islamaumaroc

[كتاب] الشرق في فجر اليقظة، لأنور الجندي

  دعوة الحق

العددان 138 و139

ليس في وسع أي باحث، مهما أوتي من الوقت والعلم، أن يخرج هذه الصفحات التي تجمع بين التاريخ والأدب، إلا أن يكون الأستاذ أنور الجندي، الذي توافر له الوقت، وطاوعه قلمه، وسعت إليه المراجع، وتيسرت له المقابلات والمحادثات.
رسم الأستاذ المؤلف صورة المجتمع من عام واحد وسبعين وثمانمائة بعد الألف إلى عام تسعة وثلاثين وتسعمائة بعد الألف، أي منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل الحرب العالمية الثانية، في قطاعاته المختلفة، من خلال الندوة والمدرسة والمقهى وعيادات الأطباء ومكاتب المحامين، ومن ثنايا ندوات الفن وحلقات الشعراء، ومجالس الفكاهة، وصيحات المرأة، ورسائل الأدباء، ورحلات المسافرين مسجلا الاهتزازات التي كان ينمي بها هذا المجتمع، وتسير في مجالاته من جد وهزل، وتجربة وخطا، وفكاهة ونقد..
بدا الأستاذ الجندي كتابه برسم صورة المجتمع المصري قبل مجيء السيد جمال الدين الأفغاني إليه، ولا سيما ما انبعث من الأزهر الشريف في أواخر القرن الثامن عشر، وقيادته الرشيدة، وبروز علمائه الأعلام الذين مهدوا لهذا التطور الذي أصاب العلم العربي، وأحدث هذا الانقلاب الذي تمثل في الشيخ الدرديري، وعمر مكرم، ورفاعة الطهطاوي، وعياد الطنطاوي، وحسن الطويل، ومحمد عبده، وحسن العطار، ومن سار على نهجهم، وتأثر بتعاليمهم، وعمل على أن يكون قدوة ونبراسا.
ولقد استطاع العلامة جمال الدين، أن يهز الشرق كله، ويروع النائمين، ويمسح بيده الكهربية، كل من لامسه، أو صافحه، حتى وقفت الهند وايران والأفغان وتركيا ومصر، تزيل عن كاهلها كل ما علق بها من تعاليم يقنة، وتنفض عنها غبار الجهل والتخلف.
أرخ المؤرخ لهذا التحول الذي أصاب العالم من وراء الكتابة والندوة والحكمة التي كان يجتمع لها جمال الدين، ويعمل على أن تتغلغل في الأعماق.
لكن هل وقف جمال الدين بتعاليمه عند الأزهر وحده، أم هل أثر في مجالات أخرى عبر هذا الأزهر الذي انقسم شبابه حيال تعاليمه ؟
يقول المؤلف نقلا عن الأستاذ سليم منصوري، وكان أكثر لصوقا بالفيلسوف وأعرف الناس بنظام حياته الخاصة : « إنه كان يقطع بياض نهاره في داره، حتى إذا ما جن الظلام خرج متوكئا على عصاه إلى ملهى قرب الأزبكية، يدعى : «قهوة البوسطة» وجلس في صدره فئة تتألق حوله على هيئة نصف دائرة، ينتظم في سمطها : اللغوي والشاعر والمنطقي والطبيب والكيماوي والتاريخي والجغرافي والمهندس والطبيعي، فيتسابقون على إلقاء أدق المسائل عليه، وبسط أعوص الأحاجي لديه، فيحل أشكالها فردا فردا، ويفتح إغلاق طلاسمها ورموزها واحدا واحدا بلسان عربي مبين، لا يتلعثم ولا يتردد، بل يتدفق كالسيل.. من قريحة لا تعرف الكلال، فيدهش السامعين، ويقحم السائلين ويبكم المعترضين، ولا يدع هذا الشأن شانه، حتى يشتغل رأس الليل شيبا وترعى غزالة الصبح نرجس غزالة الظلم، فيقفل إلى داره بعد أن ينقد صاحب الملهى، كلما يترتب له في ذمة الداخلين في عداد ذلك المجتمع الأنيق »
وقد انقضت ندوة جمال الدين بعدما أتمرت هذا الثمر اليانع، وأعقبتها ندوة الأستاذ الإمام محمد عبده، الذي خلف أستاذه في حمل لواء تعاليمه الكريمة، ونهضته بالشرق، ومحاربته الجمود الفكري الذي اقتلع جذوره السيد جمال الدين ..
وليس شك في أن تسجل هذه الندوات التي قام بإحصائها وأثرها في الأدب والفكر الأستاذ أنور الجندي بالشيء المهم .. فكثير من الأدباء كانوا يسمعون عن هذه الندوات، وإن كانوا قد لحظوا أثرها في جل ما كتب وسجل عنها طيلة قرنين أو ثلاثة.
والحق أن القاهرة قد شهدت عشرات الندوات والسهرات التي كانت تضرب أطنابها هنا وهناك في جنباتها، يفوح منها عبير العلم كله ليلة ويشع منها نور العرفان، فصالون « نازلي فاضل» كن يؤمه النوابغ، وكانت قهوة « متانيا» مجلسا لبعض رجال القلم، كذلك كانت قهوة «جراسيمو» وقهوة استانبول و «الاسبلنديارد».
وفي الحي الحسني وجدت هذه النزعة مجالها في بعض مقاهي الحي الذي أطلق عليه : لقب الحي اللاتيني تشبها بما يطلق في باريس على الحي اللاتيني الذي يجاور «السوريون» و «الكوليج ذي فرانس» و «البالشيون» فضلا عن أندية أدبية كان لها دوي، وأثر محمود في الأدب والعلم ..
ولقد خص الأستاذ أنور الجندي، ندوة السيد البكري بالخرنفش في فصل من هذا الكتاب، وأشار إلى المناقشات التي كانت تدور فيها، والوفود التي تحج إليها عشية كل يوم، وما كان لأصحابها : خلفا عن سلف من أثر التوجيه الأدبي، والتطور الذي أصاب العمود الفكري في صميمه.
على أن الذي يدعو إلى قراءة هذا الكتاب، وضع كل ناد في موضعه، وانفراده ببعض الميزات، وطابعه الذي عرف به، فقد كانت ندوة شيخ العروبة على شاطئ النيل، بجيزة الفسطاط، يغلب عليها السماط الذي يشترك فيه كل من يحضرها، وكانت ندوة أحمد تيمور بالزمالك، تتسم بروح الدعاية والمرح والنكات والنوادر، وإن كان صاحبها يجد بالتنقيب في الكتب، ويغوص بين المخططات كما كان صاحبه أحمد زكي باشا، وكانت هناك ندوة طلعت حرب، وتاريخها معروف مشهور يقترن بالتحول الاقتصادي والحركة الوطنية المصرية ..
ووسط هذا التاريخ، لم ينس الأستاذ المؤلف، ندوتين من ندوات القاهرة كأننا قطبي الرحي، ومداري التوجيه بين هذه الندوات، هما ندوة الشاعر الراحل : السيد حسن التاباتي، بداره بالسكرية بالقرب من باب زويلة، تحت سور القاهرة القديم، وندوة البابلي بالمعادي، أو بالسيدة زينب ..
ولكن الذي يؤخذ على الأستاذ المؤلف، في ذكر ندوة التاباتي، إنه ذكر أن الشاعر حسن التاباتي هو الذي بدأ بالاجتماع فيها، ولكني أستطيع أن أجرم أنني كنت من رواد هذه الندوة سنين عده في عهد صاحبها الشاعر .. ولم أدرك أنا، ولم يدرك المؤلف نفسه، عهد الشيخ مصطفى التاباتي، المؤسس الأول لهذه الندوة، التي أكملها السيد حسن في عصرنا الذي خرجنا فيه نسعى إلى الأندية، ونبحث عن الندوات.
أما دار البابلي، فقد عمرت كثيرا، وطار اسمها في كل مكان، بما عرفت به من الفكاهات العذبة، والنكات المستملحة..
وهناك عشرات الأندية، أرخ لها، وأبرز طابعها، وما اتسمت به الأستاذ المؤلف، وإن كان في هذا التاريخ كثيرا ما يعتمد على الصحف والدوريات التي كانت تسجل أحداث هذه النوادي، وتبرز حوادثها على حسب ما يهوى أصحابها أو يشتهي الرائدون منهم .. فلم ينصرف الناس عن مقهى « الحلمية» بموت الشاعر الهروي، وإنما كان يغشاه : « الزين والأسمر وكثير من أدباء الجبل، ويكفي أن يكون الشاعر الراحل عبد الله عفيفي في مقدمة من كانوا يزورون هذه الندوة صباح مساء وهو في طريقه إلى عمله في قصر «عابدين» وكان الراحل الشاعر حسن القاياتي، كثيرا ما يبعث بي إلى هذه المقهى، لأستطيع وجود هذا الشاعر وغيره من جلة الأدباء، ثم يصطحبني وإياه في عربة «حنطور» إلى ذلك المكان حيث نقضي شطر الليل الأول، ثم نعود وقد اكتمل عقد ندوته بداره بالسكرية ...
والحق، أن تعداد المؤلف لهذه الندوات يعد ضربا لم يسبق إليه كاتب من قبل سواء في القديم أو الحديث، لأن جمع المادة التي يعمر بها المجلس، واصطحاب الرواد، ويناولهم هذا التناول الأمين، لا يتيسر إلا لعالم بمسالك هذه النوادي، يلم الإلمام الواسع بهذه الكتائب التي يهمها الغلب في الحديث، والسبق في الرد والمجادلة، وليس في مقدور أي كاتب أن يجمع هذا التنافر على صعيد واحد، وإن اتفقت هذه الأندية في الغرض والاتجاه، تعمل للأدب، وتفتن في النهوض به وتدعو إلى التحليق حول موائده ..
وقد عقد الأستاذ الجندي، فضلا ممتعا، عن « الكتاب»، وما كان يمثله في القرن التاسع عشر، وآراء كبار الكتاب فيه، ثم ما كان عليه الأزهر الذي كان يتغذى منه، والأزهر والجامعة القديمة، والشخصيات التي أثرت في المجتمع وعبث تعاليمها من هذا الجامع العتيد، كالدكتور زكي مبارك ورأي الأستاذ العقاد فيه والدكتور طه حسين ومقالبه ومشاغباته مع أساتذته ودروس الشيخ المهدي، والتجديد الذي دخل الأزهر، والصيحات التي علت ضد البغاء والمسكرات، وتمثلت في الشيخ أبي العيون، والدكتور أحمد علوش.
ولم يفت المؤلف، أن يسجل إلى جوار النواحي الأدبية، ومكاسبها، النواحي الاقتصادية والتعاونية والطبية، بارزة على يدي : عمر لطفي، وعلي إبراهيم ومحجوب ثابت، وإبراهيم ناجي، وعشرات غيرهم من الأدباء الفلاسفة المتفننين غير أبواب شائقة، تحرر للمحامات، وأثر كبارها، والدعوة إلى تحرير المرأة ودفاع قاسم أمين ..
على أن الملفت للنظر حقا في هذا الكتاب، أنه بديء بالتاريخ للأدب، وأثر ندواته فيه، وختمه صاحبه بالفن، وأثر المغنين الذين لعبوا دورا هاما في ميدان الموسيقى والغناء، وما فعله الشعر في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن مثلا في البارودي وشوقي وحافظ، فضلا عن شعراء الفكاهة والمداعبة الذين احتلوا من النفوس مركزا، ومن القلوب مكانة، كعبد الحميد الديب، ومحمد مصطفى همام، وحسين شفيق المصري، وبيرم التونسي، وطاهر أبو فاشا.
غير أن الفصلين اللذين عقدهما المؤلف في هذا الكتاب بعنوان «رسائل الأدباء» و : «ذكريات الصحافة والطيران» يعدان بمثابة «الرقعة» أو الحشو، بجانب أبوابه الكثيرة .. وليس بنافع المؤلف الفاضل، أن يدافع عن الإثبات بحجة استكمال التاريخ لهذه الحقبة.. فلقد كان يمكن أن يأتي بجديد في هذه الرسائل، أو ينشر ما وقع بين هؤلاء الأدباء أنفسهم من صراعات عادت بمكاسب على الأدب، وزادت من حصيلة الأدباء .. وإلا ماذا يعني أو يفيد من نشر رسالة وجهها أحمد زكي إلى شكيب أرسلان، أو من الآنسة «مي» إلى فريد وجدي، أو من مصطفى لطفي المنفلوطي إلى حسين أنور الموسيقار .. أو من الدكتور عبد الوهاب عزام إلى ابنته، أو محمد المويلحي إلى سليم سركبس. وماذا يفيدني إذا علمت : أن عزيز خانكي قد عمل بالمحاماة خمسين عاما، وان الدكتور علي عبد السلام خريج جامعة كمبردج، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة قد امضي عشر سنوات في مستشفى المجاذيب.
والواقع أن الأستاذ أنور الجندي، قد شعر بأنه أتقل على القارئ، وشق عليه بمطالعة هذين الفصلين، أو هما لا يعفيانه من اللوم، أو يأخذا له بجريرة، فبادر إلى سوق طائفة مكن أحاديث الظرفاء والقدماء الذين ترددت أسماؤهم كثيرا ولعبوا دورا هاما في مجالي الظرف والندامة، ولكن مساق هذه الفكاهات، لم يكن بالشيء الذي ينتظره الأدباء من أديب كالجندي، له مؤلفات عدة، وأبحاث مشرقة تدل على سعة إطلاعه، واجتهاده في كثير من مجالات الآداب والفنون .. ودون ما شك، فإن رواية هذه النكات، وإثباتها على علاتها، دون مناقشتها أو إبداء الرأي فيها، ليدل دلالة واضحة، على أن المؤلف، يريد أن يضخم من صفحات الكتاب، أو يسلك نفسه في عداد الذين يمطرون المكتبة العربية كل عام بسيل جارف من المؤلفات ..
فحوادث هذه الحقبة التي حددها المؤلف، لا يستعصى أرواؤها على ناشئة الأدب، وشداة البيان، فأكثرها مثبوت مسطور في أكثر من كتاب، وأكثر من صحيفة، ويحفظه عدد ضخم من الأدباء وإن كان للأستاذ الجندي العذر في إثبات هذه النوادر، فهي –في نظره- تمثل قطاعا خاصا لفترة محدودة الزمان والمكان، وإن كنت أنا شخصيا لا أعفيه من اللوم إذ ليس من الصعب على رجل مثله، شغل نفسه منذ سنين عدة بهذا الجانب الحيوي من التاريخ الأدبي اللامع، أن يأتي بجديد، يحمد له في باب من أبواب الأدب، وينظر إليه الأدباء على انه حسنة من حسنات
الجندي نفسه وعقله في تقديمها خالصة لوجه الله والأدب ...
ومن المطاعن التي وجهت إلى هذا الكتاب الجليل، وأصبحت وصمة عار تلازمه، إلى أن يمضي فيه صاحبه برأي، تلك الأخطاء اللغوية والنحوية التي لا يصح أن يخرج كتاب كهذا بها .. فمن أول صفحة إلى آخر سطو- وما أكثر صفحات الكتاب وعدد سطوره- تختال أخطاء مشهورة، وتمسك بعيني المطالع أيا كانت ثقافته، وحظه من العلم والثقافة، غير تلك الأخطاء المطبعية التي ضربت بجرائها على حروف جل الكلمات ..
ومهما ابتدع الأستاذ الجندي من أعذار، أو أظهر من تواضع، فإن يعفيه أي قارئ من هذه الكوارث التي لحقت بهذا الكتاب، فشوهت من خلقته، وأذيلت من يناعته، وغضت من تيهه ودله، ووقفت حجر عثرة أمام شموخه واستطالته ..
على أني خدمة للأدب، أضع نفسي في مراجعة تجارب هذا الأثر الرائع، إن أراد الأستاذ أنور الجندي إعادة النظر في طباعته من جديد، ولعلي لا أكون مغالبا، إذا قلت : إن الأستاذ المؤلف لن يتأخر، أو يتوانى أو يهمل في هذا الرجاء الذي كان مجمع الرأي لكثير من الأدباء ..
فلعــل، وعسـى ..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here