islamaumaroc

الحرف العربي في مفاهيمه -3-

  دعوة الحق

العددان 138 و139

مازال الحديث يدور حول- الحرف العربي في مفاهيمه فعندما يتأمل الإنسان الصوت الخارج من الحلق، وتهيئه آلاته- وينعم النظر في الكلام وانتظامه، والحروف وأدواتها ومقاطعها وأجراسها- يدرك الحكمة الباهرة والمنطبعة في هواء ساذج ينطلق من الجوف متسلكا في أنبوبة الحنجرة حتى ينتهي إلى الحلق واللسان، والشفتين والأسنان، هناك يحدث مقاطع ونهايات وأجراس يسمع له عند كل مقطع ونهاية جرس واضح منفصل عن الآخر يحدث بسببه الحرف. لذا فهو صوت واحد ساذج يجري في قضية واحدة لينتهي إلى مقاطع وحدود تسمع له منها تسعة وعشرون حرفا- عليها يدور الكلام كله- أمرا ونهيا، خبرا واستخبارا، نظما ونثرا، خطبا ومواعظ،- وبالتالي- فضول ينشأ عنها المضحك والميكي والمؤيس والمطمع، والمخيف والمرجي، والمسلي والمحزن، والقابض للنفس والمنشط، والمقم الصحيح، والمبرئ السقيم، كما منه مايزيل النعم، ويحل النقم، وما يستدفع به البلاء، ويستجلب به النعماء، وتستمال به القلوب، يؤلف به بين المتباغضين، ويوالي به بين المتعاديين- ومنه ما كان على الضد.
وواضح أن يكون من هذا القبيل- الكلمة التي لا يلقى لها صاحبها بألا يهوى بها في النار أبعد مابين المشرق والمغرب، وذلك ما يجعلنا نؤمن أكثر بعظمة الله وبديع صنعه- في إنشاء ذلك- من هواء ساذج يخرج من الصدر لا يدري ما يراد به، ولا أين ينتهي، ولا أين مستقره. هذا إلى ما في ذلك من اختلاف الألسنة واللغات التي لا يحصيها إلا الله – (1).
ويتجلى هذا المعنى بأجلى مظهر- ما اجتمع الناس من بلاد شتى فيأخذ كل منهم يتحدث بلسانه- هناك تسمع لغات مختلفة، وكلامام منتظما في تأليف وتنسيق بديعين- وقتا لا يدري كل منهم مقول الأخر- واللسان الذي هو جارحة واحد شكلا ومنظرا- والحلق كالأضراس والشفتين هي الأخرى كذلك- والكلام مختلف متفاوت أكبر تفاوت.
وما آية ذلك إلا كآية الأرض التي تسقى بماء واحد، وتخرج من أنواع النبات والأزهار والحبوب والثمار أنواعا متباينة، يقول الله جلت عظمته : « ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين» (2)، ويقول : « وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخبل صنوان وغير صنوان تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون» (3).
لنرجع مرة أخرى ولننظر في الحنجرة كيف هي – كالأنبوب لخروج الصوت، واللسان والشفتين والأسنان- لصباغة الحرف والنغمات- إلا ترى أن من سقطت أسنانه لم يقم الحروف التي تخرج منها ومن اللسان، ومن فقدت شفته لا يستطيع طبعا إقامة الياء والميم، حيث يصبح أعلم أو أفلح أو هما جميعا             
( أيقنـــت اثنــــي
                 أنــا الميم والأيـام أفلح أعلم )
كما أن من عرضت له آفة في حلقه هو كذلك لا يمكنه النطق بحروف الحلق. ومن هذا المنطلق اندفع علماء الجراحة والتشريح فشبهوا مخرج الصوت بالمزمار (4)، والرئة- بالرق الذي ينفخ فيه من أسفل ليدخله الريح، والفضلات التي تقبض على الرئة ليخرج الصوت من الحنجرة- بالأكف التي تقبض على الزق حتى يخرج الهواء في القصب، والشفتين والأسنان التي تصوغ الصوت حروفا ونغما- بالأصابع التي تختلف على المزمار فتصوغه ألحانا. والمقاطع التي إليها الصوت- بالأبخاش التي في القصبة (5) حتى قيل، أن المزمار إنما اتخذ على مثال ذلك من الإنسان- فإذا ما وقع الإندهاش والتعجب من الصناعة التي تسيرها أكف البشر حتى تنشأ منها تلك الأصوات- فما أحرى الإنسان بطول التعجب من الصناعة الإلهية التي كونت تلك الحروف والأصوات من اللحم والدم، والعروق والعظام- ويا بعد ما بينهما ... !
بيد أن المألوف والمعتاد لا يقع عند النفوس موقع التعجب فإذا رأيت ما لا نسبة له إليه أصلا إلا أنه غريب عندها- تلقته بالتعجب- وأخيرا فمن تأمل اختلاف تلك النغمات وتباين هذه الأصوات والميز بينهما مع تشابه الحناجر والحلوق، والألسنة، والشفاة والأسنان، تيقن أكثر بعظمة الصانع المبدع جلت قدرته.
علاوة على ما في هذه الآلات من مقاصد ومنافع أخرى لها غير منفعة الكلام فهذه الحنجرة نجد لها مسلك النسيم البارد الذي يروح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع، وهذا اللسان هو كذلك له منفعة الذوق والميز بين الطعوم وأشكالها وألوانها وادراك اللذات المختلفة مع إعانته على اساغة الطعام ولوكه حتى يسهل مسلكه في الحلق – وفي الأسنان منافع أخرى غير ما ذكر وهكذا دواليك.
( وفي كـل شـيء لـه آيـة
              تـدل علـى أنـه واحـــد)  
                                                     
1 ) واليوم حصرها الأخصائيون في اللغات واللسنيات في : 3000 لغة.
2) الآية – 22 – سورة الروم.
3 ) الآية – 4- سورة الرعد.
4) المعنا إلى هذا المعنى في القسم الأول من المقال المنشور بالعدد : 1-2 من دعوة الحق ص 138 – السنة (14).
5) الأيخاش – عبارة عن الثقب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here