islamaumaroc

القضية الجزائرية في شهر

  المهدي

19 العدد

الوضع السياسي:
كان الشهر الماضي مرحلة هامة من مراحل تطور القضية الجزائرية في مختلف الميادين، فقد سجل خلاله الكفاح الجزائري خطوات سياسية وانتصارات عسكرية بعيدة المدى، كما سجل- في نفس الوقت- آثار تراجع خطير في صفوف القوات السياسية والعسكرية للخصم سواء في الميدان الدولي أو في الميدان الداخلي.
وليس هناك من مجال للاستغراب من هذه الظاهرة، فالهزائم الني يمنى بها الاستعمار الفرنسي في الجزائر ليست إلا حلقة من سلسلة الهزائم التي تصيب الأوضاع التوسعية في عدن والبحرين وعمان والكونغو وكينيا وروديسيا ونياسلاند وغير ذلك من أرجاء العالم العربي والإفريقي.
إن الزحف العربي الإفريقي المقدس، الذي سيفضي إلى القضاء على مظاهر السيطرة والاغتصاب في آسيا وإفريقيا، ليس إلا نتيجة حتمية لتطور الوعي الإنساني العام، هذا الذي لا يمكن إيقافه وليس من المنطقي محاولة ذلك.
لكن هذا اللون من المنطق لا يبدو أنه يتسرب إلى أذهان كثير من المسؤولين عن الأوضاع التوسعية في العالم، ويلوح أن الفرنسيين أكثر تمثيلا لهذه الظاهرة الغربية، فالمنطق التوسعي الفرنسي أكثر ألوان المنطق التواء وأشدها استعصاء على الفهم.
لقد قال غلاة السيطرة في الجزائر أن استمرار الثورة الجزائرية ونموها الخارق، هو نتيجة تخاذل المسؤولين في باريس ووهن إرادتهم، ومن ثم كان انقلاب 13 مايو 1958 والإطاحة بالهيكل المتداعي للجمهورية الرابعة، وانتصبت الجمهورية الخامسة وهيمن«الغلاة» على الحكومة والبرلمان وغيرهما وكان ذلك كافيا عند«ديبلبيك» وغيره لإنهاء الثورة الجزائرية وإخماد لهيبها، ولكن الثورة لم تزدد إلا عنفا وشدة،ومضت جبارة قوية كأعنف الثورات وأقواها، وحينذاك فقط بدأت الآمال تخيب، وازدادت النفقات الحربية، وارتفع بالتالي منسوب الضرائب، واتخذ مستوى العيش طريقه إلى المزيد من الانخفاض، وبدأ الناخبون الفرنسيون يحسون بخطورة الوضع الذي ساهموا في إقامته، وعلى هذا فقد بدأت ترتسم في الأفق ملامح الانتقاض على هذا الوضع والتنكر له، بعد أن كان أمل الاستقرار والقوة والعظمة منذ شهور فقط.
وتحتاج فرنسا الآن أزمة نفسية حادة هي أخطر ما يواجه الشعوب في أكثر فترات حياتها جرحا ودقة، وكانت الدورة الأولى للانتخابات البلدية الفرنسية(8 مارس) مناسبة للتعبير عن وجود هذه الأزمة المعقدة التي هي في نفس الوقت أزمة«اتجاه» و«نظام».
لقد أسفرت الانتخابات عن تقدم محسوس في صفوف القوات اليسارية بما فيها الحزب الشيوعي الفرنسي، بينما أفضت- من جهة أخرى- إلى صورة معاكسة بالنسبة لبعض المنظمات اليمينية المغالية.
ولقد كان لذلك شديد الوقع في المحافل اليمينية الفرنسية، وخاصة في أوساط«الغلاة» في فرنسا والجزائر على السواء.
والواقع ان نتائج هذه الانتخابات لا تعنينا كثيرا من حيث اللون الذي قد تضفيه على الوضع السياسي الداخلي في فرنسا، ,إنما الذي يعنينا كثيرا هو ما توحيه من شواهد الانحلال الذي أخذ يتسرب إلى هيكل النظام السياسي المنبثق في فرنسا عن انقلاب 13 مايو.
ويضاعف من حدة«أزمة النظام» في فرنسا ، ازدياد خطورة الوضع في الجزائر وخاصة من الناحية العسكرية، وقد أعربت صحيفة« ريفارول» عن الجانب من هذه الأزمة النفسية التي تجثم على الكثيرين في باريس، وذلك حينما تساءلت عن«الجنرال دوكول، وهل يجديه في إيجاد حل للمشكلة أن يطهر الجزائر من عناصر الشقاق التي أحاطته بعطفها منذ تسعة أشهر فقط. تقول الصحيفة: أن الأمر على أكبر جانب من الخطورة، وأننا لم نفتأ نردد منذ أسابيع، أن الحالة في الجزائر لم تكن في أي وقت على ما توجد عليه اليوم من التعفن والتدهور، ولم تكن المعارك على هذه النسبة من الشراسة والضراوة، ولم تكن البلبلة أكثر تخييما على القطر بالقدر الذي توجد عليه الآن... »
   وهذا التشاؤم لا ينحصر في الأوساط الفرنسية، بل يعدوها إلى كثير من المحافل الدولية في أوربا وأمريكا وغيرهما.
وقد عكست جريدة «نيويورك هيرالد تريبون» بعض هذه المخاوف، وذلك حينما أكدت في أوائل الشهر الماضي على العلاقة المتينة الموجودة بين الانتخابات الفرنسية وبين قضية الجزائر...تلك القضية التي لم يفت الصحيفة الأمريكية الواسعة الانتشار، أن تبرز إخفاق الجنرال دوكول في حلها. ومرد هذا الإخفاق- بالطبع- نوع التفكير الذي يسود عقلية الجنرال في حل المشكلة، وتتجلى بعض جوانب هذه العقلية في عروض(السلام المشرف) واستدعاء أعضاء الحكومة الجزائرية إلى باريز«لتسليم العلم الأبيض» ثم أخيرا نقل الزعيم ابن بلة ورفاقه إلى إحدى القلاع الحصينة بجزيرة«ايكس».
وقد ثم نقل الزعماء الجزائريين«المختطفين» إلى مقرهم الجديد في يوم السبت 7 مارس الماضي، وذلك بعد أن أمضوا في سجن الصحة زهاء ثمانية وعشرين شهرا.
ولم يكن لهذا التعديل البسيط في وضعية«ضيوف ملك المغرب» إلا أن يستقبل ببعض الفتور في الأوساط الوطنية الجزائرية، كما لاحظت ذلك جريدة«لوموند»إلا أنه- مع ذلك- كان أساس لنقل القادة الوطنيين من وضعية المعتقلين العاديين، إلى النظام المخصص عادة لقادة الحرب..كما لاحظت ذلك نفس الصحيفة.
وقد أثارت هذه البادرة البسيطة ضجة صاخبة في أوساط«الغلاة»بالجزائر ولكنها- ككل المشاغبات التي يصطنعونها بين الفينة والأخرى- ليست إلا مظاهر مفتعلة تندرج ضمن أساليب الحرب السيكولوجية التي تمرسوا عليها كثيرا، فليس هناك- في الواقع- من تباين جوهري في وجهة النظر بين الجنرال دوكول والأوساط الاحتكارية التوسعية بفرنسا و الجزائر، بل إنه يبدو أن الرئيس قد أخذ يجنح إلى اعتناق مبدأ الإدماج الذي تتبناه هذه الأوساط، وذلك بعد ما كان يلوح عليه من فتور نحو الفكرة، وهكذا لم يعد ليده مجال للتحدث عن «الشخصية الجزائرية» التي كان يعني بإبراز إدراكه لها في كثير من أحاديثه السابقة.
وعلى هذا النحو تتضاعف عناصر الغموض السياسي في باريس بعد أن أضحى المجلس الوطني الفرنسي مرتعا لنفوذ المتطرفين اليمنيين من صنف« اتحاد الجمهورية الجديدة» ومن يحالفه من أساطين الرجعية التوسيع الفرنسية.قد تحدث الكاتب التقدمي الكبير«كلود برودي» عن هذا الوضع القاتم، وذلك في مقال له بصحيفة (فرانس اوبسير فاتور) أشار فيه إلى أنه من الضروري أن يتذكر الجميع( أن الظهير الأساسي للجنرال دوكول هو الجيش، وأن الجنرال لا يستطيع الاستقلال عن الإطارات العسكرية التي تسير هذا الجيش، ولهذا فإن السياسة الفرنسية الحقيقية ستبقى طويلا موضوع مساومات دقيقة بين رئيس الدولة وبين العسكريين، ويعني هذا أنها ستحتفظ بصبغتها الحالية وبالتالي فإن المصاعب المختلفة التي تثيرها هذه السياسة ستزداد خطورة وتعقدا...)
                                                   ***
وبينما تتعقد الأحوال السياسية في فرنسا وتتلبد سماء النظام العالي فيها بهذه الغيوم القاتمة، تتبلور الشخصية الدولية للحكومة الجزائرية وتتضاعف إمكانياتها السياسية والدبلوماسية على الصعيد الدولي، وقد أجرت الحكومة في غضون الشهر الماضي كثيرا من الاتصالات السياسية الهامة، وكان من أبرزها زيارة الرئيس فرحات عباس برفقة ثلة من الوزراء الجزائريين للمملكة العربية السعودية.
هذا وقد ترددت بعض الأصداء- في أوائل الشهر المنصرم- حول إمكان قيام الرئيس الجزائري برحلة لأقطار منطقة جنوب شرقي آسيا.
ويبدو أن سلسلة الاجتماعات التي كان على الحكومة أن تعقدها خلال الأسابيع الأخيرة، كانت من بين الأسباب التي حالت دون تحقيق هذا المشروع في الوقت الحاضر، ولعل الأسابع القادمة ستمكن الحكومة الجزائرية- ممثلة في الرئيس فرحات- من إجراء مثل هذه الاتصالات الدولية الهامة، إذ ان المفروض أن ذلك يساعد على تركيز مكانة الحكومة الجزائرية وتوسيع الآفاق الدولية التي تتفتح لها باستمرار، فالدول التي يتشكل منها قطاع جنوب آسيا وأواسطها تنتسب في مجموعها إلى دول«باندونغ»  وإلى الكتلة الإفريقية الأسيوية، وهي بهذا الاعتبار أدنى ما يمكن أن تكون إلى تفهم عدالة القضية الجزائرية ومشروعيتها، وإذا كان البعض منها لم يعلن إلى الآن عن الاعتراف الشعري بالحكومة الجزائرية، فمأتى ذلك- في بعض الاعتبارات- ترقب الكثيرين لإمكانية جنوح الفرنسيين للسلم، وتقلبهم مبدأ الاعتراف باستقلال الجزائر الناجز، ولا ريب أن اتصالات جزائرية آسيوية من صنف تلك التي يمكن أن يقوم بها الرئيس فرحات، قد تفضي على مفاجآت دبلوماسية هامة، نتيجة لما عسى أن تسفر عنه من اقتناع بعض حكومات الشرق الأقصى، بضرورة الاعتراف العاجل بالحكومة المؤقتة للشعب الجزائري المناضل.
وقد سجلت الحكومة الجزائرية في غضون الشهر المنصرم، نصرا هاما آخر على صعيد الحرب السيكولوجية فقد نشطت أجهزة الدعاية الاستعمارية أوائل الشهر الماضي في إقناع الرأي العام العالمي بوجود ما راقها ان تدعوه «شقاق خطيرا» في حظيرة الحكومة الجزائرية، ولم تأت هذه الدعاية الاستعمارية بما كان يتوقع لها من مفعول، فإن أساليب الحرب السيكولوجية الفرنسية قد أخذت تفقد بالفعل قدرتها على التضليل، ولهذا فإن«اكتشافات»  المراسلين الفرنسيين في الشرق الأوسط، لم تأت بأية نتيجة، سواء داخل الجزائر أو خارجها، وكانت مناسبة فقط، لتأكد الرأي العام العالمي من تفاهة المدعيات الفرنسية، وذلك حينما أعلنت الحكومة الجزائرية في بلاغ رسمي عما أمكن اعتباره نقضا صارخا لهذه المدعيات الخيالية.
                                                   ***
وبينما تسير حكومة الرئيس فرحات هكذا في طريق مكانتها الدولية وضمانة وحدتها العضوية الكاملة، وبينما تنطلق الثورة أكثر فأكثر صاعقة جبارة لتجتث أصول النظام الشاذ يجثم على الجزائر، ولتقضي على وجوده، تتضاعف أسباب الأزمة العامة التي تأخذ بتلابيب فرنسا، والتي هي نتيجة منطقية لحالة الحرب التي يشنها التوسعيون لحسابهم الخاص.
وتبدو هذه الأزمة في صورتها الاقتصادية أكثر حدة وأعمق تأثيرا، وقد صورت بعض مظاهرها جريدة( التايمس) الأمريكية في تعليق لها على الانتخابات البلدية الأخيرة في فرنسا، فقد أشارت الجريدة النيويوركية إلى أن« الفرنسي المتوسط كان يعيش في السنة الماضية عيشة رغد ورفاهية، لأنه كان لا يستطيع ان يدرك أن قيمة الفرنك حينذاك لم تكن تستند على أساس متين، وان الميزانية توجد دائما في حالة ارتباك، وان الإنتاج المحلي مرتفع التكاليف، ولكن عدم الإدراك هذا لم يكن ليحول دون تفاحش التضخم المالي، وانخفاض الصادرات وتسلل العملات الأجنبية، وأخيرا...البطالة...»
على أن كل هذا ليس من شأنه أن يثير الاستغراب، ففرنسا تنفق على المجهود الحربي في الجزائر ثمانمائة مليار من الفرنكات سنويا..

الوضع العسكري:
لم يعرف الشهر الماضي فتورا في ميادين العراك بمجموع القطر الجزائري، فقد سجلت الأسابيع الأربعة الماضية تطورات عسكرية هامة كان لجيش التحرير الجزائري فيها تأثير فعال وحاسم.
وقد انتزعت الانتصارات العسكرية الوطنية كثيرا من الاعترافات الفرنسية المتتابعة، ولكم يكن ذلك بالطبع، إلا ليبرهن على مدى فعالية الهجمات المظفرة التي تشنها وحدات الجيش الجزائري، ونجاح الخطط الحربية التي تنسق تحركات هذه الوحدات ؟ ففي بلاغ حربي صادر عن القيادة الفرنسية بتاريخ 11 مارس أعلن أن بعض كتائب جيش التحرير تمكنت في مدى الفترة المتراوحة بين 2 و8 مارس من قتل 59 من جنود القوات الفرنسية المقاتلة، وذلك بعدما اعترفت بلاغات فرنسية سابقة بكثير من الخسائر الأخرى في الأرواح والبنايات.
ومن جانب آخر فقد راع السلطات العسكرية الفرنسية ما تتوفر عليه التحركات الوطنية من دقة متناهية وما تصيبه من نجاح في مختلف ميادين العمليات، ولهذا فقد عمد الجنرال«شال»  إلى انتهاج خطط جديدة في نشاط القوات الفرنسية المقاتلة بعد ما لاحظته من إخفاق مبدأ الاعتماد على التفوق العددي في الجنود والعتاد كما كان الشأن سابقا، وعلى هذا فقد دأبت القيادة الفرنسية- في الأسابيع الأخيرة- على توزيع القوات المحاربة في شكل كتائب صغيرة، حتى تكون أكثر قدرة على حرب العصابات والقيام«بالعمل المستمر»  على حد تعبير البلاغ الفرنسي الصادر أوائل الشهر الماضي.
وقد ظنت أركان الحربية الفرنسية، ان هذه الخطة ستكون أكثر فعالية في مقاومة الضغط المتزايد عليها من طرف جيش التحرير في مجموع القطر.
لكن سير العلميات قد برهن على تفاهة هذه الخطة من الوجهة التقنية العسكرية الصرفة، بل إنها أضحت تساعد القوات الوطنية على القيام بنشاطها المعتاد في ظروف أحسن، فقد كانت هذه الخطة الفرنسية في الواقع متلائمة«وإستراتيجية الكمائن»التي تركز حولها في غضون الشهر الماضي، قسط هام من نشاط القوات الوطنية الجزائرية ! وقد نجحت قيادة جيش التحرير في أحكام« كمائن» متعددة، كان الكثير منها يسفر في الغالب عن نتائج عسكرية لامعة، ومن ذلك كمين« عين بسام»و «تينيس»حيث تمكن الجنود الجزائريون من قتل 64 من الفرنسيين، طبقا لما اعترف به البلاغ الفرنسي الصادر في العاشر من مارس الماضي.
ومن جانب آخر فقد تركزت هجمات وحدات القوات الوطنية في الأسابيع الأخيرة على الخط المكهرب الذي يمتد على طول الحدود الجزائرية التونسية، وقد تمكن الجيش الجزائري بالفعل من إحداث كثير من الثغرات في الخط، رغم إحجام القيادة الفرنسية من الاعتراف بذلك.
وقد شرعت السلطات العسكرية الفرنسية بالفعل في تجديد الخط وبناء أقسام جديدة فيه، الأمر الذي يبرهن عما أصابه من إتلاف خلال الهجمات الوطنية الأخيرة.
وقد كان من شأن هذا النشاط المتزايد الذي يبديه الجيش الجزائري أن يثير مخاوف السلطات العسكرية الفرنسية، وقد دلت الشواهد على أن هذه المخاوف تتضاعف باستمرار، ومن البيانات على ذلك ما أعلنه وزير الجيوش الفرنسي في خامس مارس الماضي أثناء رحلته في الجزائر، من أن القادة العسكريين الفرنسيين قد أعربوا له عن حاجتهم الملحة إلى المزيد من النجدات، وذلك نظرا لاشتداد الهجمات الوطنية،«وتناقص» عدد الجنود الفرنسيين وازدياد الأعباء التي يقتضيها كل ذلك.
على أن هذا الوضع العسكري الذي يحرج العسكريين الفرنسيين، لا يجوز أن يبقى دائما محدودا بحدود الإمكانيات الحربية الحالية، ان هناك من الإرهاصات ما يوحي بأن آفاقا عسكرية جديدة قد تتفتح في ميادين العراك بالجزائر، وقد المعت الى ذلك جريدة « الا وبسيرفاتور» حيث أشارت في أحد إعدادها الأخيرة إلى إمكانية إقدام الحكومة الجزائرية على توسيع نطاق الحرب واستيراد الأسلحة لهذه الغاية من الصين الشعبية.
فإذا تم ذلك فإن وجه الحرب في الجزائر قد يتغير ليأخذ صورة أخرى شبيهة لما كان عليه الحال في المراحل الأخيرة لحرب الهند الصينية.
وإذا ما وضعنا في الاعتبار إلى جانب كل ذلك ما أشارت إليه بعض الوميات الباريسية، من احتمال تدرب فريق من الشبان الجزائريين على الطيران الحربي في بعض الدول الصديقة، وذلك لحساب الجيش الوطني الجزائري، أمكننا أن ندرك مدى سعة الاحتمالات التي ينطوي عليها الصراع الحالي في الجزائر والمفاجآت التي قد ينبثق عنها الصراع.
ولعل خشية المسؤولين الفرنسيين من مثل هذه الاحتمالات هو الذي حدا بحكومة باريس إلى مطالبة الحلف الأطلسي بتخويلها حق الإشراف على أسطولها العامل في مياه البحر الأبيض المتوسط، ولعل ذلك أيضا كان من ضمن ما أوحي للمسؤولين الفرنسيين بإيثار صحراء المغرب العربي كمجال لإجراء التجارب الصاروخية والذرية المتتابعة، فهل كان ذلك بدافع الرغبة في التهديد ؟ أو كان مجرد تظاهر بالقوة والمنعة ؟ أم أنه كان استعدادا لتنفيذ خطـط استعمارية شاذة ؟
تلك أسئلة قد تجيب عنها الأيام.

أراء أجنبية:
برنار لافيرن:
هناك حقيقة واقعية: ذلك أنه إذا انقضى عام 1959 ولم يتم التوصل إلى السلام بالتفاوض مع ممثلي الثورة، فإن الأحوال ستسير في فرنسا لغير صالح الحكومة، فقد كان للتدابير المالية الأخيرة من التأثير، ان أفضت إلى إقناع الفرنسيين بأن حرب الجزائر غدت تكلفهم أعباء باهظة لا تحتمل فالنظام الجبائي يلتهم الآن النصف من مجموع الموارد الوطنية، وذلك بنسبة 35 في المائة مما تصادره الدولة و15 في المائة مما تستولي عليه السلطات العمومية المحلية.
ولهذا فقد كان من الطبيعي أن تشعر الأمة، بأنه أصبح  من غير الممكن أن تتحمل كل هذا الضغط الجبائي العالي، خاصة وانه لا يوجه توجيها يعود بنفع آجل للبلاد.
لقد كانت الجمهورية الرابعة تعاني الكثير من الأدواء عند ما نشبت الحرب في الجزائر، ثم قضت نحبها نتيجة قصورها عن حل هذا المشكل العضال، والجمهورية الخامسة لا يمكن ان تتخلف عن القاعدة ولهذا فإنها ستواجه نفس المصير، وستكون نهايتها أكثر سرعة إذا لم تتوفر لها- لسوء حظها- القدرة علة وضع حد عاجل لهذه الحرب.
إن السلام في الجزائر سوف لا تتوفر أسبابه- سواء أحببنا أم كرهنا- إلا عن طريق المفاوضات بالرغم عن ضيقه وصعوبته.
استمرار أو فناء، تلك هي القضية الأساسية بالنسبة للنظام الحالي في فرنسا، ولكن كل ذلك يرتبط بموضوع واحد: الحرب أو السلم في الجزائر.
موريس ديفرجي: يميل كثير من الأوربيين في الجزائر إلى إيثار الإرهاب كوسيلة مثلى لحل المشكلة الجزائرية، ولكنه يعزب عن أذهانهم أنه سيصبح من غير الجائز إقامة نظام تحكمي في الجزائر(!؟) في نفس الوقت الذي يمكن فيه الحفاظ على سلامة النظام الديمقراطي في فرنسا.
على أن كثيرا من «الغلاة» سوف لا يتورعون عن اللجوء إلى ذلك في حالة ما إذا أحسوا بالحاجة إليه، لكن إذا ما تم ذلك فسيكون معناه أفول نجم فرنسا، وليس هناك ما قد ينتج عن ذلك إلا التحطيم السريع للحظوظ التي تتوفر للأمة الفرنسية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد كان في وسع السيد «دبري» وهو يلقي خطابه عن انبعاث الوعي القومي، أن يخلص من ذلك إلى التعرض للحقائق (التي من هذا الصنف) والتي لا يمكن إلا أن يكون ملما بها.
ومن جهة أخرى فإن الجيش إذا ما بقي مصرا على التدخل في الشؤون السياسية للجزائر، فإنه سيصبح من العسير على السياسيين أن يمارسوا تنفيذ برامجهم في ظل الجمهورية الخامسة كما كان عليه الأمر تحت نظام الجمهورية الرابعة.
إن الإبقاء على المشاكل دون حل، والاعتماد على الزمان في نسيان تلك المشاكل، واختلاف حالات من الغموض اللازم لتأخير بوادر الانفراج، ولكي تبقى الأبواب موصدة دون هذا الانفراج: تلك هي الطريقة التي كان ينهجها «لاكوسط» بشكل فظيع، ويتبعها الآن النظام الحالي بصورة أقل فظاعـــــــة(! ؟).
إن الضباط يدركون الآن بصورة متفاوتة في الوعي، ان العمل العسكري البحث لم يعد ذا غناء. وأن الأساليب البوليسية لا يمكن أن تفضي إلا إلى التحام رهيب، ولهذا فهم يشعرون الآن أن الساعة قد أزفت لمباشرة العمل السياسي..
جاك آرنو: أن الجديد في الوضع الحاضر، هو الرغبة العامة التي يحسها فريق هام من كبار الرأسماليين الفرنسيين في وضع حد للحرب المستعرة في الجزائر، لأن استمرار هذه الحرب يكاد يؤدي بالمستقبل الباهر الذي كانوا يتهيأون له.
حقا أن المنافع التي يمكن الحصول عليها عن طريق استغلال اليد العاملة الجزائرية ليست مما يجوز إغفاله، ولكن هل يمكن اجتناء هذه المنافع في استغلال الثروات المعدنية في الصحراء ؟
كيف يمكن إذن حماية الآبار والطرق التي يمر عبرها البترول ؟ كيف يمكن ذلك ولو مقابل التنازل عن بعض الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ؟
إن هذه الحماية هي المشكلة التي تستبد الآن كثيرا باهتمام الرأسماليين الفرنسيين، وقد وكلوا أمر تحقيقها إلى الجنرال دوكول...؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here