islamaumaroc

العوامل المؤثرة في القومية العربية

  دعوة الحق

العددان 138 و139

إن حركة القومية العربية ظاهرة تاريخية خلقتها النهضة الفكرية التي ظهرت في المشرق العربي في منتصف القرن التاسع عشر، وساعد على نموها إحساس العرب بالوعي القومي من أجل تخلصهم من كل سيطرة أجنبية . ولقد تطورت مظاهر القومية العربية بتطور أشكال الاعتداء الغربي وبقضية فلسطين كما تبدو وجود القومية في الحركات التحريرية التي نشأت تحت تأثير القوى المضادة لها.
ومنذ أزمة يونيه 1967 أصبحت حركة القومية العربية رهينة بمصير الثورة الفلسطينية وبالحوار الإيديولوجي الذي يتسم به الآن الفكر السياسي المعاصر للأمة العربية : فهناك ما يسمى بمذهب «الارتكازية الإسلامية»، وهناك الاشتراكية «الناصرية» أو كما يسميها الاختصاصيون «البراكماتية (Pragmatisme) وهناك الاشتراكية الماركسية وهناك الراديكالية اليسارية الناشئة عن ثورة فلسطين. وبالإضافة إلى ذلك، هناك هم الدول العربية في الخروج من التخلف والتخلص من جميع أشكاله : وهذه كلها عوامل تطبع الوضع الحالي للقومية العربية وتؤثر في مصيرها.
وفي خضم هذه المؤثرات الحديثة، يجب أن لا ننسى أن هناك الواقع العربي، واقع اللغة والدين، الذي ظل يشكل على ممر العصور أقوى قاعدة تقوم عليها الأمة العربية . .  وبعد، فما هو مرتكز الواقع العربي ؟  وما هي مقوماته التاريخية ؟ تلك المقومات التي تكون المؤثرات الأساسية في مجال القومية العربية.

الواقع العربي :
هناك عاملان تحكما في نشأة القومية العربية ولا زالا يتحكمان في مصيرها ويطيعان مجرى الفكر السياسي للأمة العربية : أولهما اللغة وثانيهما الدين.
فاللغة  العربية من اللغات القليلة في العالم التي ظلت تحتفظ بكيانها ومقوماتها الأساسية منذ العهد القبلي إلى القرن العشرين. لذا كانت ولا زالت الوسيلة الطبيعية لنقل أنواع الثقافات  المستقرة في البلاد التي غزتها الحضارة العربية الإسلامية، مما أدى في الرقعة من العالم الإسلامي التي استقرت فيها اللغة العربية إلى وحدة في التعبير والتفكير، ومهد السبيل لوحدة الانتساب ، لكن عامل اللغة لم يكن وحده فاصلا في إخراج «الهيكل العربي » من حيز الجماعات إلى حيز الأمة ذات الشخصية والمقومات الذاتية.
ذلك لأن الرقعة العربية قبل مجيء الإسلام كانت تنحصر في نطاق القبائل التي كانت تنتقل بين الفرات ونجد والحجاز واليمن وحضرموت، وكانت اللغة العربية رغم تعدد لهجاتها تكون بين مختلف القبائل نوعا من العصبية لم يبلغ درجة الشعور بالقومية وذلك بسبب انعدام عنصر السلطة المركزية (1) التي هي ركن أساسي في تكوين  القوميات : وحتى النعرة العصبية التي كانت تجمع القبائل العربية لم تكن لها حدودها المعينة وذاتيتها «الوطنية» لكون السلطة الحاكمة كانت متفرقة بين أسر متعددة لا تجمعها العصبية ولا تؤثر فيها نعرة «الانتساب» إلا بقدر ما تفرضه المصالح المشتركة أو تمليه الاتجاهات المتشابهة، ومن ثم فلم يستطع عنصر اللغة وحده أن يخلق «قومية عربية».
أما العامل الثاني فهو الدين الإسلامي الذي كون الحبل والميثاق وهيأ اللقاح لتقوية الرابطة بين فئات العرب الذين يعيشون في أقطار مختلفة ويشتركون في اللغة والثقافة والتقاليد. والإسلام هو الذي أعطى للعروبة محركها، وأساس حضارتها ومناهج ثقافتها وأساليب تفكيرها. فبالتحام قوتي اللغة والدين كان حتما على العروبة أن تنطلق من قلب الجزيرة لتكتسح مناطق أخرى، وهكذا تكون عالم عربي داخل العالم الإسلامي، فعندما ظهر الإسلام اندفعت قوته من الجزيرة العربية وعن طريق استيطان العنصر العربي في أقطار غير عربية انتشرت اللغة العربية وتخطت بفضل قوة الإسلام حواجز كثيرة.
ومن ثم وجدت في نفوس العرب انقلاب حضاري وسياسي واكتمل لديهم عنصر السلطة المركزية الذي كان ينقصهم لتكوين « قوميتهم». إلا أن القومية العربية عند نشأتها الأولى ظلت عارية عن كل مظهر خارجي إذ أنها دأبت في محور الخلافة وفي تعاليم الإسلام روحيا وسياسيا « لأن الروح الإسلامية متغلبة على كل الاعتبارات المخالفة (2)».
وبفضل هذا المزيج الراسخ استطاعت اللغة العربية أن تتخطى حدود بلادها الأصلية لتستوطن في عدة أقطار من البلاد التي ضمها الإسلام لحظيرته ولتصبح أداة لتحقيق وحدة التعبير ووحدة الثقافة في كثير من الأمم والشعوب ممن استعرب سكانها- لا نقول لمجرد انتشار الإسلام فيها لأن الإسلام استطاع أن يتسع إلا عالم أوسع مما اتسعت إليه العروبة، بل أيضا لأسباب حضارية ومؤثرات بيولوجية وجغرافية لها علاقة بتطور الأجناس وتكوين الأمم مما لا مجال للدخول في شرحه في هذا الموضوع الذي حصرناه في مدلول «الواقع العربي» (3).
فإذا استثنينا بلاد ما وراء الخليج الفارسي، أمكن التأكيد بأن اللغة العربية والحضارة العربية أحلتا محل اللغات والحضارات القديمة التي كانت تعاصرها، وتعني على الخصوص أقطار شمال إفريقيا من شاطئ البحر الأحمر إلى شاطئ المحيط الأطلسي حيث كتب اللغة العربية وللحضارة العربية أن تستقر بصفة نهائية وهكذا فقد أدى امتزاج العنصر العربي بقوة الإسلام- بإضافة عوامل تاريخية أخرى- إلى اتساع العروبة لتستقر خارج بلادها الأصلية، وبذلك استطاعت اللغة العربية أن تتخطى رقعة البلاد التي يسكنها العرب لتغزو أقطارا أخرى، ومن ثم أصبح مدلول العروبة يحتضن جامعة لغوية وثقافية، وانتساب حضاريا وفكريا، أكثر مما يعني جنسا أو عنصرا (4). وذلك هو الواقع العربي
وإذا ما حاولنا البحث عن مدى العلاقات والتجارب بين الثقافة التي حملها الإسلام والعروبة من جهة والثقافات المحلية التي كانت توجد من جهة أخرى بالبلاد التي استعرب سكانها فيما بعد، تأكد لنا أن بعض الثقافات المحلية استطاعت أن تحتفظ بطابعها الخاص في حظيرة الثقافة العربية الكبرى وذلك بقدر ما ظلت الشعوب الحاملة لها متمتعة بنوع من الذاتية « وبوجود قومي» بارز من خلال العصور، ومثال ذلك نجده في مصر وفي مغربنا حيث ظلت ثقافتنا وحضارتنا العربية مطبوعتين بطابع التقاليد الأطلسية.
ومن ثم فلم يكن للحملات الأجنبية التي تداعت على النخب المثقفة في تلك البلاد أثر على الأصل القار لتلك « الثقافة الوطنية» ولم تكن الهزات التي أحدثتها الثقافة العربية في التفكير والإحساس لتفقد أحدا في تلك البلاد الشعور بالوجود وبالذاتية، فضلا عن الارتباط الوطيد بالثقافة العربية الأم.
فهذه ظاهرة كان من اللازم إبرازها لتفسير ما بات معروفا عن بلاد الكثانة وعن المغرب من احتلالهما مكان الصدارة منذ أقدم العصور في العالم العربي في مجال البعث الفكري والسعي القومي ورفض محاولات الغزو من حيث جاءت وتغلغل حركات التحرير ... مما يفسر الجوانب التي تتصل بقيام النهضة العربية وبالمنادات القومية العربية في مصر، وبالثورة المسلحة التي شنها الأمير عبد الكريم الخطابي في ريف المغرب ضد الاحتلال الأوربي ثم الكفاح الذي خاضه شعب شمال إفريقيا ضد الاستعمار الفرنسي بقيادة زعمائه الوطنيين وبدعامة وزعامة المغفور له محمد الخامس سياسيا وروحيا ثم فعليا.
فعلى أساس التحام عنصري العروبة والإسلام، وانتشار اللغة العربية في بلاد غير عربية واستقرارها بها ثقافيا وسياسيا، وعلى قاعدة قوة الرابطة اللغوية والدينية قام الواقع العربي واستطاع أن يبقى قويا، محتفظا بكيانه وبمقوماته رغم الحملات التي تداعت عليه من الشرق ومن الغرب ورغم الهزات العنيفة التي أفقدت الإسلام وحدته السياسة وقوته العسكرية، لم تنقص شيئا من قوته الروحية ومن طاقة صموده وحيويته الفائقة مما جعله يظل محركا أساسيا للطاقة العربية، في النهوض من كبواتها ورغبتها في استعادة حريتها ومجدها.
فعندما سحقت قوة العثمانيين العسكرية كل الطاقات السامية وأخضعت لحكمها الجبار فئات العرب من الخليج الفارسي إلى تلمسان، لم يهل القرن السابع عشر حتى اختفت معالم الحضارة العربية وكاد شعاع الثقافة ينطفئ في بغداد ودمشق والقاهرة وتونس (5) تحت الحكم العثماني.
لذا كان من الطبيعي أن يتناول الباحث على صعيد واحد ما يدين به الإسلام للعرب وما للإسلام من فضل على العروبة، ولهذا فسيبقى عاملا الدين واللغة يتحكمان في مصير القومية العربية وفي مجرى الفكر السياسي المعاصر للأمة العربية وما راح يدعو إليه هذا الفكر من نبذ كل سيطرة أجنبية ومن تحرر اجتماعي وسياسي واقتصادي.
وطبعا فعندما ظهرت الحركات التحريرية في العالم العربي قامت كلها تبني دعوتها في تلخيص الشخص العربي من ربقة الاستعباد والفقر والجهل، على مبادئ حقوق الإنسان بالطبع وأيضا على ما للعرب من حق في النهوض من كبوتهم واسترجاع مجدهم الدائر نظرا لما تميزت به الأمة العربية في الماضي القريب بالنسبة للتاريخ، من تقدم حضاري وتسامح ديني وفضل على النهضة العلمية الحديثة
وبذلك لم تكن الدعوة إلى القومية العربية، كما يتصورها بعض الأوربيين وكثير من دعاة الصهيونية «حركة عنصرية أو رجعية تهدف إلى امتداد التطاحن الديني، بل على العكس من ذلك، فإنها حركة تسير في المجرى التاريخي الطبيعي لتأخذ مكانها بين الحركات القومية التي بنت دولا مستقلة متميزة (6).                                                              

1 ) لقد قامت في القرن الثالث الميلادي دولة عربية صغيرة في (تدمر) بسوريا حققت لها مجدا لم يكتب له البقاء طويلا ، ولكن هذه الدولة كانت خارج جزيرة العرب، وقد وقد ظل العرب في الجزيرة يعيشون على وثيرة  واحدة في صحرائهم جيلا  بعد جيل ويرسلون سفنهم للتجارة وقد تنصر بعض العرب واعتنق بعضهم اليهودية، لكن الغالبية ظلت تعبد الأصنام التي بلغ عددها 360 صنما (لمحات من تاريخ العالم – البنديت جواهر لال نهرو)
2 ) الأستاذ علال الفاسي- « الشلاق العربي يبحث عن نفسه» جريدة العلم 1958.
3) هناك سؤال يتبادر إلى الذهن : ما هو السر في النجاح السريع الذي لقيه الإسلام في أقطار إفريقيا الشمالية ما بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي، وفي التأييد الذي حظي به من طرف السكان والذي أدى إلى طمس آثار المسيحية البرنتية أو اللاتينية في هذه الأقطار ؟
هناك عدة عوامل ( ... ) لكن العامل القاطع الذي لم تلق عليه الأضواء الكافية لحد الآن، هو تشابه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تلك الأقطار وفي الجزيرة العربية التي هي منيع الإسلام ( ...) فإذا ما نظرنا إلى الرقعة التي اتسع إليها الإسلام في بدايته، يلفت نظرنا تكافؤ الطبائع الجغرافية والبشرية إذ نجد في كل منطقة من تلك المناطق نفس التوازن بين الأراضي الصحراوية والأراضي الخصبة مع ما يتخللها من جبال هنا وهناك ويوصل بينها من مرافق تساعد على العبور، كما نجد نفس التعايش بين القبائل من رحالة ومستقرة، المرتبطة فيما بينها بروابط الدم، وبين جملة من المدن والواحات والموانئ والأسواق حيث تهيمن بورجوازية نشيطة وتجعل منها مراكز للتجارة، وفي نفس الآن مقار لإشعاع ديني وثقافي وسياسي . فهذا التشابه العميق بين البيئتين يفسر في نظرنا سرعة انتشار الإسلام في بلدان تشبعت بالمسيحية لفترات متفاوتة في القدم، كما يفسر انتشار اللغة العربية واستقرارها بها وكذا سرعة امتزاج القبائل العربية بالقبائل المحلية التي لم تلبث أن استعربت تحت تأثير الإستيطان العربي. ( ألبير عياش- « المغرب» ص 27- 28).
- ونحن لا نورد هنا رأي لأستاذ عياش ونأخذ به إلا بقدر ما يلقى الضوء على العوامل « البيئوية » التي أدت إلى انتشار اللغة العربية بأقطار شمال افريقيا من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي واستعراب سكان تلك الأقطار دون غيرها من باقي الرقع الغير العربية التي اتسع إليها العالم الإسلامي-
4 ) لا شك أن عددا من رجال الفكر والعلم والفن ممن ذاع صيتهم في تاريخ العالم العربي لم يكونوا كلهم من أصل عربي، ولكن ذلك لم يكن هو المهم. فهل نحن نعتقد جديا أن كل من نطلق عليهم اسم يونانيين كانوا كلهم من دم إغريقي؟ .. لا أخال أحدا يدعي ذلك ما دام من بينهم الليديون Lydiens والكاريون Cariens والماسيدونيون Macèdoniens  والسوريون. فكل هؤلاء نسند لهم صفة يونانيين لأنهم كانوا يتكلمون ويكتبون ويفكرون بلغة وفكر يوناني، وقديما قال الحكيم ايزوكراط Isocrate « يجب أن نسمي يونانيين جميع أولئك الذين يساهمون في ثقافتنا، لا أولئك الذين يقاسموننا الجنس».
-وعليه فالشأن في العباقرة الذين أنجبتهم الثقافة والحضارة العربية في عصورها الزاهرة مثل الخوارزمي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون، أن نعتبرهم عربا رغم الفوارق الجنسية التي تفرقهم في الأصل وذلك لمجرد أنهم كانوا يفكرون « عربيا». فيصح لنا من غير جدل أن نطلق على العصر الذي عاشوا فيه « العصر المتوسط العربي» على غرار ما نسميه « بالعصر القديم اليوناني»  الذي قبله. (ماكس فأنتجوا- « المعجزة العربية»- تقريظ لويس ماسيتيون )
Max Vimtèjoux ; Le Miracle Arabe. Prèface de Louis Massignon      
5 ) في العهد العثماني كان التعليم ضعيفا وكان العلم كشمس على مغيب لفناء غالب رجاله ولتلاشي الكتب، وكان الاعتناء بنشر الثقافة ضئيلا وكان عدد المدرسين بجامع الزيتونة ثمانية فقط .. ( حمد بن عامر- تونس عبر التاريخ- )
6 ) جاك بولين- مع القومية العربية-

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here