islamaumaroc

أي يقف الإنسان؟

  دعوة الحق

العددان 138 و139

ما كان أعمق المصري حين قال :
والـذي حارت البريـة فيـه
             حيوان مستحدث من جمـاد
وفي الحق أن هذا الإنسان كان ولا يزال موضوعا محيرا، لا بنشأته وحدها، بل بقدرته وعظمته. وهو الذي كان الغاية : غاية العناية الخفية، وغاية العناية الظاهرة، وهو كل شيء، بالرغم من أنه شيء من أشياء هذه الطبيعة، على حد قول ابن عربي الصوفي :
وتحسب أنك جرم صغير
       وفيك انطوى العالم الأكبر
فهذا الإنسان وحده هو الذي كتب تاريخ الأرض، ولولاه لكانت الأرض قفرا يباب، وهو الذي خط تاريخ الحضارة التي نشأت ضئيلة، ثم نمت ومشت وليدة الخطا، ثم ركضت أشواطا في رحاب هذا التقدم العجيب الذي جعل من الأرض شبه طيلة، تصورها أنامل الإنسان كما يريد.
ولكن هذه الحضارة التي كانت محاطة بقيم تقليدية، تحد من شططها ، وتجعلها مقدسة، بدأت الآن – لأسباب لا تحصى – تتزعزع و تنهار.
صار كل شيء يحاربها ويحاول تهديمها، وفي رأس هذه الأشياء اتساع معرفتنا اتساعا عميقا جعل مفاهيم الأشياء تتبدل في نظام، وكثيرا ما تجني المعرفة على صاحبها !
كان اليقين يمنحها ثباتا واستقرارا، واليوم أصبح الشك يجعلها قيما مزعزعو.
كانت الطمأنينة تسيطر على الإنسانية واليوم غدا القلق والاضطراب على الإنسانية.
كان العقل يشرف على هذه القيم، واليوم فقد العقل ثقته بنفسه، وراح يدور في دوامة فارغة، يفتش عن بصيص من نور في هذا الظلام.
وكان الضمير هو الوازع والمانع، واليوم أمس الضمير سلعة من السلع التي تباع وتشرى.
أهو مقدمة الانهيار؛ أم هو مقدمة التفتح على عالم جديد، لقيم جديدة، يريد أن يفهم الحياة فهما جديدا؛
في الحق أن الإنسانية، منذ أسلمت قيادها للمعرفة العلمية، بدأت تنحو نحوا ماديا، صرفا في تفسير الحياة، وتقييمها . . . فالقيم يجب أن تكون مادية، والأخلاق يجب أن تكون مادية، والسعادة نفسها يجب أن تكون مادية !
ولكن هذا المنحى المادي الذي انزلقت إليه الإنسانية، بكل ما تستطيع من قوة، هل استطاع أن يحقق لها الأمن والسلام والطمأنينة ؟
وهذه المخترعات المادية التي صار الإنسان برفه بها حياته، ويختصر المسافات ويخوض الأعماق، ويقهر الأجواء، ويزيل بها الحواجز والعوائق، هل  زادت في حريته، ولأمنه، ونعمته، وسعة تفكيره؟
إن ما نراه، وما نعيش فيه من قلق وخسوف يثبت لنا أن ما وجدناه، لم يكن البديل عما فقدناه.
وكما قال أحد مفكري العصر:
«لقد رأى جيلنا على صعيد الفكر والعاطفة، حدوث ظاهرات خارقة العادة، وتحقيقات عجائب فجالبة، وخيبات أمل البداهة بصورة همجية».
وهكذا وجدنا أنفسنا فجأة أمام أفكار، ومذاهب لا تحصى، ومعتقدات وفلسفات متنافرة ، ومثل عليا متناقضة، وأزمات سياسية واقتصادية، لا يكاد المختصون يعثرون لها عن حل، حتى يقفوا في أزمات أشد تعقيدا.
وهل أشد مما يبعث على السخر من موقف هؤلاء العلماء الغارقين في تجاربهم ومخابرهم، يحملون بيد وسائل التدمير الرهيبة، وباليد الأخرى يحملون ما يحيطون به هذه الوسائل؛
ما من أحد يستطيع أن يقول : «ما الذي سيزول إذا، وماذا الذي سيبقى من تراتنا على صعيد الإنسانية؟ » ولكن الذي يستطيع أن يقوله كل إنسان :
«أن الملايين من الناس قد ماتوا من أجل تحقيق الحرية، دون أن يستطيعوا ذلك، والكثير قد هلكوا في سبيل إنقاذ الحضارة، دون أن يقدروا»
وكما قال أحدهم يصور هذا الكفاح اليائس :
«لقد اتضح عجز المعرفة عن كل شيء. وأصيب العلم بضربة مميتة في مطامحه الأخلاقية، فكان تطبيقاته الشرسة قد ألقت عليه جلبابا من العار.
وتعر انتصار المثل الأعلى، بل أصيب بجراح عميقة، وأصبح مسئولا عن أحلامه العابثة، زخاب أمل المذهب الواقعي، وغلب على أمره، وتلطخ بالأخطاء والجرائم، واختلطت المعتقدات في الزمن، والمفكرون شكوا، ثم آمنوا، ثم شكوا، ولم يعودوا يعرفون كيف يستخدمون عقولهم».
ولكن هذا معناه فقد الأمل في الإنسان؟
وبعبارة أصرح : هل مات الإنسان ؟
إننا لا نريد أن نكون متشائمين بهذا المقدار . فإن هذا الإنسان الذي حارت البرية فيه، لا يزال يحم معجزة وجوده وبقائه بيديه. ومن الأدلة على تمسكه بالأمل أنه راح يبحث عن وسائل النجاة في كل مكان !
ولكن  . . أين يجد هذه الوسائل ؟ أم تراه إلى الملجأ في ماضيه، وتقاليده الموروثة؟ أم تراه يحاول أن يسيطر على أهواء نفسه، بالمقدار الذي سيطر به على الطبيعة؟
أما العودة إلى القديم فلا أظن أن الإنسانية ترجع إلى الوراء، كالعجلة التي تستطيع أن تستدير لأن سني حياتنا لم تعد تتحمل تطورات بطيلة كلى أسلافنا. بل هي انقلابات كبرى خاطفة، يعبها الإنسان في حياته القصيرة، كما تعيها أجيال في حياتها الطويلة. ولأن معرفتنا للطبيعة استطاعت – خلال جيل واحد – أن تستوعب، وتتجاوز جميع المعارف الموروثة في  قديم العصور. وتقدمنا الآلي أتاح لنا الاتصال بغيرنا من الشعوب اتصالا مباشرا، وبما أن المعرفة لا يمكنها أن ترجع إلى الوراء ، فهي تمنعنا أيضا من الرجوع إلى الوراء.
وأما الإصرار على الحاضر فليس، هناك ، ما يشير بأنه الخير كله !
ولكن، مع هذا ، يجب أن نعترف بأن الحالة تغيرت، وها نحن نرى الإنسان اليوم غارفا في خضم من التشوش والاختلاط، ونشاهد الغرائز تندفع بلا شكيمة ولا عقال، فكان نارا كانت تخبو تحت الرماد اضطرمت فجأة، وأحرق لهبها الحضارة المكتسبة عبر التاريخ.
فهل هذه الظاهرة تدلنا على أن الإنسان يندفع إليها مختارا، يريد بها التهديم من أجل التهديم؟
أنا لا أظن أن الإنسان يريد ذلك، وليس هنالك إنسان يريد أن يهدم بإرادته سقف بيته على رأسه.
وإذا ، فأين هو الأمل ؟
هنالك الأمل الوحيد الذي لا تزال تؤمن به الإنسانية ، نلمحه فيما نراه من دعوة إلى الإسلام، بين ركام الخرائب، وسحب الحرائق والدخان، ونحسه في ضمائر بعض العلماء الذين يؤلمهم أن يتحول العلم إلى أداة تهديم، وهم يريدونه أداة خير وبناء، ونشهده في سلوك بعض الساسة الذين يعذبهم أن يتورط بعضهم في تبرير الاعتداء، وقهر الحريات!
هذا هو الأمل الباقي في هذه الضمائر الحية لاستنقاذ الإنسانية، بعودتها إلى تقديس القيم السالفة التي لم تنشأ عبثا في وضع العلالق البشرية، واحترامها، وتقديس المثل العليا التي لا يمكن أن تتبدل!
فالأديب مدعو إلى الكلمة الطيبة التي لا تزرع الأحقاد والعداوات!
والفتان مدعو إلى الشكل الذي يزود النفوس بالجمال، ويتقيها من البشاعة.
والمفكر مدعو إلى تجديد إيمان الإنسان بنفسه، بعد أن شك في نفسه.
والعالم مدعو إلى أن يعتقد بأن الآلة العمياء لا تستطيع أن تقود العين المبصرة!
كل ما حول الإنسان يريد أ يسحقه، ولكن علينا أن نقول : «لقد رفضنا ما كان يريده فينا الحيوان، ونريد أن نجد الإنسان دائما في كل مكان وجدنا فيه ما يسحقه »
ومن هما ينبثق مفهوم مستقبل الإنسان . . !
أن من حسنات الإنسان المحير أنه لم يخلق مكتملا ، وهو دائما متفتح على المستقبل، منطلق نحو الكمال. وبإرادته وحدها يستطيع أن يختار لنفسه الطريق.
وبما أننا لابد لنا من أن نعيش في عالم قد اتسع اتساعا مفرطا، وفي بشرية قد تنوعت تنوعا مفرطا، علينا – على الأقل – أن نتخذ شعارا لنا هذه الحكمة التي تستطيع بها أن نختار حياة، وعملا وجمالا :
«عش لغيرك كما تعيش لنفسك ! وعش للإنسانية كما تعيش لعشيرتك وأمتك !»

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here