islamaumaroc

دفاع عن المولى إسماعيل

  دعوة الحق

143 العدد

من المؤرخين والكتاب من يتجاوز الحد في نقد بعض الشخصيات التاريخية اللامعة، فيحاول عن قصد أو عن غير قصد تشويه سمعتها وإعطائها أقل ما تستحقه من تقدير واعتبار واحترام وإكبار، لما يذلته من جهود في سبيل إعادة عزة مسلوبة، أو كرامة مغصوبة، أ الدفاع عن شرف مكلوم، أو توحيد صف مفكوك مثلوم، والواقع أن محاولة النبل من شجصية مشهورة بأعمالها العظيمة ومواقفها البطولية التاريخية، يغري الباحثسن بالرجوع إليها واستجلاء موقفها ومكانتها وفلسفتها ، فيتبين أن الذي رامها بالسوء أو رماها بالإثم والانحراف، إنما فعل ذلك لحقد دفين في قلبه أو غرض أثيم في نفسه، وذلك ما فعله مستر روم لاندو في كتابه :"تاريخ المغرب في القرن العشرين- الترجمة العربية"  حين تعرض بالحديث عن شخصية المولى اسماعيل مفخرة الدولة العلوية الشريفة.
فالسلطان مولاي اسماعيل عندما تربع على عرش المغرب (1672-1727) كان من واجبه أن يرسي دعائم دولته الجديدة الناشئة وأن يوحد الأمة المغربية تحت سلطة شرعية واحدو وكان من واجبه أن ينظم جيشا مغربيا قادرا على الدفاع عن حوزة الوطن وصيانة سيادته وكرامته، وكان عليه أن يقر الأمن في البلاد ليعيش الناس آمنين على أنفسهم وأموالهم، متمتعين بالعدالة والاستقرار والرفاهية والازدهار. وكل ما ذكرناه يتوقف على شخصية قوية تمتاز بعزيمة ثابتة، وإرادة قاهرة، وإدارة حازمة، ومهارة في القيادة والسياسة فريدة، وقد كانت تلك الشخصية هي شخصية مولاي اسماعيل الذي استطاع أن يحقق أكبر قدر ممكن من مثل الوطن العليا وأهداف الأمة الشريفة. زكيفما كانت الوسائل والأساليب التي اتخذها وسلكها لتحقيق تلك المثل والأهداف، فالمهم أنه حقق قدرا كبيرا من النجاح على الصعيد الداخلي والخارجي، والغاية تبرر الوسيلة كما يقال. وإذا كانت أساليب القيادة والسياسة تختلف باختلاف الزمان والمكان، فإن طريقة مولاي اسماعيل القيادية والسياسية لا تختلف عن الطرق المألوفة لدى القادة والملوك الذين عاصرهم، فكانت دولته مرفوعة الرأس مرهوبة الجانب، وذلك ما جعله مفخرة  من مفاخر المغرب. نعم لقد كان صارما في وجه المنشقين والمتمردين، ومعلوم أن الشريعة الإسلامية لا تبيح التساهل مع المفارقين للجماعة، لأن لزوم الجماعة واجب شرعا.
بويع أبو النصر اسماعيل بن الشريف العلوي بمكناسة الزيتون (مكناس) في 15 ذي الحجة لمملكته لما امتازت به من عذوبة ما، ونقاء هواء، وموقع جميل، وياريخ حضاري أصيل. وقد قال فيها شاعرها ابن عبدون:

أن تفتخر فاس بما في طيها
                وبأنها في زيها حسناء
يكفيك من مكناسة أرجاؤها
              والأطيبان هواؤها والماء
ولما استقر ملكه، وتغلب على جميع العقبات بمواقفه الحازمة ، وجه عنابته إلى تحرير الأراضي المغربي المغتصبة. فتقدم إلى "المهدية" وكانت في يد الإسبانيين فانتزعها منهم في 15 ربيع الثاني سنة 1092 هـ - 1681م. وكان الإسبانيون قد احتلوها في شهر غشت سنة 1614.
وكانت "طنجة" في يد البرتغاليين منذ القرن الخامس عشر. فلما تم اقتران كارلوس الثاني ملك إنجلترا بالأميرة كاتالينا أخت ألفنصو السادس ملك البرتغال سنة 1661 زفت الأميرة البرتغالية إلى الملك الإنجليزي مع هدية مكونة من نصف مليون جنيه استرليني مقرونة بمفتاحي طنجة وبومباي. وابتداءا من شهر يناير 1662 أصبحت طنجة مستعمرة إنجليزية، وكان كارلوس الثاني يعدها ألمع جوهرة في تاجه، ولكن المولى اسماعيل انتزع تلك الجوهرة اللامعة من تاج إنجلترا إلى الأبد، وأعادها إلى تاج المغرب إلى الأبد. ولعل هذا الحديث التاريخي أنار حقد روم لاندو على المولى اسماعيل فتعرض له بالقذف والذم وإن كان فد اعترف له بالفضــــل  والعظمــــة (1) وهو تناقض بارز في كلام الكاتب، مدح الرجل ثم ذمه في نفس الوقت وكان الذم أدهى وأمر، وكأنه أراد أن يعطينا درسا في البلاغة والبيان، ولكننا لمسنا في حديثه طنجة وأسفه المكبوت على فقدها (2) صورة للحقد الذميم على الرجل العظيم الذي استرجع طنجة، فيصدق على الكاتب قول الشاعر:
وإذا أتتك مذمتي من حاقد
              فهي الشهادة لي بأني كامل
وكان استرجاع طنجة في شهر ربيع الأول سنة 1095 هـ - 6 فبراير 1684 بعد حصار طويل.
ولم ينس اللورد دارموث (؟) آخر حاكم إنجليزي لطنجة قبا الانسحاب عنها برجاله وعتاده أن يأمر بتدمير حصونها وميثائها وتخريب معالمها الحضارية!. وتقدم الجيش الإسماعيلي إلى "العرائش" فانتزعها من يد الإسبانيين في شهر المحرو سنة 1101 هـ- 1689م. بعد حصار دام أربعة أشهر ، وكان الإسبانيون قد احتلوا العرائش في شهر نونبر سنة 1610م. ثم تقدم الجيش الإسماعيلي إلى "أصيلا" فاسترجعها من يد الإسبانيين سنة 1102 هـ 1691م، بعد حصار دام سنة كاملة.
وكان المغاربة قد اغتموا لاحتلال الثغور المغربية حتى لبسوا النعال السود، فلما تم استرجاع معظمها عم الفرح والابتهاج، واستبدل الناس البلغة(الحذاء) السوداء بالبلغة الصفراء!
ثم تقدم الجيش الاسماعيلي إلى مدينتي سبتو ومليلية فحاصرهما حصارا شديدا. وحضر مولاي اسماعيل بنفسه حصار سبتة في عشرين ألف مقاتل ، غير أن الظروف والإمكانيات لم تساعد على استرجاعها بعد أن قام الإسبانيون بتحصينهما تحصينا عسكريا منيعا. ومع ذلك فإن المغرب لم ييأس من استرجاعهما وولم يتخل عنهما ، وما زال يطالب بهما ، وما ضاع حق وراءه طالب.
وقد نظم مولاي اسماعيل الجيش المغربي تنظيما فريدا ، وقسمه إلى قسمين:
1) جيش الودايا أو الجيش الأبيض. وألفه من أربعة أرحاء: رحى سوس، ورحى المغافرة، ورحى الودايا، ورحى الريف، ويطلق على الجميع اسو الودايا تغليبا.
2) جيش العبيد (البواخرة) وألفه من السينغاليين الذين استوطنوا المغرب بعد استيلا ء المنصور الذهبي على السينغال . وكان البواخرة عمدة الجيش الاسماعيلي. ووصل عددهم إلى مائة وخمسين ألف جندي بخاري.

وسبب تسميته الجيش الأسود بالبواخرة، هو أن مولاي اسماعيل جمعهم وأخذ عنهم عهدا أمام نسخة من كتاب صحيح لبخاري، فقال لهم: "أنا وأنتم عبيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه المجموع في هذا الكتاب". فعاهدوه على ذلك، فأمر بالاحتفاظ بتلك النسخة يحملونها عند ركوبهم، ويقدمونها أمام حروبهم، فقيل لهم عبيد البخاري. ويطلق على الفرد منهم أو من نسلهم بخاري، ويجمعونهم باسم البواخرة. وجرد المولى اسماعيل المدنيين من السلاح، ولم يسمح بحمله إلا للجنود، أو برخصة خاصة. وكانت مهمة الجيش الاسماعيلي المرموم هي: المحافظة على سيادة الدولة والدفاع عن حوزة الوطن من جهة. وحراسة الطرق ونشر الأمن من جهة أخرى.
وقد تم لمولاي إسماعيل ما أراد من إقرار الأمن والنظام، فعاش الناس في عهده في رخاء وسلام. وأقبل العاهل على عاصمته يخاد فيها مآثره العديدة، وزيادة على ذلك جدد ضريح مولاي إدريس الثاني بفاس ، وجعل مسجده مسجد خطبة. وفي سنة 1226 هـ ، أمو بتلاوة "حديث الإنصات" يوم الجمعة عند خروج الإمام وجلوسه على المنبر. وما زال الناس على هذه السنة الإسماعيلية إلى يومنا هذا. ومن مظاهر ورع مولاي اسماعيل أنه لم يعهد بالملك لأحد من أبنائه. وقصة ذلك كما رواها التاريخ أنه لما أصيب بالمرض الذي مات منه وذلك في شهر جمادى الأولى سنة 1139 هـ . استدعى وزيره العالم الكاتب أحمد اليحمدي وقال له :"إني في آخر يوم من أيام الدنيا، فأحببت أن تشير علي بمن أقلده هذا الأمر من ولدي، لأنك أعرف بأحوالهم مني". فقال اليحمدي:"يا مولاي لقد كلفتني أمرا عظيما، وأنا أقول الحق أنه لا ولد لك تقلده أمر المسلمين. كان له ثلاثة: مولاي محرز ومولاي المأمون ومولاي محمد فقبضهم الله إليه". فقال له السلطان:"جزاك الله خيرا" ولم يعهد لأحد من أبنائه تورعا، وكان قادرا لو شاء، ولكنه ترك الناس أحرارا ليختاروا ما شاءوا من أنظمة الرجال. فاختاروا نظام مولاي اسماعيل، وأبناء ثم أحفاد مولاي اسماعيل.
وتوفي مولاي اسماعيل رحمه الله في 28 رجب سنة 1139 هـ 1727م. ودفن في مكناس بضريح الشيخ سيدي عبد الرحمن المجذوب. وترك المغرب قويا منظما مرفوع الرأس موقور الكرامة.

 


(1) تاريخ المغرب في القرن العشرين – الترجمة العربية ص 21-22.
(2) نفس الكتاب ص 218.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here