islamaumaroc

المعاني الإنسية والروحية في الشعر العربي -1-

  دعوة الحق

العددان 138 و139

في الأدب العربي القديم فصول من الماديات، لا يجوز أن تسجف عنا فصوله الإنسية والروحية.
وأن بعض تلك الفصول أمكن التقاطه مما هو معروف من مطبوعات المصادر، بيد أن بعضها الآخر ما يزال يخبئ المجهول من المخطوطات. ولكن يزكي الظن بما نترقبه منها هذا النزر المتفر من شعر المعاني الإنسية والروحية في المطبوع من التراث.
وواضح من الإشارة إلى الأدب العربي القديم أننا لا نخص عصرا واحدا منه، وإنما نقصد ما كان من الشعر في العصور الإسلامية جميعها. وفي العصر الجاهلي كذلك. فلم يخل الشعر في عصر من هذه العصور جميعها من الاهتمام بعرض الدنيا كما لم يخل من تصوير مثل الحياة الروحية كذلك. والجانبان معا في متناول المستقطب لشعر أحدهما، فإن في مظالهما : المجاميع الشعرية وموسوعات الأدب . م لا مندوحة عنه في سائر الأدب.
وليس يخاف أن الشعر الجاهلي كان يعتمد وحدة المعنى في وحدة البيت. ولذلك كان من النادر أن نقابل منه موضوعا موحد المعنى، في القصيدة المفردة لدى الشاعر، يخصها بأحد الوجهين اللذين أشرنا لهما في شعره. ولذلك كان تعدد الصور الشعرية يتتالى في القصيدة الواحدة . ومن القصيدة الواحدة نفسها يمكن التقاط البيت الذي يعنى بعرض الدنيا  وبصنوه الذي يهدف إلى ابراز مثل أعلى.
وهذا النوع من المزج بين الرؤى في العمل الفني الواحد لم يكن دليلا على قصور الإبداع لدى الشاعر الجاهلي ، بقدر ما كان تعبيرا ناطقا عن بيئة تمتزج فيها الماديات بالمعنويات فعلا إلى حد يصعب معه الفصل بينهما في حياة الشاعر كما يصعب على من يتعالى الشعر في بيئته  أن يخص كلا منهما على حدة بالرواية الخاصة، أو بالعمل الفني المفرد. ولدا كان تقييمنا لما أبدعته البيئات المخالفة لبيئتنا في مجال فن القول يسترعي المقارنة ويمهل إرسال الأحكام بلا روية.
وأن الباحث قد يصل بعد ذلك – إن لم يسرع النظر – إلى أشتات من الأبيات الشعرية واضحة الرؤيا، وغايتها تصوير المثل لدى الشاعر بعيدا عن زائف الدنيا، قريبا من المعاني الإنسية والروحية.
فمن تلك المعاني – مثلا – ما يصور به الشاعر مفهومه للعلاقة التي تربطه بالجماعة البشرية حيث يحيا بين أفرادها. وهي معان تتجلى في الإيثار. وحب الحرية والذود عن الشرف. ومؤانسة الصديق و بر الوالدين والحنو على الأولاد. ونظرا لقلة المحصول ، وضنك الحياة الاقتصادية فقد كان للكرم قيمة اجتماعية ربما بلغ اهتمام الشاعر بها في بيئته ما يحملنا على اعتبارها – بالنسبة إليه – إحساسا إنسانيا في مستوى الغذاء، ولاسيما حينما يعبر الشاعر عن ممارسته له بالفعل.
وقد طفح الشعر الجاهلي بتصوير هذه المثل والأبيات المتناثرة بين قصائده وربما في القصيدة الواحدة بكاملها. كالشعر الذي تقرؤه لامية بن أبي الصلت ولعدي بن زيد العبادي ولحاتم الطائي .
وفي الشعر الجاهلي صور إنسية قوية الإحساس بأثر الطبيعة الصحراوية، يتناثر التعبير عنها في مختلف القصائد الجاهلية ولقد تركت البقرة البرية أثرها العميق في قصيدة ليد المعلقة، فاستحوذت منها على سبعة عشر بيتا تنطق برهافة الشعور لدى الجاهلي ، متنقلا بها في خيال خلاق بين ثلة من المشاهد المتباينة. وقد تركت طبيعة الصحراء في شعر الحطيئة وشعر امرئ قيس ما تنطق به قصائدهما صادقة الرؤيا واضحة الهدف. ويروي الأصمعي من هذه المعاني في الشعر الجاهلي شعرا لسيدات تتغنى فيه إحداهن بوفائها للذي لن تعوضه من سواه. تقول الشاعرة :
كنا كفصتين من يان غذاؤهما
                  ماء الجداول في روضات جنات
فاجتث صاحبها من جنب صاحبه
                  دهر يكر بفرحات وترحــات
وكان عاهدني أن خانني زمن
                  ألا يقارب أنثــى بعد موتأتي
وكنت عاهدته أيضا فعاجله
                  ريب المثون قريبا مذ ستينات
فاصرف عتابك عمن ليس بصرفه
                 عــن الوفاء له خلب التحيات
 ولسنا نود الآن عرض سائر القيم والمثل التي حفل بها الشعر الجاهلي، فذلك ما خصت له كتب تاريخ الأدب فصولا معينة وإنما هنالك في الشعر الجاهلي جانب ما يزال القول فيه ضيقا ونعني به ما كان يصور به الشاعر الجاهلي فهمه للعلاقة التي تربطه بوصفه كائنا مفكرا بواجب الوجود، بالله جل جلاله. وهو موضوع شائك يحبط به كثير من الغموض ، من جملة أسباب غموضه أن الشعر الجاهلي ضاع أكثره ( وما انتهى منه إلينا إلا أقله) كما قال أبو عمرو بن العلاء : وأن الشعر كان «علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه» فجاء الإسلام، فتشاغلت العرب بالجهاد وقد هلك منهم من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك ، ذهب عنهم من الشعر أكثره كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال رضي الله عنه : «لقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء به الإسلام».
ولذا كان  الإقتصار على التواثر من الشعر الجاهلي مصدرا لا يقي بالغاية كلها منه ولا مما عساه يلتقط من التراث الخبئ، فالمتواتر والخبئ مما سوف يظلان قاصرين في منهج البحث لا يكتملان إلا بالاستفادة مما ورد في القرآن الكريم من آيات بينات تخص هذا الجانب من رؤى العرب قبل الإسلام.
وليس يهم نسبة تلك المعاني الإنسية في الشعر الجاهلي إلى لحلة أو ملة شاعت قبل الإسلام، يقدر ما يهم معرفة مدى إنسية تلك المعاني في واقع آدابهم، فسواء أكانت ابتكار لديهم أم اتباعا منهم فاتهم قد تبنوها على كل حال ووسعها آدابهم الذي عكس نفسيتهم ورؤاهم، وتبعا لذلك فإن التعرض لرأي الأب شيخو اليسوعي في مقارناته لمعاني الشعر الجاهلي بما يومن به ويجده أصولا لها في النصرانية ليس مما يعنينا. فقد ذهب  في كتابه شعراء النصرانية إلى أن ما بأيدينا من معاني الشعر الجاهلي الروحية يرجع جميعه إلى التربية النصرانية فعد من النصارى امرأ  القيس والنابغة وطرفة وفي هذا الحكم شطط لا سند له من واقع انتشار النصرانية في بلاد العرب، ولا من طبيعة المأثور في شعر هؤلاء وسواهم. فقد كان لبيئة الصحراوي تأثير على تفكيره وطبيعة أحاسيسه مما حمل بعضهم على الشعور بالتبعية لقوة أعلى بفطرة ظامئة إلى الحقيقة تدعو حينا إلى حدس بالسببية وحينا إلى الزهد.
ولقد صور الشعر الجاهلي مثل إيمان قومه إرهاصا لهم من الله لتتمخض رسالته عن كلمته العليا في بعثة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.
ولم تكن ثمة في الوثن قوى يخيل أن البدائي قد وجدها فعبده. وإنما كانت الأوثان مظهرا ماديا عبد الجاهليون من ورائه واجد الوجود جل جلاله. وتلك قوى خفية كان ذوو الخيال المحدود يعجزون عن تصورها وبذلك كان يتسرب إلى هذا الخيال البدائي بأن قوة من رب العالمين قد حلت في المعبود. ولولاها في زعم الواهمين ما كان لهم أن يعبدوا دون الله  شيئا.
وقد استطاعت صفوة من الناس بينهم عدد من الشعراء أن تهتدي إلى عبادة الله فأسندت إليه مطلق التصرف. ومن هؤلاء الشعراء على سبيل المثال : القتون التغلبى وزهير والاعشى وحاتم الطائي وذو الاصبع العدواني وعبيد بن الابرص والممزق العبدي وسواهم. وشعر هؤلاء مبئوث في مختلف مظان الشعر والآداب العربية جملة، ولأبي إسحاق النحوي إبراهيم بن عبد الله النجيسري من رجال القرن الرابع كتيب في الإيمان التي كان الجاهليون يحلفون بها ، وهي تشير إلى أن الغاية من كل ما يعبدونه واجب الوجود الله جل جلاله وقد أقسم أوس بن حجر :
باللات والعزى ومن دون دينها
              وبالله أن الله منهن أكبر
ولدينا من القرآن الكريم ما يحدد معنى عبادتهم للأوثان ، فقد جاء في تفسير الطبري عند شرح لفظي اللات والعزى قوله «اللات هي من الله ألحقت فيه التاء فأنثت كما قيل عمرو للذكر وعمرة للأنثى وعباس وعباسة. فكذلك سمى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى فقالوا اللات - : من الله والعزى - : من العزيز ...» ثم يقول الطبري «وهذا المعنى عندي أرجح، وكان بعض نحوي الكوفة يقفون على اللات بهاء» وفي القرآن الكريم رد على هؤلاء المشركين بقوله تعالى : «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه، سيجزون ما كانوا يعملون».
والشعر على كل حال انعكاس لحضارة أمة بين بدايته ونهايته مراحل متعددة من التطور . ولا فكاك لمن يرتبطون بأمتهم من أن يكون لها عليهم مسؤولية بنفس القدر الذي لهم عليها، وسمو المعاني أو دنايتها في الشعر والأدب بعامة موكول إلى البيئة وطبيعة تفاعل الشاعر معها ، وبيئة العصر الجاهلي من دون شك ليست بيئة لنا وان تروي لهمنا ولكنها مع ذلك لا تخلو من ميزة حمدت لذويها بالقياس إلى منطق تفكيرهم وطاقة رؤاهم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here