islamaumaroc

أعلام الأندلس: القاضي أبو بكر ابن العربي (468-543 ه) -4-

  دعوة الحق

العددان 138 و139

في بغـداد- ثانية
عاد ابن العربي إلى بغداد، - بعد أن أدى فريضة الحج – ليواصل نشاطه العلمي والسياسي، وعلينا أن نقول كلمة في كلا الجانبين :

الجانب العلمي :
كانت المدة التي قضاها أبو بكر بالقدس في الدرس والتحصيل، كافية لأن تجعله في مستوى عال من الفهم والمعرفة، والنضج الفكري، وعلى استعداد تام ليخوض الجولة الأخيرة في هذا الميدان . «. .. وكان من صنع الله الجميل بي ، توفيقه إلى الإقامة بأرض الشام، في بقعة مباركة، وبين العلماء، حتى صار ذلك درجا للقاء المحققين، الذين ينتقدون ما حصلت، ويفسرون ما أجملت، يوضحون ما أبهمت، ويكملون ما نقصت ، وصار ما حصل عندي من تلك المقدمات، استعدادات لقبول الحقائق فيها، وتقييد الشارد من معانيها، وصار ذلك كمن يدخل المعدن، فيجمع النضار برغامه، ويحمله إلى دار السبك لتخليصه . . (1)»

شيوخه ببغداد
كان على ابن العربي – وهو الشاب الطموح – أن يتعرف على كبار علماء بغداد، ومشايخها البارزين، ويقتبس من علومهم ومعارفهم، فهو رغم أنه مالكي المذهب، فقد تتلمذ لكثير من فقهاء الشافعية وبعض الحنابلة ، وقد ذكرت سابقا، طائفة من الشيوخ الذين لقيهم ابن العربي ، أول دخوله إلى بغداد، أو رافقهم إلى الحج، فسمع منهم هناك (2)
ومن أوائل أساتذته الذين طال اتصاله بهم، وكان لذلك أثره في حياته، أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي، رئيس الشافعية، درس بالنظامية وسواها من مدارس بغداد، وكان يلقب بالجنيد لدينه وورعه، وعلمه وزهده، ( ت 507 هـ ) (3).
ومن تواضعه- رحمه الله- أنه كان كثيرا ما ينشد في مجالسه :
خلت الديـار فسـدت غير مسـرد
             ومن العـناء تفـري بالســؤدد
ويضع المنديل على عينه ويبكي ! (4) كان عالما منتجا، ومؤلفا مثمرا، ألف باسم المستظهر كتابه «حلية العلماء، في معرفة مذاهب الفقهاء»، والعمدة، وهو كالشرح له، وسواهما، من المؤلفات المعتمدة في المذهب الشافعي، والشاشي من الفقهاء القلائل، الذين طبقوا المنهج العلمي في دراستهم للمذاهب الفقهية، دون تحيز أو تعصب، « .. سمعته وهو ينتصر لمذهب أبي حنيفة في مجلس النظر، يقول : يقال في اللغة العربية: لا تقرب كذا – بفتح الراء- أي لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء، كان معناه لا تدن من الموضع .. »(5)
وابن العربي معجب كل الإعجاب بأستاذه الشاشي، يراه فوق كل الشيوخ، ويلمحه بدرا ساطعا، وشهابا ثاقبا، يضيء كل جوانب المعرفة، وينفذ إلى الأعماق : « .. واختصصت بفخر الإسلام أبي بكر الشاشي، فقيه الوقت وإمامه، وطلعت لي شمس المعارف، فقلت : الله أكبر، هذا هو المطلوب الذي كنت أحمد، والوقت الذي كنت أرقب وأرصد ! فدرست وقيدت، و (شفيت) وارتويت، وسمعت ووعيت .. » (6)
وكان الفتى ذا ميل طبيعي إلى النقد والبحث، والفحص والتمحيص، ينتقد كل شيء، ويرفض- بكل قوة- ما لا يقبله عقله، أو لا يستسيغه ذوقه، ولو كان صادرا ممن كان ! وكان الشيخ يعرف ذلك من تلميذه، فيفسح له المجال: يلمح له إلى الحقيقة، ويرشده إن أخطأ الدليل أو أغفله، «.. كنت أرى بمدينة السلام يوم الجمعة، كل أحد يحضر بحصيره ونمرته، فيفرشها في جامع الخليفة، فإذا دخل الناس إلى الصلاة تحاموها، حتى يأتي صاحبها فيصلي عليها، فأنكرت ذلك، وقلت لشيخنا فخر الإسلام أبي بكر الشاشي : أو يوطن أحد المسجد وطنا، أو يتخذ منه مسكنا ؟ قال : لا، ولكن إذا وضع أحد مصلاه، كان أحق بذلك الموضع، لقول النبي (ص) « منى مناخ من سبق» (7).

اتصـالـه بالغـزالي
ومن الشيوخ الدين يعتز ابن العربي بهم، ويفاخر- شامخا أنفه بالأخذ عنهم- أبو حامد الغزالي ( ت 505 هـ (8)، وكان لقاؤه له برباط أبي سعيد بمدينة السلام، في جمادى الآخرة، سنة ( 490هـ)، بعد عودته من السياحة التي انعزل فيها عن عالم الناس، وتجرد للتفكير والعبادة : « .. فأوضت أبا حامد الغزالي حين لقائي له بمدينة السلام، في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وكان قد راض نفسه بالطريقة الصوفية، من وقت تجرد الغزالي، من سنة (9) ست وثمانين وأربعمائة ( 486هـ) إلى ذلك الوقت، نحوا من خمسة أعوام (10)، وتجرد لها، وأصطحب مع العزلة، ونبذ كل فرقة .. » (11).
ولا يخفي ابن العربي فرحه بهذا اللقاء، وابتهاجه بهذه الأمنية التي طالما اشتاق إليها، ولتدعه يحدثنا بأسلوبه الخاص، وهو ينم عن شعور عميق. وإحساس بعيد، وهو أمر لا تسعه إلا دنيا الخيال: «.. حتى ورد علينا دانشمند (12)، برباط أبي سعيد، بإزاء المدرسة النظامية، معرضا عن الدنيا، مقبلا على الله تعالى، فمشينا إليه،
وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له : أنت ضالتنا التي كنا ننشد، وامامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة . . فإنه كان رجلا، إذا عاينته، رأيت حالا ظاهرا، وإذا عالمته وجدت بحرا زاخرا، وكلما اختبرت، اختبرت ، فقصدت رباطه ، ولزمت بساطه، واغتنمت خلوته ونشاطه، وكأنما فرغ لي ، لأبلغ منه أملي، وأباح مكانه، فكتب لي لقاه، في الصباح والمساء، والظهيرة والعشاء، كان في بزته أو بذلته، وأنا مستقل في السؤال، عالم حيث تؤكل كتف الاستدلال. وألقيته حفيا في التعليم، وفيا بعهدة التكريم . .» (13)
وقد فتح أبو حامد صدره لهذا الفتى الغريب، وخصه – دون من سواه – بالتكريم والتقريب، وكشف له عن آفاق. لم يكن قط يحلم بها، وباح إليه بسره المكنون، وكأنه توسم فيه أنه من السالكين المهتدين. « . . فلما طلع لي ذلك النور، وتجلى ما كان تفثاني من الدبجور، - قلت هذا مطلوبي حقا، هذا بأمانة الله منتهى السالكين. وغاية الطالبين . .» (14)
ظل الفتى إلى جانب شيخه، يغترف من بحره، ويقتبس من أنواره، ويتردد إليه في خلواته وجلواته، نحو عامين كاملين، فسمع عليه كتبه، واستكشف عقيدته ومذهبه : « . . قرأت عليه جماعة من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه «الإحياء لعلوم الدين» فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته، والمستكشف عن طريقته: لأقف من سر تلك الرموز التي أرما إليها في كتبه، على موقف تام المعرفة. وطفق بجاوبني مجاوبة الناهج لطريق التسديد للمريد، فقال لي من لفظه، وكتب لي بخطه . . » (15)
ولم يكتف أبو بكر بما كان يلقيه في مجلس شيخه من سؤال، وما يدور من حوله، بل حرر مجموعة أسئلة، كانت تختلج في صدره، وتجيش بها نفسه، مما تحدث عنه الفلاسفة المتكلمون، ولم يشفوا فيها الغليل، فقدمها إلى أستاذه يستجليه حقيقتها، ويستكشف وجه الصوب فيها ، وكان من بين هذه الأسئلة :
هل الروح أجزاء نورانية بعدد المخلوقات، أو جوهر روحاني، يلقى إلى كل جسد من شعاعه، كما تلقيه الشمس إلى من لم يحجب عنها ؟ . .
ويجيبه الشيخ بفيض من العلم، ولكنه بوصية – بادي، ذي بدء :
1 – أن لا يطمع في الإجابة عن كل ما يعترض في نفسه، لأن ذلك طمع في غيره مطمع، وأن يتلو قوله تعالى : «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا».
2 – أن لا يكذب برهان العقل، فإن العقل لا يكذب، إذ به عرفنا الشرع.
3 – أن يكف عن تعيين التأويل حين تعرض الاحتمال، فإن الحكم على مراد الله ومراد رسوله (ص) – بالظن والتخمين – خطر . . » (16)
ورغم أن ابن العربي ، معتز بأستاذه الغزالي. كإمام من أئمة الإسلام، وكفحل من فحول الفلاسفة، فقد رد عليه كثير من آرائه، وانتقد طائفة من كتبه : « . . بعلم الله، وتشهد لي كتبي ومسائلي وكلامي مع الفرق، بأني ، جد بصير بأغراض القوم ومقاصدهم، فإن معلمي كان فحلا من فحولهم، عظيما من عظمائهم . . وتالله، أني كنت محتشما له، غير راض عنه، وقد رددت عليه فيما أمكن. واحتشمت جانبه فيما تيسر . .» (17)
وكان مما رده عليه قوله – في الروح -:«إنها عبارة عن بخار لطيف، أنضجته حرارة القلب، تنبعث منه إلى سائر الأطراف بواسطة الشرايين: فتنتهي إلى الدماغ ورطوبته. .» (18). فالروح – بهذا المعنى – غير النفس. يقول ابن العربي : « . . ولقد عجبت من حكاية الطوسي، ولقد تأملته، وقد فارقته، تأمل الراغب له، المجتهد في بيانه.
فما وجدت له في التبوت قدما ، ولا استمر على التحقيق القاصد أمما . .» (19)
وانتقد عليه قولته المشهورة : «ليس في الإمكان ، أبدع مما كان»، قال قال شيخنا أبو حامد قولا عظيما، انتقده عليه أهل العراق، وهو بشهادة الله – موضع انتقاد، قال : ليس في القدرة أبدع من هذا العالم في الإتقان والحكمة، ولو كان في القدرة أبدع منه أدخره، لكان ذلك منافيا للجود . . وزاد يقول : ونحن وإن كنا قطرة من بحره، فانا لا نرد عليه إلا بقوله . . فسبحان من أكمل لشيخنا هذا فواضل الخلائق،ثم صرف به عن هذه الواضحة في الطرائق . . » (20)
ويذكر ابن العربي، أن شيخه الغزالي، أشار عليه ذات مرة، بالإعراض عن بعض مؤلفاته، ولكن فضول الشباب، - وأحب شيء ما منع – دفعه إلى الإطلاع عليها، والنظر فيها، « . .ثم نظرت في كتاب «معيار العلوم» فاستحسنته. وجئت إليه وعلى كمي كراسة منه، فقال لي ما معك؟ فاستحييت، ودفعته إليه، فقراه مليا، وأنا أسارقه النظر، وأربض عرقا، ثم دفعه إلي وقال : «كتاب حسن»، ولكن لا تغتر مخالفتنا فيه..» (21).
وقد تحققت فراسة الشيخ ، فسرعان ما تغير رأي تلميذه في هذا الكتاب، وانقلب استحسانه ذما، وهاجمه مهاجمة عنيفة، وقال  فيه : «إنه أدخل فيه أغراضا صوفية، فيها غلو وإفراط، وتطاول على الشرع والبساط..» (22)
وابن العربي عاش مع أستاذه، كتلميذ ومربد في آن واحد، ويحدثنا في هذا الصدد فيذكر أنه سأل شيخه عن اسم الله الأعظم؟ وما أكثر ما كان المربدون يرددون هذا السؤال؟! فكان جواب الشيخ : أنه قولك : الله لا اله إلا هو الحي القيوم، قال أبو بكر : ولو كان هذا صحيحا، لكانت سورة البقرة، أعظم سورة في القرآن، لأن ذلك فيها، ولشركتها آل عمران في ذلك، ولتقدمنا على فاتحة الكتاب، ولكن لما تقدمت فاتحة الكتاب، دل ذلك على ضعف هذا الكلام، قال : وإنما عول أبو حامد على حديث ينسب إلى النبي (ص) أنه قال : اسم الله الأعظم في آية الكرسي، ولم يصح ، بل هو موضوع . . » (23).هذا . وتذكر بعض الروايات، أن ابن العربي لقي الغزالي مرة أخرى بصحاري الشام، وبيده عكازة، وعليه مرقعة، وعلى عاتقه ركوة ، فسلم عليه، وقال له: يا إمام : أليس تدريس العلم ببغداد، خيرا من هذا !؟ قال فنظر إلى شزرا، وقال : لما طلع بدر السعادة في تلك الإرادة، وجنحت شمس الوصول إلى مغارب الأصول :
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل
                   وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق مهلا فهذه
            منازل من تهوى رويدك فانزل
غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد
                    لغزلي نساجا، فكسرت مغزلي (24)
ولا ندري مدى صحة هذه الرواية ،وآثار الصنعة بادية علها ؟! أما من حيث الزمان فيجوز ذلك، وقد مر ابن العربي ببادية الشام، في طريقه إلى الإسكندرية، أواخر سنة (491هـ) (25). ولكن لا ندري هل كان الغزالي وقتئذ، لا يزال في
سردابه برباط أبي سعيد (26) بدار السلام، وهو في شبه عزلة، أم عاد إلى سياحته الشاقة، لتصحيح أول منزل – كما يقول ؟! –
وممن تتلمذ لهم ابن العربي – وهم الصفوة المختارة من أئمة هذا العصر – أبو القاسم اسماعيل ابن عبد الملك الحاكمي الطوسي، من تلاميذ إمام الحرمين، رافق الغزالي في رحلاته إلى العراق والشام، وكان شريكا له في الدرس، وكان الغزالي يكرمه غاية الإكرام، ويقدمه على نفسه، ( ت539هـ) (27). ويذكره ابن العربي بدانشمند الأكبر (28) فرقا بينه وبين الغزالي دانشمند الأصغر. وقال في حقه : شيخ الشيوخ،وصاحب اللباب في العلم والرسوخ . . »(29).
وأبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي المعروف بابن الطيوري ، المحدث الصحيح الأصول، الواسع العلم ، ( ت 500هـ) (30) ، سمع عليه بالكرخ(31)، ويفضله ابن العربي على من سواه، في ضبط الرواية ، وسعة الأفق: « . . إلا أني رأيت أبا الحسين، أحلى في القلب، وأعلى في العين . .» (32)
وأبو بكر محمد بن طرخان ، التركي البغدادي، العالم المحدث، الزاهد الورع، سمع عليه بمنزله ببغداد، وكان مستجاب الدعاء، ( ت 513 هـ) (33)
وأبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي، شيخ بغداد في الأدب، سمع عليه كثيرا، وقرا عليه جل مؤلقاته. (ت 502 هـ) (34).
والعلامة المسند، أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن محمد اليوسفي، من التقات جليل القدر. روي عن ابن شاذان وطبقته، ( ت 492هـ) (35) والحافظ أبو محمد جعفر بن أحمد بن السراج الحنبلي، مقرئ بغداد، عالم أديب، وشاعر متفنن، من أشهر مؤلفاته «مصارع العشاق» (ت 500 هـ ) (36)
والشيخ الرواية أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف البغدادي، راوي سنن الدارقطني، وكان رئيسا، من كبار المحدثين. ( ت 511 هـ ) (37).
والحافظ أبو عامر محمد بن سعدون الميورقي. استوطن بغداد، وكان ظاهري المذهب، (ت 524هـ) (38). قال ابن العربي : «وهو أنبل ما لقيت» (39).
والشيخ الورع الزاهد ، أبو الحسين محمد ابن أبي يعلى بن الفراء الحبلي، من أسرة عريقة في
العلم والفضل، وكان بارعا في معرفة المذهب والأصول والخلاف. ( ت 527 هـ) (40)
في شيوخ آخرين.
ومن أساتذته الزائرين :
القاضي أبو المطهر  الاصبهاني، لقيه حين وفد على بغداد حاجا سنة (490هـ) ، وسمح عليه حديث أم زرع بزيادت، قد لا توجد عند غيره (41)
ولم يقتصر ابن العربي في سماعه على عاصمة الخلافة بغداد، بل تجول في أنحاء العراق. فزار البصرة والكوفة، والكرح، والموصل، وسواها. وسمع على كثيرين.
وقد ضمتهم فهرسة شيوخه (42)، وذكر الأفراد في كتابه «أعيان الأعيان» (43) وخص معجمه الصغير (44) بواحد وأربعين شيخا، خرج لكل واحد منهم حديثا.
وكان إلى ذلك ، يتردد على المجالس العلمية العامة، التي تعقد في دور الوزراء وعلية القوم (45)،  ويتشارك في محاضراتها ومناظراتها . . « . . كنت بمجلس الوزير العادل ابن جهير (46)، فقرا القارئ «تحيتهم يوم يلقونه سلام»، وكنت في الصف الثاني من الحلقة بظهر أبي الوفاء علي بن عقيل ( ت 513 ) (47) إمام الحنابلة بمدينة السلام، وكان معتزلي الأصول، فلما سمعت الآية ، قلت لصاحب لي كان يجلس على يساري : هذه الآية دليل على رؤية الله في الآخرة : فإن العرب لا تقول : لقيت فلانا إلا إذا رأته، فصرف وجهه أبو الوفاء مسرعا إلينا، وقال ينتصر لمذهب الاعتزال. في أن الله تعالى لا يرى في الآخرة : فقد قال الله تعالى : « فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه » (48)، وعندك أن المنافقين يرون الله تعالى في الآخرة. .» (49)

 قــراء بــغداد :
ولا ينسى ابن العربي، أن يذكر اتصاله بقراء بغداد، وتأثيره بقراءتهم وحسن تلاوتهم : « . . وسمعت بمدينة السلام، شيخ القراء البصريين يقرأ بدار الخلافة هذه الآية : «والسماء ذات البروج» وكأني ما سمعتها قط، حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى : «فعال لما يريد» ارتجت له جوانب القصر، وكأن الأبواب قد سقطت . ! وزاد يقول : والقلوب تخشع الصوت الحسن، كما تخضع للوجه الحسن، وما تتأثر به القلوب في التقوى، فهو أظم في الأجر، وأقرب إلى لين القلوب وذهاب القسوة . . »

 مــن ورع العلمـــــاء :
ويذكر ابن العربي أن من أشياخه، من ارتقى في مقام الزهد والورع، إلى مرتبة سامية، « . . فما ادخر قط شيئا لغد، ولا نظر بمؤخر عينه إلى أحد، ولا ربد على الدنيا بيد . .» (50) ومن ورعهم، أنهم كانوا إذا سمعوا الخطيب يوم الجمعة، يدعو لأهل الدنيا، قاموا فصلوا، وربما تكلموا في مسائل من العلم، ولا يصغون إليه، لأنه – في نظرهم – لغو لاسيما وبعض الخطباء يكذبون، فالاشتغال عنهم واجب، والإعراض في مثل هذه المواقف ضروري أكيد ... » (51).
وكان الشيخ الواعظ الصوفي أبو عطاء، يقول لتلاميذه بمدينة السلام- وهو يعلمهم حكمة العلم- « أن الكلب المعلم، يغل في السلاسل، ليعمل بمقتضى علمه، والكلب الجاهل، يترك وشهواته، ولن ينال ذلك إلا بالصبر..» (52).

خنثـــى من المغـرب :
ومن غرائب ما يذكره ابن العربي في حديثه عن الحركة الفكرية ببغداد، واتصال المغرب بالشرق- أنه شاهد خنثى من بلاد المغرب، تدرس على الإماما الغزالي، لها لحية وثديان، وعندها جارية .. قال : « ..ومع طول الصحبة، عقلني الحياء، عن سؤاله، ويودي اليوم، إن لو كاشفته عن حاله..» (53)

حدثنـي أبــي عـن أبيـه :
وفي صدد حديثه عن شغف القوم بالرواية وتفننهم في أساليب الأسانيد- يذكر من صيغ التحديث- قولهم: حدثني أبي عن أبيه، إلى رسول الله (ص). قال مالك في تفسير قوله تعالى : « وأنه لذكر لك ولقومك»- قول الرجل حدثني أبي عن أبيه .. قال ابن العربي : ولم أجد هذه الرتبة إلا عند بني التميمي ببغداد، فإنهم يقولون : حدثني أبي عن أبيه إلى رسول الله (ص)، وبذلك شرفت أقدارهم، وعظم الناس شأنهم، وتهممت الخلافة بهم (54) ..»

منهـج الدراســة :
وبالرجوع إلى ما أوردناه من أخبار أولئك الشيوخ، نعرف أنهم أساتذة المنهج النقلي، وهو دعامة ما درسه ابن العربي من علوم وفنون، ويمكن تلخيصه في طريقتين :
1- التلقي من فم الشيخ.
2- كتابة ما ينسب للشيخ من علم في كتاب أولا .. ثم قراءة الكتاب على الشيخ وهو يسمع، وقد يختصر ذلك بأن يجيز الشيخ الطالب في أن يروي ما في كتاب الشيخ دون أن يقرأ عليه..
ولا غرو أن يجمع ابن العربي، بين الطريقتين. ويغترف بكلتا اليدين، فهو قد سمع كثيرا، ودون كثيرا.. وحمل إجازات علمية من أساتذة كبار، وفيها تقدير لعلمه وكفاءته، وسنعرض لذلك بشيء من التفصيل في مناسبة أخرى.
أما المواد التي درسها، والكتب التي قرأها، فيطول بنا القول لو أردنا أن نتحدث عنها، وقد أورد ابن خير فقط في فهرسته، أزيد من مائة كتاب، ما بين تفسير وحديث، وفقه وأصول ولغة وأدب، وتاريخ وسير، وفلسفة وتصوف .. قراها أو سمعها كما بجامعة بغداد، دون  ما سمعه في غيرها من المراكز العلمية في الشرق والغرب الإسلاميين، وقد تعرض لها في موضع آخر من هذا البحث.
ولنكشف- هنا- بهذه الكلمة التي أوردها في مقدمة كتابه (قانون التأويل) وهي تمس فقط جانبا من جوانب التشريع الإسلامي. فيقول : « .. قرأت من كتب التفسير كثيرا. ووعيت من حديث الرسول عيونا، كتفسير الثعلبي (55) ونسخه الطرطوشي فزاد فيه ونقص، فجاء تأليفا له (56)، وكتاب المارودي (57) ومختصر الطبري (58)، وكتاب ابن فورك (59)، وهو أقلها حجما، وأكثرها علما، وأبدعها تحقيقا، وهو ملامح (60) كتاب (المختزن)، الذي جمعه في التفسير الشيخ أبو الحسن (61) في خمسمائة مجلد (62)، وكتاب النقاش (63)، وفيه حشو كبير (64)، ومن كتب المخالفين كثيرا، ومن المسانيد جما غفيرا، وأكثر ما قرأت للمخالفين، كتاب عبد الجبار الهمذاني (65)، الذي سماه بـ (المحيط) مائة سفر، وكتاب الرماني (66) عشر مجلدات، وفاوضت فيه علماء المخالفين والمؤلفين، وأهل السنة والمبتدعين، فاستفدت من أهل السنة، وجادلت- بالتي هي أحسن- أهل البدعة.
وأقنيت عظيما من الزمان، في طريقة الصوفيين، ولقيت رجالاتهم من تلك البلاد أجمعين، وما كنت أسمع بأحد يشار إليه بالأصابع، أو تثنى عليه الخناصر، أو تصيخ إلى ذكره الآذان، أو ترفع إلى منظرته الأحداق، إلا رحلت إليه قصيا، أو دخلت إليه قريا .. » (67).
وكان يقول : كنت أحفظ بالعراق، في كل يوم سبع عشرة ورقة .. وعندي مسائل ألقية، درست في كل يوم مسألة ألف مرة، بعد أن حفظتها ..» (68).
وإذا كان ابن العربي قد أنهى مهمته العلمية أو كاد، ووفق فيها التوفيق كله، فهناك مهمة أخرى تنتظره، ولا ندري مدى حظه منها .. ؟
وليكن ذلك موضوع حديثنا القادم بحول الله.

1 ) انظر قانون التأويل، ( 147 – أ ).
2) انظر القسم الثالث من هذا البحث.
3) انظر وفيات الأعيان 3/ 356، وطبقات السبكي 4/ 57 – 61، وشذرات الذهب 4/ 16- 17 ، والنجوم الزاهرة 5/ 206.
4 ) انظر وفيات الأعيان 3 / 356.
5) النفح 2/ 36- تحقيق إحسان عباس.
6) قانون التأويل، ( 143- أ )
7) انظر العارضة، 4/ 111 – 112.
8) انظر ترجمته في وفيات الأعيان، 3/ 353، وطبقات السبكي، 4/ 101، وشذرات الذهب  4/ 10، والوافي بالوفيات 1/ 277 ، ومفتاح السعادة 2/ 191.
9) وهو ما في النسخ المصححة في كتاب « المنقذ من الضلال» للغزالي، وفي بعض النسخ، سنة (488)- وعليه اقتصر صاحب وفيات الأعيان، وتبعه على ذلك كثير من القدامى والمحدثين.
10) وهذا لا ينافي ما ذكره الغزالي في كتابه « المنقذ من الضلال» - ص 72- من أنه « واظب على العزلة والخلوة قريبا من عشر سنين .. » لأن ذلك باعتبار مجموع المدة التي عاشها الغزالي في عزلته، وابن العربي إنما لقيه أثناء ذلك، كما    هو صريح كلامه.
11) انظر العواصم من القواصم 1/ 20- طبع عبد الحميد البادسي بالجزائر.
12) دانشمند : الحكيم العلامة، أو العارف ويعني به الغزالي.
13) قانون التأويل (143 – ا)
14) قانون التأويل (142 – 143)
15) العواصم من القواصم، 1/20.
16) يوجد بالخزانة العامة بالرباط، مخطوطة صغيرة في 17 ورقة، جاء في أولها : «هذه أجوبة أسئلة ابن العربي، إذ سأل شيخه الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي».
17) ) قانون التأويل (165)
18) انظر مخطوطة الرباط
19) ) قانون التأويل، (152)
20 ) أنظر مقدمة الأستاذ الإمام محمد الخضر حسين، شيخ الأزهر ، لإحدى طبعات الأحياء.
21) ) قانون التأويل، (179).
22) العواصم من القواصم 1/84
23) انظر العارضة ، 13/34.
24) وقد أوردها محب الدين الخطيب في مقدمة العواصم، ص 20، والشيال في كتابه عن الطرطوشي، ص 30 – كرواية مسلمة لا شبهة فيها، واستبعد الدكتور حسين مؤنس، لقاء ابن العربي للغزالي ببادية الشام، ولا ندري ما وجه استبعاده ، ما دام يقول بأن الغزالي عاد مرة أخرى إلى الشام، وخرج سائحا إلى بيت القدس. .! انظر صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، م 11 – 12، ص 120 وما بعدها.
25) انظر النفح 2/28، والأحكام 2/56، وفهرسة ابن خير، ص 418.
26) انظر العرضة 8/27-28.
27) الطبقات ، 4/204.
28) انظر العارضة 12/ 226.
29) قانون التأويل ، (143 – ب )
30) انظر المنتظم لابن الجوزي 9/154، وابن حجر لسان الميزان ، 5/9.
31) انظر العارضة 3/243، وفهرسة أبي خير ، ص 490، 160.
32) العارضة ، 1/7.
33) طبقات السبكي، 4/70، وشذرات الذهب 4/14، وانظر العارضة 3/285، و8/124. وفهرسة ابن خير ص 69، و 162، و341، و374، و414.
34) وفيات الأعيان 5/238، ومفتاح السعادة 1/175، وبغية الوعاة ص 413. وانظر الأحكام 2/188، وفهرسة ابن خير ص 441 و ص 416.
35) تذكرة الحفاظ  4/1230، و وشذرات الذهب 3/397.وانظر العارضة 13/137 وفهرسة ابن خير ص 276 ، وص 284.
36) وفيات الأعيان 1/309، والنجوم الزاهرة 5/ 193، والديل على طبقات الحنابلة لابن رجب 1/1293، وبغية الوعاة ص 211، وانظر فهرسة ابن خير ص 60، و186 و 226.
37) النجوم الزاهرة 5/214، وشدرات الذهب 4/31. وانظر العارضة 1/7 ، وفهرسة ابن خير ص 117.
38) انظر الذهبي العبر 4/70 . والصلة ص 534 ، والنفح 2/138
39) قانون التأويل ( 142- ا)
40) النجوم الزاهرة 5/251، شذرات الذهب 4/82 . وانظر العارضة 4/242 وفهرسة ابن خير ص 164.
41) قانون التأويل ( 142 – ا ) ، وانظر العارضة 3/273.
42) انظر فهرسة ابن خير، ص 437، وذكر أنه قراه على مؤلفه.
43) انظر قانون التأويل ( 142 – ا)
44) انظر فهرسة ابن خير ص 166 قال قراته على شيخنا ابن العربي .
45) ويذكر ابن العربي أنه كان يحضر مجلس قاضي القضاة أبي الحسن الديتاني، بجامع المنصور بمدينة السلام، انظر العارضة 5/266.
46) كان لابن  العربي عند هذا الوزير رتبة، على ما ستذكره بعد.
47) انظر ترجمته في ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة 1/142 – 163.
48) قال ابن العربي : وقد شرحنا وجه الآية في كتاب ( المشكلين)، انظر النفح 2/40
49) انظر النفح 2/39
50) انظر الأحكام 2/38
51) العارضة 8/ 302
52) الأحكام 2/ 218.
53 ) العارضة 8/ 178.
54) الأحكام 2/ 222.
55) يعني «الكشف والبيان، في تفسير القرآن» لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ( ت. 427 هـ)، وهو الذي لخصه أبو بكر الطرطوشي، انظر الرسالة المستظرفة ص 78. وفي بعض الشيخ من قانون التأويل (الثعالبي) وهو تصحيف.
56) انظر فهرسة ابن خير  ص59.
57) « العيون والنكث»- في تفسير القرآن- لأبي الحسن علي بن محمد المارودي (ت 450هـ) انظر طبقات السبكي 3/ 303.
58 ) « جامع البيان في تفسير القرآن» لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ( ت310 هـ).
     انظر تذكرة الحفاظ، 2/ 351.
59) هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فورك، ( ت406هـ). بلغت تصانيفه في أصول الفقه، وأصول الدين، ومعاني القرآن، نحوا من المائة، انظر طبقات السبكي 3/ 52- 56.
60) ملامح : مشابه.
61) يعني به أبا الحسن الأشعري (ت 324هـ)، انظر في ترجمته طبقات الشافعية 2/ 245.
62) وذكر المقريري أن هذا التفسير في سبعين مجلدا، انظر الخطط 2/ 359.
63) هو أبو بكر محمد بن الحسن النقاش (ت 351 هـ)، ويحمل تفسيره عنوان « شفاء الصدور» انظر الرسالة المستظرفة ص 77.
64) بل فيه موضوعات ومناكير، انظر الرسالة المستظرفة ص 48.
65) هو أبو الحسين عبد الجبار بن أحمد الهمداني، شيخ المعتزلة، انظر طبقات السبكي 3/ 219.
66) هو أبو الحسن علي بن عيسى الرماني (ت 484هـ) انظر وفيات الأعيان 1/133، ومفتاح السعادة 1/ 142.
67) قانون التأويل (144 أ)
68) بغية الملتمس ص 83.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here