islamaumaroc

نظرة إلى العرب والإسلام عبر الأفق

  دعوة الحق

العددان 138 و139

يدخل التاريخ الإسلامي هذا العام العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري مما ينبه الأذهان إلى إلقاء نظرة عبر الأفق إلى هذا التاريخ المجيد تطلعا إلى القرن الخامس عشر.
أولا : منذ بزغ فجر الإسلام إلى اليوم والإسلام عامل مؤثر في مجرى التاريخ الإنساني وما يزال يحرك الأحداث ويوجهها، ومنذ ذلك اليوم إلى اليوم، ولى ما بعد اليوم لم يقض أمر من أمور هذا (الكوكب) دون أن يكون للإسلام قيد أثر، وخاصة في مجال قيام الدول وسقوطها،  والثورات والحروب والحضارات.
ظهر الإسلام فكان عاملا هاما في إسقاط الحضارتين القديمتين الرومانية والفارسية، فما كادت كلمة ترن في الآفاق حتى أخذ مكان القيادة في العالم كله في مدة لا تزيد عن سبعين عاما، ومنذ نشأ في الجزيرة العربية كانت دعوته إلى الحرية والعدل عاملا هاما في توسعه وامتداده إلى العراق وفارس والشام ومصر وإفريقيا حتى بلغ الأندلس قبل نهاية القرن الأول من عام 93 هـ، 711 م ثم بلغ السند وما وراء النهر وأشرف على أوربا وأوغل في فرنسا وجنوبي ايطاليا حتى توقف عندما اتسعت الدائرة التي امتدت من دمشق إلى (بواتيه) عابرة هذه الآلاف من الأميال.
ثـانيا : التاريخ الهجري الذي يسجل العام الواحد والتسعين بعد ثلاثمائة وألف من القرن الرابع عشر إنما يمثل ما اتفق عليه المسلمون من اعتبار (الهجرة) هي مبدأ التاريخ الإسلامي، ذلك أنه لم يكن للعرب قبل الإسلام تاريخ يؤرخون به إلا (الأحداث الكبرى) التي كانوا ينسبونها إلى عام الفيل مثلا أو عام الفجار.
وقد رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في العام السادس عشر من الهجري إلى ضرورة وضع مبدأ التاريخ الإسلامي لضبط الحوادث، وذلك بعد أن انتشر الإسلام واتسع نطاقه، وقد أشار الإمام علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه) بأن يدون التاريخ ابتداء من العام الذي هاجر فيه النبي من مكة إلى يثرب.
وكان القرآن الكريم قد أنزل من لدن الحق تبارك وتعالى على قلب النبي على رأس الأربعين. وقد كان العام المتم للقرن الرابع عشر لنزول القرآن هو عام 1387 وقد احتفل به المسلمون في جميع بقاع الأرض (1).
ثـالثـا: لا شك أن القيم والمبادئ التي حملها الإسلام إلى الناس فيها التفسير الصحيح لمعجزة التوسع الخارقة التي دهش لها المؤرخون، وليس لها تفسير صحيح إلا في عظمة المبادئ التي حملها المسلمون وتعطش العالم إذ ذاك لتقبلها.
ولم يكد يبدأ القرن الثاني الهجري، حتى كان المغرب قد بدأ الصراع مع هذه القوة الجديدة محاولا إيقاف مدها في معركة (بلاط الشهداء) وهذه المعركة التي قادها كارل مارتل والتي عدها المؤرخون الغربيون المنصفون أكبر عامل في تفويق الحضارة الإنسانية.
لقد اعترف الكثير من المؤرخين بأن معركة بواتيه كانت شرا على أوربا وأنها أوقفت الحضارة الجديدة الإسلامية : يقول هنري دي شامبون :
« لولا انتصار جيش ( كارل مارتل) الهمجي على تقدم المسلمين في أوربا لما وقعت فرنسا في ظلمات القرون الوسطى ولما أصيبت بفظائعها ولا كايدت المذابح الأهلية الناشئة عن التعصب الديني والمذهبي. ولولا ذلك الانتصار البربري على المسلمين لنجت اسبانيا من وصمة محاكم التفتيش ولولا ذلك لما تأخر سير المدينة ثمانية قرون ..
« ونحن مدينون للمسلمين بكل مساق حضارتنا في العلم والفن والصناعة مع أننا نزعم اليوم أن لنا حق السيطرة على جميع الشعوب العريقة في الفضائل وحسبها أنها كانت مثال الكمال البشري في مدة ثمانية قرون بينما كنا يومئذ مثال الهمجية، ولكنه لكذب وافتراء ما ندعيه من أن الزمان قد اختلف وأنهم صاروا يمثلون اليوم ما كنا نمثله نحن فيما مضى ومثل هذا القول ردده العلامة كلود فاير حين اعترف بأنه قد أتاحت الإنسانية بعد السبعمائة الميلادية على العالم الغربي سبعة قرون أو ثمانية من الهمجية قبل أن تظهر تلك النهضة، هذه الكارثة هي ذلك النصر الهائل الذي أحرزته في بواتيه جماعات الهركاس المتوحشين يقودها شارل مارتل على فرق العرب والبربر في مثل هذا اليوم فتقهقرت الحضارة ثمانمائة سنة، وحسب المرء أن يذكر ما كان يمكن أن تصل إليه فرنسا، لو أن « الإسلام» النشيط الحاذق الرصين المتسامح إذ الإسلام هو كل هذا- استطاع أن ينتزع وطننا فرنسا من فظائع لا تجد لها أسماء»
 هكذا نظرت أوربا إلى الإسلام وقد وسعت هذه النظرة من بعد، فظنت أن سوريا ومصر وشمال إفريقيا كانت تارغة للدولة الرومانية وأن الإسلام قد انتزعها من الغرب وأن من حق الغرب أن يستعيد هذه الأرض وأن يرد الإسلام إلى الجزيرة العربية.
رابعـا : أعمدت حركة التاريخ الإسلامي على « مبادئ» آمن بها قادة برزوا من قلب قوى شعبية مؤمنة برسالة الإسلام، معتنقة هدفا أساسيا هو نشر هذا الإسلام وإذاعته في العالم كله، ومنذ اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى بعد أن أقام بناء الجماعة الإسلامية وجمع الجزيرة العربية على كلمة التوحيد، فلم يلبث الإسلام أن أسرع بالاندفاع إلى الشمال والشرق والغرب ناشرا لواءه، وكان لابد لدعوة تقوم على التوحيد والعدل، من أن تجتاز القفار والوهاد، حيث استقبلتها الأمم والشعوب بالولاء وفتحت لها صدور والأوطان فلم يقف أمامها تصدها، إلا القوى الحاكمة الطاغية الوثنية، هذه القوى التي اصطدم بها الإسلام حين وقفت في وجهه تصده، وتمنعه من تحققي إرادة الحرية والتوحيد.
ثم توقف عصر التوسع بانتهاء الدولة الأموية وبدأ عصر جديد هو عصر ( التبلور والانصهار) للجماعة الإسلامية التي أصبحت مجتمعا ضخما يتمثل في أكثر من سلطة أساسية، فنتائج في هذه المرحلة أن تقدم وحدات سياسية استقلالية في أكثر من إقليم، قام عليها إعلام من بناة القول، حملت لواء النهضة والحضارة والبناء، وقد ظلت بعض هذه الوحدات مرتبطة بمقر الخلافة العباسية فيما بعد، وفي هذه المرحلة قامت الدولة الأموية في الأندلس مستقلة عن الخلافة العباسية فيما بعد، وقد ظلت بعض هذه الوحدات مرتبطة بمقر الخلافة العباسية فبما بعد، وفي هذه المرحلة قامت الدولة الأموية في الأندلس مستقلة عن الخلافة العباسية. وقضت الأمة الإسلامية الجديدة تواجه محاولات الانصهار بين الأجناس والألوان والشعوب طبعها الإسلام بطابعه.
ومضت هذه المرحلة في صراع بين القوى التي مازالت تحاول أن تسقط دولة الإسلام بالمؤامرة أو تسقط فكره بالشعوبية، واختلطت هذه الحركات الهادمة بحركات العدل الاجتماعي التي كانت تقصد إلى تحقيق مفهوم الإسلام، ومن خلال الصراع بين العرب والترك والفرس، أخذت الجبهة الداخلية في التصدع مما جعلها ضعيفة أمام الغزو الخارجي.
خـامسـا : هذا الغزو الذي بدأ أول أمره في صورة صراع على الحدود البيزنطية الإسلامية من ناحية الشمال وعلى الحدود بين الفرنجة والأندلس من ناحية الغرب.
هناك أهلت «أزمة الإسلام الكبرى» هذه المرحلة التي مرت بعالم الإسلام منذ أقبلت الحملات الصليبية على المشروع في أواخر القرن الخامس الهجري 493 هـ- 1099م هنالك بدأت مرحلة من أدق مراحل تاريخ الإسلام، حين تعرض الإسلام للخطر وتوالت هذه الحملات على ساحل الشام ومصر وتونس ولم يلبث عام 656 هـ- 1258م أن زحف هولاكو على (عالم الإسلام) في الغزو المغولي الذي دمر بغداد وسيطر على حلب ودمشق واستطاعت مصر أن تصده في موقعه عين جالوت 659 هـ وبعد عامين من سقوط بغداد.
وتوالت في هذه المرحلة الحملات الصليبية على المغرب لإجلاء الإسلام والعرب من الأندلس. وكانت هذه الحملات قد توالت منذ معركة بلاط الشهداء عام 144 هـ وأصبحت الحرب سجالا بين القوات الإسلامية التي قادها بنو الأغلب طويلا في سبيل دعم نفوذ الإسلام في ايطاليا وفرنسا واسبانيا. ثم لم تلبث أن تراخت هذه القوة، ليرتفع « مد » نفوذ الفرنجة، فإذا الأندلس قد وقفت في الصراع بين مملكة قشتالة ومملكة الأندلس، وهو صراع طال واحتدم.
سادســا : في هذه المرحلة ظهرت قوات إسلامية ثلاث حملت لواء الإسلام ودافعت عنه: ظهرت قوة السلاجقة في المشرق وأبرز رجالها آل زنكي ونور الدين محمود ثم صلاح الدين الأيوبي ثم قوة المماليك، وهما القوتان اللتان نصرتا الإسلام في المشرق، وفي المغرب ظهرت قوة البربر وهي القوة البدوية الشابة التي خرجت من صحراء المغرب وعبرت إلى الأندلس مرتين واستعادت المملكة الإسلامية من الفرنجة وكان من أبرز رجال البربر : يوسف بن تاشفين وعبد المؤمن بن علي وقد استطاع هؤلاء الأبطال في معارك حاسمة ومواقع خالدة : حطين وعين جالوت والزلاقة أن يحدوا من قوة الغزاة وأن يردوهم على أعقابهم.
وهكذا تبدو صورة العالم الإسلامي وهو في معركة مستمرة بينه وبين القوى المعادية له الراغبة في السيطرة عليه. ذلك أنه ما أن توالت الحملات الصليبية على ساحل الشام حتى ظهر نور الدين محمود قام أول وحدة إسلامية كبرى في وجه العدو، ثم برز صلاح الدين الأيوبي فسحق الصليبين في حطين عام 583 وأعاد بيت المقدس.
وما أن تقدم لويس إلى دمياط وهاجم مصر على رأس الحملة الصليبية السابقة عام 646 هـ حتى هزمه المصريون واعتقلوه في المنصورة واضطروه إلى دفع فدية ضخمة لاستخلاص نفسه أما الصليبيون فقد انتهت معاركهم بالهزيمة الكاملة فقد عاد الصليبيون إلى أوربا وقد خسروا هذه القوى التي قذفوا بها عالم الإسلام دون أن يحرزوا أي نصر وكانوا آية في القسوة والتعصب واستنزاف دماء المسلمين حتى نقلوا سبعين ألفا في فتح بيت المقدس، فلما هزمهم المسلمون واستردوا منهم القدس، رفض صلاح الدين أن يعاملهم بالمثل، أما التتار فقد عادوا مرة ومرة، وواجهتهم قوى المسلمين التي صرعتهم في عين جالوت وبعدها، وكان الإسلام قد صهرهم في داخله فتحولوا إليه.
وقد استطاع المماليك الإدالة من الصليبين والتتار جميعا، في نفس الوقت الذي أخذ الإسلام ينتشر بقوته الذاتية في إفريقيا وجنوب شرقي آسيا.
سـابعـا : وحين حان انتفاض الإسلام من المغرب بسقوط الأندلس المسلمة في يد الفرنجة، وهي معركة بدأت سنة 898هـ- 1609 م باتفاق فرديناند وايزابيلا وانتهت أكثر من مائة وعشرين عاما بإجلاء المسلمين عن الأندلس وأوربا نهائيا في 1018هـ - 1609م.
حين حدث هذا كان الإسلام قد امتد إلى أوربا من ناحية المشرق عندما استولى العثمانيون على القسطنطينية 857 هـ 1452 م ومدوا نفودهم حتى وصل أسوار فينا ( 1095هـ- 1683) في قلب أوربا.
وكان العثمانيون قد أقاموا قوة إسلامية جديدة واجهت أوربا وصارعتها وأقلقت مضاجعها وامتد هذا النفود ستة قرون كاملة.
وفي خلال هذه الفترة استطاعت الدولة العثمانية أن تحمي العالم الإسلامي من الحملات الصليبية التي كانت تتأهب للسيطرة والتي تحولت لتطويق عالم الإسلام.
ثـامنـا : كانت الحملات الصليبية على المشرق الإسلامي هي نقطة الانطلاق في أوربا والشرارة التي أوقدت الحضارة الغربية الحديثة فقد سيطرت أوربا على منهج العلم التجريبي الإسلامي الذي كان
يتمثل في قاعدة جامعات الإسلام في الأندلس وذلك حين أجلت المسلمين والعرب من أوربا كلية.
نعم كانت الحروب الصليبية هي مقدمة النهضة في الغرب فقد انتقلت الثقافة والعلوم من مسالك الشرق والأندلس وجنوب ايطاليا ثم من بعد عن طريق آسيا الصغرى.
وكانت أفكار المسلمين وعلومهم وكانت مفاهيم الإسلام نفسه بعيدة الأثر ودعوة أوثر وكلفن لإصلاح المسيحية، كما كانت بعيدة الأثر في حرية الفكر وتطور المنهج العلمي التجريبي الذي صاغه المسلمون أساسا ومن خلال مناهج ابن حزم وابن الهيثم والجاحظ وابن خلدون فاقت الأسس لتطور الفكر الغربي.
تـاسعـا : من نقطة الانحدار بسقوط الأندلس بدأت اسبانيا والبرتغال انطلاقها لغزو العالم الإسلامي عن طريق ساحل إفريقيا الغربي فيما أطلق عليه تطويق عالم الإسلام والالتفاف حوله، نتيجة لسيطرة الدولة العثمانية على البحر الأبيض، وكان هذا في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي ، (التاسع الهجري) وقد امتد وتطاول حتى أخذت الدولة العثمانية تدخل في مرحلة الضعف بعد أن خسرت المجر 1095هـ- 1683 م وحين بدا الأسطول الفرنسي يقصف الجزائر وتونس 1076هـ- 1665م ثم بلغت هزيمة الدولة العثمانية ذروتها في القرن الثاني عشر الهجري 1109هـ- 1698م، هنالك بدأت تشرق من آفاق الأمة العربية قوة جديدة تحمل لواء التوحيد في قلب الجزيرة العربية ومن داخل حلقات الجامع الأزهر.
غير أن القرن الثالث عشر الهجري قد شهد امتداد النفوذ البريطاني الفرنسي إلى العالم العربي الإسلامي ففي 1177 هـ- 1763م بدأت بريطانيا تسود الهند، وفي 1213هـ 1798 م بدأت الحملة الفرنسية على مصر، وفي 1246 هـ 1830م احتلت فرنسا الجزائر، ولم ينته القرن الثالث عشر الهجري حتى كانت فرنسا قد استولت على تونس 1299هـ - 1881م وبريطانيا على مصر 1300 هـ- 1882م غير أن المقاومة العربية كانت قد بدأت حركتها من خلال الحركات الإسلامية التي اتصلت ولم تنقطع.
عـاشـرا : أما القرن الرابع عشر الهجري ونحن نعيش اليوم عقده الأخير، فقد شهد توارت المقاومة في مختلف أنحاء الأمة العربية والعالم الإسلامي على الاستعمار البريطاني الفرنسي والهولندي، وقد انتهت الدولة العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى وتقسمت دول الأمة العربية وتجرأت تحت نفوذ الاستعمار، غير أنها لم تقبل الاحتلال وتارت واستطاعت أن تحقق كثيرا من الانتصارات، غير أن أخطر ما بلغه النفوذ الأجنبي هو إقامة دولة صهيونية في فلسطين، وحين أعلن الإنجليز بلسان قائدهم اللثبي عام 1917 أنهم بدخولهم القدس قد انتهت الحروب الصليبية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here