islamaumaroc

الجاسوس المغامر: علي باي العباسي بالمغرب

  دعوة الحق

العددان 138 و139

ولد ببرشلونة، اسمه الحقيقي : باديما كاستيو لبيليش (  Badia Castillo y Leblich) فهو إذن اسباني المولد والجنسية.
لا يعرف عن نشأته وتكوينه إلا أنه كان من طلبة جامعة بلنسية (Valencia) وأنه كان ذا إلمام صالح بعلوم الرياضيات والفيزياء والفلك والطبيعيات، كما كان يتكلم، بالإضافة إلى الإسبانية، عدة لغات كالفرنسية والإيطالية والإنجليزية وحتى اللغة العربية التي تعلمها بمدريد.
بلغ باديا سن الرجولة في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وكانت إذ ذاك الدول الغربية، ومنها انجلترا وهولاندا واسبانيا وفرنسا، فسعى سعيا حثيثا في ضبط الوسائل التي تتيح لها تثبيت أقدامها في المناطق الشرقية والإفريقية لترويج تجارتها، وتنمية موارها وفتح مجالات العمل لرجالها، فاشتاقت نفسه للأسفار، وتاقت للمغامرات، فاقترح على حكومته أن تقوم برحلة اكتشافية عليمة، وسياسية، خلال الأصقاع الإفريقية، وبوجه خاص، في المغرب الأقصى.
وقف بجانبه السيد كودوي الفارس دي فاريا ( Godoy Alfarez de Faria ) وزير الملك شارل الرابع، فزوده بما يتوقف عليه من مال وأدوات لينجز مشروعه، وكان من الأهداف التي وكل إليه تحقيقها، الاتصال بعاهل المغرب، مولاي سليمان، ليلتمس منه أن يجعل تحت نفوذ اسبانيا، مرسيين من المراسي المغربية التي على المحيط الأطلسي، وأن يمنحها امتيازات تجارية خاصة مقابل وعد دولته بمساندته للقضاء على خصومه والمنشقين عنه.
وأوعز لباديا، من جهة أخرى، أن يحاول، في حالة ما إذا لم يجد « تفهما» لدى مولاي سليمان. التقرب من « أنشط المنافسين له ليعرض عليه مساعدة اسبانيا، ويحكم معه خطة الاستيلاء على العرش، والقبض على مقاليد الحكم ».
بدا « باديا» يضرب أخماسا في أسداس لإعداد الوسائل التي تمكنه من النجاح في المهمة الخطيرة المنوطة به، فقر رأيه على أن يغير « هويته» وعلى أن يسمي نفسه « علي باي العباسي» منتسبا إلى شخص « من مواليد مخليته الخصبة»، عثمان باي التاجر الحلبي الشهير، وسليل خلفاء الدولة العباسية، وادعى أن أباه هو الذي أرسله من حلب إلى اسبانيا لينهل من المعارف الأوربية ما يعود بالنفع على مواطنيه وأبناء ملته، وهكذا اتخذ لنفسه قاموسا توهم « عباسيته» النسب الشريف، وتبرر « حلبيته» عدم تمكنه من الطلاقة في التكلم باللهجة المغربية العامية.
قصد باديء ذي بدء لندن ليوسع آفاق ثقافته وينمي معلوماته اللغوية، وهناك أخذ يرتدي الملابس
العربية بعد أن اختتن وأعفى لحيته، ثم انتقل إلى باريز حيث بدا يتردد على وزارة العلاقات الخارجية، ومعهد الأبحاث العلمية، فتقدم لبعض المسؤولين بالاسم الذي اختاره لنفسه وأعرب لهم عن عزمه على القيام برحلة استكشافية في المغرب وعن استعداده لإفادتهم بما يتوقفون عليه من « معلومات» عن ذلك القطر، من غير أن يطلعهم، بطبيعة الحال، على المهمة السرية التي كلفته حكومته بإنجازها هناك.
فلما أطلع طايران (1) (Talleyrand) على مشروعه شجعه ماديا ومعنويـــــا وكتــــب لقيــــي (Guillet) ممثل الدولة الفرنسية بطنجة إذ ذاك، ليوصيه خيرا بعلي باي، ويأمره بأن يجعل في متناول يده كل ما ييسر له المقام بالمغرب. ويقال إن كل ذلك تم بموافقة بونبرت Bonaparte وهكذا استطاع ذلك المغامر الجريء أن يعلف من  « مخلاتين» وأن يخفي حقيقة أمره حتى على فوشي (Fouché) أشد رجال الشرطة الفرنسية يقظة، وأشدهم بطشا بكل من تحوم حولهم الظنون. رجع علي باي إلى مدريد، فزوده فودوي بتعليماته الأخيرة وبمبالغ مالية ذات شأن، كما حمله هدية قيمة لمولاي سليمان، ورسائل لقناصل الدول الإسبانية (بافريقيا وآسيا) يحثهم فيها على رعايته بعين الرضا، وإعانته على القيام برحلته (العلمية).
وصل علي باي مرفأ طنجة في 29 يونيه 1803، في مشهد مؤنس إذ كان معه عدة أحمال وجواليق، فانفتحت أمامه الأبواب، وابتسمت له الوجوه، ولهجت الألسن بالثناء عليه إذ كان سخي اليد مواظبا على تأدية صلواته بالمسجد، وكان يطعم كل يوم اثني عشر مسكينا، ويقال أنه بنى « سقايات» سبلها لصالح سكان البلد.
استقبله مولاي سليمان عندما زار طنجة، في شهر أكتوبر 1803، فقبل علي باي يده، وقدم له الهدية المشار إليها أعلاه، وكانت تشتمل على أنواع من البنادق والبوار يد للحرب والصيد، وعلى قطع حريرية وحلي وعطر، ومظل ملكي جد جميل.
فعبر له الملك عن رضاه، وغمره بعطفه، فتيسر له التجول بالمدينة وضواحيها، والشروع في إنجاز مهمته العلمية، إذ أخذ يسجل، بدون أدنى تستر، ملاحظاته حول ظواهر جوية وفلكية ويجمع عينات نباتية ومعدنية وغيرها.
غادر مولاي سليمان طنجة في 12 أكتوبر، وفي 25 منه رحل عنها علي باي في خفارة كوكبه من الفرسان كان الملك جعلهم رهن إشارته، فحل بالقصر الكبير، ثم بمكناس، ففاس فالرباط. فالدار البيضاء، إلى أن ألقى عصا الترحال بمراكش في 25 مارس 1804، وكان الملك يستعد لزيارة الصويرة وإقليم سوس لتثبيت الأمن ونشر السلام.
كان الملك مدة إقامته بمراكش، يكرم فيه الرجل العالم الصالح، ويستقبله بلين ويغمره بالهدايا، إذ أعطاه دار واسعة بمراكش، وضيعة ذات أشجار مثمرة بأحوازها، وخوله جاريتين إلا أنه، حسب ما ورد في كتابه، أبدي رغبته عنهما معتذرا بكونه نذر ألا يتزوج إلا بعد أداء فريضة الحج.
مكث بمراكش نحو السنة، وحاول مرارا أن يستدرج الملك إلى عقد اتفاق مع اسبانيا لتحصل على الامتيازات التجارية المذكورة غير أن محاولاته باءت بالفشل، فعزم، وهو في مهمة مخزنية بالصويرة، على مد اليد لشخصين من ناحية نزروالت ليشقا عصا الطاقة على الملك، وكاتب قودوى في الموضوع، بواسطة ممثل اسبانيا بالصويرة : فاستنفرت حوالي العشرة آلاف جندي، وأعدت، بالمراسي القريبة من السواحل المغربية، المراكب الكافية لحمل الرجال والعتاد قصد النزول بثغر الصويرة، والاستيلاء على جنوب البلاد في الوقت الملائم، فعم الانشراح والتفاؤل الحكومة الإسبانية، وامتلأ قلب (علي باي) غرورا وزهوا بحيث كانت عودته من الصويرة إلى مراكش عودة القائد المظفر، ممتطيا متن جواد مطعم، وشامخا بأنفه تحت مظل (ملكي) وحوله جماعة من الأتباع والخول يعملون ويرتحلون في أبهة واحتفال !!
لم يلبث تهوره وسوء تصرفه أن لفت إليه  أنظار نواب الدول الأجنبية وبالخصوص نائب انجلترا، وإن أثار حوله شكوك رجال الدولة، فكثرت التساؤلات عن حقيقة أمره، وتنوقلت الأراجيف عن مطويات أحواله، فتيقن خواص الملك، ولاسيما الصدر الأعظم، السيد محمد السلاوي، من خبث نيته، وأحس نائب انجلترا بسوء مقصده إلى أن علي باي أدرك، بذكائه المرهف، حرج موقفه، فأعلم قودوى بما أخذ يخالج خلده من مخاوف، وطلب أن يؤجل ما كان عظم عليه من هجوم مسلح على التراب المغربي.
وفي شهر فبراير 1805 استأذن الملك في التوجه إلى الأراضي المقدسة لتأدية فريضة الحج فلم يبد له مولاي سليمان أي تنكر بل استحسن رأيه، إلا أنه اقترح عليه أن يؤخر الحج إلى السنة التالية، وعرض عليه أن يترأس سرية وأن يقصد بها مدينة مليلية ليحاصرها.
شكر علي باي الملك على ثقته إلا أنه التمس من جديد الإذن بمغادرة المغرب لتأدية فريضة الحج وألح إلحاحا لأنه كان توصل من قودوى برسالة يحثه فيها على إثارة فتنة بجبال بني بزناسن ليشغل الملك عن حصار مليلية.
أذن له الملك آخر الأمر بالتوجه إلى الجزائر، فرحل عن مراكش في شهر مارس 1805 وقصد المغرب الشرقي رفقة جماعة من المغاربة، متمهلا في سيره، مسجلا في ذاكرته ما تراه عيناه الفاحصتان وما تسمعه أذناه المرهفتان.
فمر بفاس، ثم بتازة إلى أن بلغ وجدة حيث تعذر عليه استئناف رحلته نحو الجزائر نظرا لتأجج نار الفتن بناحية تلمسان.
أبلغه إذ ذاك عامل وجدة بوجوب البقاء داخل البلدة لئلا يتعرض للهلاك إلا أنه تشمر للقيام بمهمته في بني بزناسن، واستطاع أن يتصل ببعض أعيان تلك الناحية.
فلما علم العامل بذلك شدد عليه الحراسة، ثم سلمه لكوكبة من الفرسان كان وجههم مولاي سليمان لوجدة لرافقوه إلى فاس في أمن وسلام، إذ كانت الفتن والاضطرابات متأججة في الإنجاد والأغوار التي بين نهر ملوية ومدينة تازة، وكان من المتوقع ألا ينجو عابرها من طعنة هادفة أو رصاصة طائشة.
لما استقر علي باي بفاس تبين له أن مولاي سليمان أخذ يشك في سلامة طويته وفي صفاء أغراضه وإن لم يكن بدأ بعد يرتاب في صدق إيمانه، ولذا لم يستغرب الطريقة التي أبعد بها عن المغرب : لقد أخرج من فاس تحت حراسة شديدة، وقصد به مدينة العرائش حيث فرق بينه وبين زوجته وخدمه وأرغم على الصعود إلى مركب طرابلسي لم يلبث أن أقلع قاصدا مرسى طرابلس الغرب وذلك في شهر أكتوبر 1805.
بهذه الطريقة تمت مغامراته ذلك الجاسوس الجريء بالمملكة المغربية، إنه استطاع أن يخفي مكره وأن يدنس المساجد ويلعب على عدة حبال، ثم يفلت بجلده ساخرا مستهزئا.
ومع هذا لم يقف مكايده في هذه المرحلة بل ما كاد يضع قدميه بطرابلس حتى فكر في استئناف مغامراته وعملياته الجاسوسية، فتمكن، حسب ما سجله في كتاب له، من الحج إلى البقاع المقدسة سنة 1807 ومن زيارة مصر والشام وفلسطين وتركيا. كما تمكن من القيام بعدة خدمات لصالح نابليون بونبرت في مصر والشام .. وفي الأخير عرض خدماته على لويس الثامن عشر ..
ومات ببادية الشام في قلعة البلقاء قرب الزرقاء في مستهل شهر شتنبر 1818.
ترك علي باي، بل باديا كاستيو « عدة تقارير منها اثنان قدمهما لديوان نابليون العسكري، لخص في احداهما مراحل تجولاته، وبين في الثاني ما قام به من خدمات الصالح فرنسا خلال مقامه الطويل بالبلاد الإسلامية، كما ترك كتابا، طبع بباريز سنة 1841 في ثلاثة أجزاء عنوانه : « رحلاني بإفريقيا وآسيا».
إن الأدوار التي لعبها هذا الجاسوس الإسباني بالمغرب والبلاد الإسلامية كانت مظهرا من مظاهر التجارب الأولى في ميدان الجاسوسية الدولية التي أصبح لها اليوم، في كل دولة، خبراء أخصائيون في التلبيك والتلبيس، متيقظون في استخدام الوسائل السرية، وبات لها في كل مجال من المجالات السياسية أبطال مدربون على ركوب الأخطار واستمراء التضحية، غايتهم الفل من شوكة الأعداء والوقاية من مكائدهم يلبسون لكل حال لبوسها ولا يرعون في سبيل إنجاح مهمتهم إلا ولا ذمة (1).

ملحـــق :
 حـقـائـق طريفــة :
إنني لم أجد، فيما تصفحت من كتب التاريخ المغربي المؤلفة باللغة العربية، ذكرا لهذا الجاسوس، ولا لأحد من أمثاله الكثيرين الذين توالوا على المغرب في مختلف العصور، وخصوصا منذ أن فقد المسلمون الأندلس، ومنذ أن اتجهت أنظار الدول الغربية إلى خيرات البلاد الإسلامية، ورغبت في الاستحواذ عليها.
وعندما أتممت تحرير هذا المقال، قدر لي أن أزور مدينة طنجة وأن أتذاكر مع جماعة من الأصدقاء بذلك الثغر، في موضوع « علي باي العباسي» وإذا بأحدهم يفاجئني بقوله : «يوجد بطنجة تمثال لشخص يسمى « علي باي العباسي» !! فركبت مع اثنين منهم في سيارة وقصدنا موقع التمثال بحي بني مكادة للتيقن من أمره. وما أن مررنا ببعض الأزقة القريبة من سوق ذلك الحي حتى وصلنا إلى ساحة صغيرة شبه مهملة ووقعت أنظارنا على تمثال حجري عظيم، لرجل ذي زي شرقي وعمامة كبيرة، مقام فوق قاعدة مربعة الشكل، تعلو عن الأرض بنحو المتر والنصف، كتب عليها بحروف لاتينية بارزة « علي باي العباسي» وعلى جانبين منها لوحتان من الحديد تمثل الأولى البحر المتوسط والبلدان التي حوله لرسم الطريق الواصلة بين أهم العواصم التي زارها ذلك الرحالة المغامر بالمغرب، وطرابلس ومصر والشام الخ ... ونقش على الثانية رسم شخص مولاي سليمان ممتطيا جوادا وقد وقف أمامه « علي باي العباسي» ليقدم له .. (هدايا ..؟)
حسب ما ورد في عبارة كتبت عليها وعبثت الأيام بجزء منها.
سألت بعض الشبان من الساكنين بحي بني مكادة، وبعض الكهول من ذوي الخبرة والإطلاع، عن تاريخ إقامة ذلك التمثال، وعن هوية صاحبه فلم أظفر بما يشفي الغليل، إلى أن أخبرني بعض الأصدقاء بأنه سبق له أن قرأ، منذ نحو السنة، كلمة عن تمثال « علي باي العباسي» في جريدة لوجرنال ذي طنجي (Le Journal de Tanger )
اتصلت بمسؤول بإدارة الجريدة، فناولني، جازاه الله خيرا، العدد المطلوب، (العدد رقم 1511 بتاريخ السبت 21 مارس 1970). فألقيت نظرة على محتوياته وإذا على الصفحة الأولى صورة للتمثال وفوقها هذا العنوان « من هو علي باي ؟» وعلى الصفحة الأخيرة المقال المذكور.
كان أطرف ما استفدت من ذلك المقال أن التمثال أقيم بأمر فرع « البنك العقاري التجاري» الإسباني في الفترة التي كان يسهر على تسييره بطنجة السيد Josè Andreu وأظن أن ذلك كان في السنوات الأولى من العقد الخامس لهذا القرن، أي في السنوات التي اختفى بطنجة ظل نظام الحكم الدولي، وأصبحت اسبانيا هي الحاكمة بأمرها هناك !!
واستفدت أيضا من المقال المذكور الذي كان بمثابة ملحق لمقال نشر إذ ذاك في جريدة « لوموند» الفرنسية حول أحد مراجع هذا البحث، وهو كتاب الجنرال سيلمان، إنه ظهر بطنجة، سنة 1943، كتاب عن حياة « علي باي» نشرته دار Luis Mirecle ذكر فيه مؤلفه Augusto Casas أن « علي باي أتى للمغرب ليؤلف جيشا من المتطوعين لإنقاذ الأندلس من نير الفرنسيين الذين كانوا، في ذلك الوقت، مسيطيرين عليها، إلا أنه لم ينجح لأن المغاربة كانوا يومئذ فقدوا الروح الدينية التي كانت تذكي الحماس في نفوس أسلافهم زمان موسى ابن نصير وطارق بن زياد !»
هكذا يكتب التاريخ !! لاشك أن صاحب الكتاب أدلى بهذا الرأي شماتة بفرنسا التي كانت انهزمت شر انهزام أمام الجيوش الألمانية، وليوهم المغاربة أن « علي باي» كان من المحبين للأندلس وللمسلمين !! ويبدو أنه أدلى به لينسى الدافع الحقيقي الذي حدا بالبنك العقار لإقامة ذلك التمثال، إلا وهو الاعتراف بالجميل لمغامر استمرا الأخطار واستسهل الصعاب ليقدم لبلاده مستعمرة تجعل منها موردا لمؤنتها وسياجا لصد منافسيها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here