة على كل حال. و قد رأينا رجالا عباقرة قادوا شعوبهم إلى مصائر متباينة. فلنذكر على سبيل المثال الاسكندر الأكبر، و نابوليون بونابرت، و هتلر و موسيلني، و ستالين و تشرشل، و ما قاموا به من أعمال البطولة في الحروب بانتصاراتهم و هزائمهم. كانوا قمما تندرج تحتها السفوح و الأودية و المغاور و الجحور. تحركت فيهم نوازع الطموح و الشوق إلى المجد، و الحق إن هذه النوازع كثيرا ما تعتمل في سواهم من عامة الناس و أوساطهم، إلا أن القمة ترتفع تلقائيا و تبلغ مستواها الأعلى. في حين تتجمد الأوساط و السفوح بفعل لا كيفية له، فتقضى حياة الرغبة و الشوق، و الانفعال الخائب. فتوضع لها القوالب و يركبها التشريع و تلزمها الطاعة.
ما من شك أن الجيش اليوناني كان مدينا لعبقرية الاسكندر. لكن. من أين جاء الاسكندر هذا بعبقريته ؟ إن عبقريته ما هي إلا جهد كل فرد من أفراد جيشه، لكن، هل كل فرد من أفراد جيش يستطيع أن يكون الاسكندر ؟ هكذا تحدد الاستكندر. و مثل هذا نقول في نابوليون و هتلر و موسوليني و ستالين و تشرشل. فقد صنعتهم شعوب كل فرد فيها يملك الشوق إلى أن يفعل ما فعلوا؟ لكنه لا يملك الموهبة، و من هنا تبدأ المأساة.
أصبح العبقري مسئولا حين عجز الآخرون عن بلوغ درجته، فلماذا يهادن العبقري نظراءه الفاشلين ؟
تتسع ساحات الحروب لكثير من العاجزين يقودهم منتصر، قد ينهزم أمام خصمه. لكن. ما قيمة هذا ؟ فهو منتصر على تابعيه بتفوقه – أليس هذا كافيا ؟ كان هدف هؤلاء العباقرة أن يبينوا لأمتهم مجدا، تدفع هذه الأمة ثمنه من أرواح أبنائها. ثم يصبح مثل العبقري في تاريخ الأمة كمثل القمة الشامخة : ينظر إليها الناس نظرة ملؤها الإعجاب و الإكبار.
لقد استغل هؤلاء العباقرة ميل الناس بفطرتهم إلى الغلو و المبالغة، و التفوق، و لا شك أن المجتمع قد استغلهم أيضا لتحقيق هذه المعاني المتطرفة. فالمسئولية موزعة بين الطرفين.

و كذالك، فإن الحكمة تمثل العبقرية. فنرى الرجال العباقرة من أهل الفلسفة و الهداية و المعرفة سواء أكانوا مرسلين أم مصلحين يقررون قواعد ثابتة لفهم نوامس الطبيعة، أو أسرار الاجتماع، و ينهجون للناس نهجا يؤدي إلى تقويم السلوك الإنساني، و يدعون إلى التفاهم و المحبة والسلام، و يزينون للناس القمم  الأخلاقية و المثل العليا، و يرسمون للأجيال طريق البقاء الصالح. فالفلسفة و النبوة مرتبتان من مراتب الثورة. لكن، من ينجح في أداء الثورة ؟
هناك عظماء الفكر و الوجدان المتصلون بالمعارج العليا، يحملون شعلة الثورة ليشقوا بها طريق الحياة المظلم. أنهم يتحرقون شوقا إلى الحقيقة. يرفضون البدن أو يقبلون، وفقا لخطة بازغة أو إلهام مشرق، يقودون النفس أو العلم أو الحب لأنهم لا يعترفون بخلود الجحور و المغاور، فإذا نجحت الثورة شملت العالم كله، لأن هؤلاء مرتبطون بالعالم كله.
إن العبقري الحكيم يدعونا للاعتراف بلحظة الصفاء بلحظة الحقيقة، و كلنا نتداعى إلى ذلك، لكننا لا ننجح في أحداث الثورة المضيئة، و من هنا تتوافد المذاهب و الأديان و المحاولات جيلا بعد جيل، و يتنزل المدد العبقري في رسالات موسى و عيسى و محمد. و تنتظم الجماعات أو تتفرق، لأن الجماعات المؤمنة كالجيوش المحاربة، قد تعجز عن فهم مرامي القيادة و أهدافها, و من هنا تبدأ المأساة.
و الفيلسوف اليوناني مثلا كان يثق بفكره حجب الظلام، فإذا تراءى له شيء تراءى – على الفور – للإنسانية كلها. فهو ليس يونانيا، لكنه إنساني ، و ها هنا فرق عظيم بين الحكيم و بين الزعيم السياسي أو العسكري. الحكيم ينشد الحياة و السداد و الانتصار الدائم المنظم. إنه يقود من الداخل و قيادته تشمل النفس و العقل و الفعل المادي و المعنوي بكل أشكاله و صوره، فهو لا يتزعم موقفا مبنيا على عقدة نقص، أو بؤرة كراهية، كما يفع الزعيم السياسي أو العسكري. من أجل هذا أطرد سير المعرفة و انتصرت، في وجه أباطيل المحرضين و المهيجين. و لنا أن نفسر، من هذه الزاوية، إخفاق حركات كبيرة جاشت بالحقد و البغض، فكانت شرا على أصحابها، كما نستطيع أن نفهم من هنا أيضا انتصار حركات متواضعة اتسمت بالعمق و الرزانة، و الاطلاع الشامل.
إن هتلر مثلا، لمن يكن ضعيفا. بل كان قويا جدا. لكن قوته لم تكن هادية مضيئة، فالنظر إلى القوة لابد أن يصحبه نظر إلى الرشد و السداد. و هكذا اتجهت العبقري إلى هدفين متناقضين : هدف الحب، و هدف الكره. و هكذا نقول : أن الفلسفة حب، كما أن العلم حب، أما الدين فإنه حب لكونه مزيجا من الفلسفة و العلم.
و في عالم الأدب، يعلم دارسو اللغة العربية و آدابها، أن أبا الطيب المتنبي كان ينشد شعره بين يدي سيف الدولة جالسا، مستقرا، و أنه اشترط ذلك على الأمير اشتراطا. فما الذي دعا الأمير النابغة إلى القبول بمديح مشروط ؟
الجواب كلمة واحدة : العبقرية !
تجلس العبقرية مواجهة للعبقرية. لأن القمم تتلاقى في السماء.
و نهض الشاعر بعبقريته و حلق بها، فأصبح مسئولا عن مستواه، كما أصبح مسئولا عن عصره. و روى التاريخ بعد ذلك أن شعراء كثيرين حاولوا منافسة المتنبي، و أنهم دسوا له كثيرا من التهم معتمدين الإساءة إليه. فقد تجاهل هؤلاء أن العبقرية أعلى من سرقة بيت أو النظر إلى معنى. فقد يتطرق المتنبي إلى معنى تطرق إليه غيره من الماضين أو المعاصرين له، لكن الشاعر العظيم يقود المعنى طوعا أو قسرا، و لا يحتاج إلى من يسعفه به. و هذا هو لب المسألة إذا أردنا تحديد الفرق بين شاعر و شاعر.
شعر العبقري شعر أمته كلها، أي شعر جاهليتها وإسلامها، فهو يلبس عصره مؤقتا،  و يرتدي ملابساته مؤقتا، و يقوم بدوره الحياتي الخاص به مؤقتا، و يعيش مجتمعه مؤقتا، أما عبقريته فقد ارتبطت بالكل لا بالجزء. فمن الصعب جدا أن نقول أن المتنبي شاعر الأمير الحمداني، و من السهل أن نقول : أنه شاعر العصر العباسي، و من الأسهل القول : أنه شاعر الأمة العربية.
فالأمة لغة. و كل شاعر يشتهي أن يكون لغة أمته، لكن الأمة تحدد شاعرها بوضوح.
من أين أتانا المتنبي بهذه الحكم الفريدة ؟

لا شك أنها حكم معروفة لكل إنسان. لكن العبقرية اللغوية خصصتها تخصيصا. يدخل الشاعر عالم المعاني طليقا، و يخرج منه أسيرا، فهو يملك أسلوبه و الناس يملكونه، لكنهم يملكون اللغة، فإذا قرأوا للشاعر بيتا أدركوا على الفور أن المعنى قد انحبس في ألفاظه، فنظروا حينئذ إلى الشاعر نظرتهم إلى سجان قادر لا يستطيع سجينه منه فرار. لحظة إعجاب، تليها لحظة من التأمل و التروي، ثم يصدر حكمهم على الشاعر، فهم لا يقولون : يا له من سجان ! لكنهم سيعترفون بقولهم : يا له من شاعر ! لماذا حبسنا الشاعر بعده في سجن الإعجاب ؟ ما الذي جناه شاعرنا العبقري ؟
لقد وجد لغة فتناول منها ما شاء، و وجد معاني فأخذ منها ما شاء ، ثم ذهب. أما شعره فلم يذهب. فماذا يقول النقاد ؟
سأجيب دون مبالاة : تبا للنقاد ! يضيع وقتنا عبثا في تتبع نظرياتهم العرجاء، فلماذا لا ننصف الشاعر و النقاد معا، فنقول : أنهم حاولوا التقليل من شأنه، فما استطاعوا ذلك. لأنه جنى عليهم كما جنى على مناظريه و منافسيه.
إن العبقرية في الشعر أكبر لطمة توجه إلى النقد، و إلى المعاجم، و إلى كتب اللغة عامة !
الشاعر العبقري هو المجنون الذي يقلب القاعة على العقلاء رأسا على عقب، فيهرب هؤلاء. و لابد لهم من ذلك. لأن شكل القاعة سيتغير حتما. و سينشأ وضع جديد لا يسوغ لأذواقهم. و هكذا ينمو الأدب، و ما اتخذوه الشعر مثالا إلا لأنه أوفى ضروب الأدب كيانا، و الصق بالوجود اللغوي و الوجود الإنساني و العاطفي للأمة ، فإننا عرفنا أمما تجهل المسرحية و لم نعرف أمة تجهل الشعر على الإطلاق. فإذا ورد هذا السؤال : أي الأمتين أعظم نصيبا في الأدب : اليونانية أم العربية ؟ كان الجواب حتما : إنها الأمة التي حبست وجودها المعنوي داخل اللفظة أطول مدة ممكنة.
الخلود انحباس. و العبقرية انحباس. لهذا تسقط الأمم التي لا تنحبس في عقيدتها و شعرها و نثرها و فلسفتها. فهل جنت العبقري الأدبية على الأمم . أو ، هل جنت الأمم على العبقرية الأدبية ؟ و أيهما المسئول : الجاني، أم المجني عليه ؟ و لماذا تمضغ البشرية أبيات الشعر، و فصول النثر كلما أرادت أن تلجأ إلى المنطق أو العاطفة ؟ لماذا لا تلقى البشرية هذه الآثار كومة واحدة في سلة المهملات ؟ هل تملك إنسانية الجرأة على الإجابة بهذا القول :
- أن العبقرية مسئولية تلاحق الإنسانية و تلاحقها الإنسانية ؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here