islamaumaroc

نوافذ..نظرة جديدة عن ابن قتيبة

  دعوة الحق

العددان 138 و139

يعد ابن قتيبة من كبار أساتذة الأدب العربي ومن العلماء المبرزين في الثقافة الإسلامية، بوجه عام. وقد جعله ابن خلدون، كما هو معلوم، رابع أربعة حينما أراد أن يعين كبار المؤلفين الذين تعد كتبهم مصادر أولية لتحصيل فنون الأدب، حسبما كان متعارفا في عصره، بطبيعة الحال. وقد كنا نظن أننا نعرف الشيء الكثير عن ابن قتيبة لما أطلعنا على بعض تآليفه المهمة وعلى بعض المقالات والدراسات التي نشرت عنه سواء في الصحف والمجلات أو في مقدمة تآليفه المنشورة. لكن هذا الاعتقاد يظهر خطأه سريعا حينما نطلع على الرسالة القيمة التي وضعها عن هذا الأديب الكبير باللغة الفرنسية الأستاذ «جيرار لوكونت».
ولربما كانت كلمة "رسالة" توحي بالضآلة وصغر الحجم، والواقع أن الأمر يتعلق هنا بكتاب ضخم يتجاوز خمسمائة صفحة كلها كلام في موضوع ابن قتيبة وآثاره وأفكاره. نعم، إن مثل هذه الدراسة توحي لنا بأن ما نسميه أدب التراث، ونعتقد أننا أحطنا به واستقصينا جوانبه، ما زال في حاجة إلى عمل أكثر جدية وأكثر تحريا وتدقيقا في المناهج، بالاستناد إلى المقاييس العلمية الصحيحة.
والمزية الأولى التي نلحظها في كتاب «لوكونت» هي أنه استقصى موضوعه غاية الاستقصاء مستجيبا في ذلك إلى الضمير العلمي الذي يمشي مع الحقيقة إلى نهايتها، فقضى سنوات عديدة، تارة بالشرق وتارة بأوربا، وهو يتصفح المخطوطات ويطالع كل ما ألف عن ابن قتيبة وعصره وبيئته قديما وحديثا. فهو لا يتسرع ولا يتساهل في حكم أو في تحليل، ولا يكتب إلا بعد أن يكون تروى في مدلولها ومحص الحجج التي تستند إليها. بحيث أنه من الصعب على قارئه أن يجد شيئا جديدا يضيفه إليه، اللهم إلا إذا شمر عن ساعده وتقدم إلى ميدان البحث بمثابرة وإخلاص.
وليس في نيتي الآن أقدم خلاصة تامة عن الكتاب لأن ذلك لا يتسع له الوقت. ويكفي أن أشير بسرعة إلا أهم الجوانب التي تناولها المؤلف، فهو يقدم لنا بادئ ذي بدء نظرة شافية عن المصادر والمراجع المتعلقة بابن قتيبة وعصره، ثم يحدثنا عن حياته، محاولا أن يربط بين حلقاتها وأن يجلو غوامضها حسبما تسمح به المصادر، ثم ينتقل به الكلام إلى التكوين الثقافي الذي حصل عليه ابن قتيبة، فيعقد فصلا طويلا وقيما للأساتذة الذين تتلمذ عليهم، مبينا قيمتهم ودرجتهم.
ويعرج بعد ذلك على موضوع الآثار التي خلفها ابن قتيبة فيفصل الكلام عنها، حسب صحة نسبتها إلى المؤلف، فالكتب التي نشرت والتي لا يشك في صحة نسبتها إليه هي: أدب الكاتب، الأنواء، العرب، الأشربة، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، معاني الشعر، المعارف، المسائل والأجوبة، الميسر والقداح، الشعر والشعراء، تفسير غريب القرآن، تأويل مختلف الحديث، تأويل مشكل القرآن، عيون الأخبار. وهنالك كتابان لا يزالان مخطوطين ولا يشك في صحة نسبتهما وهما: كتاب غريب الحديث وكتاب إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام. وهنالك طائفة أخرى من التآليف لا يقطع بصحة نسبتها، وهنالك كتب من المؤكد أنها منحولة للمؤلف وهي: الألفاظ المعربة بالألقاب المعربة، الإمامة والسياسة، تلقين المتعلم، وصية، كتاب الوزراء. وكل هذه القوائم تحرى المؤلف في تخريجها وتصحيحها، مشيرا إلى أماكن وجود المخطوطات، على اختلافها.
بعد هذا، نصل إلى المصادر التي اعتمد عليها ابن قتيبة في تآليفه، ويأتي في أولها المصادر الفارسية والهندية ثم التآليف اليونانية والكتب المقدسة اليهودية والمسحية وآثار الجاحظ وتآليف اللغويين والنحاة، وكل هذا يبين اتساع الثقافة التي كان يعتمد عليها ابن قتيبة. ويخصص المؤلف بقية الكتاب لتحليل آراء ابن قتيبة في شتى الميادين:
في الدين، في رواية الحديث، في التفسير، في السياسة، في الفرق، في الشعوبية، في اللغات الأجنبية، في المدارس النحوية، في الشعر، في الأدب.
تلك نظرة جد مختصرة عن هذا الكتاب الكبير. بقي علي أن أعرض الآن، بإجمال أيضا، إلى بعض الاستنتاجات الرئيسية التي توصل إليها «لوكونت» من خلال دراسته.
هنالك أولا، صورة رسخت في الأذهان عن ابن قتيبة وهي أنه أديب لا غير. وانتشار مثل هذا الرأي يعزى لكون الآثار الأدبية لابن قتيبة كانت هي أول ما نال العناية الأولى من حيث النشر. والواقع أن ابن قتيبة عالم ديني كذلك وحامل رأي في المسائل الكلامية والمذهبية، ونباهته في هذا الميدان لا تقل عن نباهته في الأدب، بل إن قيمته كعالم ديني جعلته يلعب دورا سياسيا في أعلى مستوى. ونظرة شاملة إلى تآليفه تبين أن اهتمامه بالمسائل الدينية والمذهبية تأتي قبل اهتمامه بشؤون الأدب.
ولا غرو، فقد وجد ابن قتيبة في عصر كانت الاختيارات المذهبية على جانب كبير من الخطورة كما يشهد على ذلك المناقشات الحادة التي قامت بين فرق الشيعة والمعتزلة والسنة والخوارج والقدرية والمرجئة الخ ... الشيء الذي اضطر الدولة العباسية والخليفة نفسه إلى الخروج عن موقف الحياد بين المذاهب وإلى اختيار رأي معين. وقد بلغ هذا الاتجاه منتهاه في عهد الخليفة العقلاني، المتشبع بالفلسفة، المأمون الذي حفلت مجالسه بالمناظرات العلمية في مسائل الدين وغيره. ومن المعلوم أن المامون سار قدما مع مذهب الاعتزال في اختياره الاعتقادي واتخذ لنفسه بطانة من رجال المعتزلة وعلمائهم، ونادى بمدأ خلق القرآن وامتحن العلماء السنيين من جرائه، فكانت فتنة كبيرة ترددت أصداؤها في كتب التاريخ. واستمرت الدولة العباسية في تبنيها لمذهب الاعتزال في عهد الخليفتين المعتصم والواثق اللذين تعاقبا على الحكم بعد المأمون، بحيث يمكن القول أن المذهب الرسمي للخلافة في تلك الآونة كان هو الاعتزال.
ولكن المذهب السني كان يتهيأ لرد فعل قوي وحاسم، فما صعد المتوكل إلى كرسي الخلافة سنة 232هـ- 847 م حتى فكر في أن يتخلى عن المعتزلة وأن يجعل من السنة المذهب الرسمي للدولة، واقترن هذا الاختيار بنوع من التشديد، فطرد المعتزلة من ساحته واضطهد الشيعة أيضا، وألزم العلماء أن يلقوا في المساجد دروسا يسفهون فيها آراء الفرق الأخرى من غير السنة وينددون بها. وترتب عن هذه التقلبات أن نبغ في ذلك العصر عدد من الرجال الذين يعدون من ألمع الأسماء في تاريخ المذهب السني، مثل إسحاق ابن راهويه وابن حنبل والبخاري ومسلم وأبي داود السجستاني والترمذي.
وكان من سياسة المتوكل والخلفاء الذين جاءوا بعده أن يشجعوا علماء السنة ويمكنوا لهم بين الخاصة والعامة. وقد كان ابن قتيبة أحسن من يرشح لمثل هذا التشجيع، فقد كان تلميذا لابن راهوية ولابن حنبل، وهذا ما جعله يتقرب من المتوكل ومن دائرته وخاصة من وزيره عبيد الله بن خاقان الذي أهدى له ابن قتيبة كتابه أدب الكاتب. ويرجح « لوكونت » أن عددا من كتبه ألفها باقتراح من دائرة المتوكل لمساندة سياسته الدينية، مثل كتب «غريب الحديث» و«مشكل القرآن» و«غريب القرآن». ولا شك أن هاته المساهمة التي قام بها ابن قتيبة في الانتصار لمذهب السنة هي التي جعلته يعين باقتراح من عبيد الله بن خاقان قاضيا بمدينة الدينور، ويقول « لوكونت» في هذا الصدد:
« من المؤكد أن ابن قتيبة، بكيفية أو بأخرى، وقف قلمه طيلة حياته على خدمة السنة. وبما أن نضال هذا المذهب في صوره الأولى كان على يد ابن حنبل وتلاميذه، فلا غرابة أن تكون العقيدة التي يدعو إليها ابن قتيبة تسير في الاتجاه الحنبلي».
ويتجلى هذا الاتجاه واضحا سواء في منهاج ابن قتيبة في تفسير القرآن أو في نقده لرواية الحديث أو في معالجته موضوع الفرق.
وهنالك موضوع ثان يتعرض له « لوكونت» في دراسته لابن قتيبة وهو موقف هذا الأخير من الشعوبية. ورغم كون ابن قتيبة من أصل فارسي، فإنه لم يظهر أي تحرج في الانتصار للعرب واعتبارهم أصحاب الأولوية في المجتمع الإسلامي. إلا أن موقفه هذا فيه مرونة وتفصيل، كما يدل على ذلك الجزء المنشور من كتاب العرب. فهو يرى أن فكرة الشعوبية تنبني، قبل كل شيء، على نوع من الحسد الذي يحرمه الدين، إلا أنه يؤكد، من جهة أخرى، أن الشعوبية لا تعني تنافسا بين جنسين مختلفين، بين العرب والفرس مثلا، بل هي تعبر، بالأحرى، عن نوع من القلق الاجتماعي. إنها رد فعل من طرف الرعاع والغوغاء وأخلاط النبطيين والسواديين ضد العرب. أما أعيان الفرس ونبلاؤهم فإنهم يعرفون حقوقهم وواجباتهم. ومعنى هذا أن الشعوبية تعبر عن فكرة طبقية قبل كل شيء. ومع ذلك فابن قتيبة يعتبر أن العرب لهم حق الأولوية في الميدان السياسي بالنسبة لغيرهم من الشعوب وأن قريشا بدورهم لهم أسبقية بالقياس إلى غيرهم من العرب، وهي نظرية تنتهي إلى تأكيد أحقية العباسيين بالخلافة.
ولابن قتيبة كذلك آراء في النحو واللغة حاول أن يوفق فيها بين مدرستي البصرة والكوفة، دون أن يستند في موقفه على مذهب واضح، فهو بصري في الأصول، كوفي في الفروع.
ولا نحتاج إلى الإطالة في رأيه عن الشعر الذي يعرفه كل من تصفح مقدمة كتابه « الشعر والشعراء» ولكن الأستاذ « لوكونت» يرى أن ابن قتيبة لم يكن يعتبر الشعر غاية في نفسه، بل هو مجرد وسيلة. ومما يقوله في هذا الصدد: «أنه لا ينظر إلى الشعر كنوع أدبي إلا بصورة عرضية، بل هو مجموعة من الوثائق المختلفة منها التاريخي واللغوي، وهو بالخصوص أقوى حجة للدفاع عن قضية وتغذية مناقشة، أي أنه أداة سياسية».
ومن أهم الفصول في كتاب «لوكونت» هو ذلك الذي عقده عن ابن قتيبة والأدب، وفيه يثير موضوعا طريفا إذ يتساءل عن الجمهور الذي كان يتوجه إليه ابن قتيبة بتآليفه الأدبية؛ إن كتبه تهدف إلى تبسيط المعرفة وتيسيرها لجميع القراء، ولكنه في الواقع كان يتوجه قبل كل شيء إلى طائفتين من الناس: طائفة الأمراء والأعيان وطائفة الكتاب، ومما لاشك فيه أن الكتاب كانوا آنذاك في حاجة إلى تكوين خاص وإلى ثقافة من مستوى رفيع، نظرا لما كان ينتظر منهم في مزاولة وظائفهم من إتقان الكتابة والتوفر على أساليب البلاغة والمعرفة بشعر العرب وأمثالهم وأخبارهم. وقد عدد ابن قتيبة في «أدب الكاتب» العلوم التي لابد منها لكل من يزاول مهمة في المجتمع. والأدب، بمفهومه العام، كما يراه ابن قتيبة هو حامل لأخلاق وفضائل، وهو نوع مما يسمى عند الغربيين بالإنسانيات humanisme Lإلا
 أنها إنسانيات دينية لكون من يتعاطى إليها يتلقى ثقافة وفي آن واحد يضع نفسه في خدمة مثل أعلى أخلاقي لإسعاد نفسه في الدنيا وللتعبير عن تمجيده للخالق.
هذه نبذة متواضعة عما يحتوي عليه كتاب «جيرار لوكونت»، وهي كافية لترينا أهمية هذه الدراسة التي تثير عدة مشاكل مهمة وممتعة منها الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي والأدبي، ولتبين لنا أن دراسات من هذا النوع الرصين المتزن كفيلة بأن تكشف لنا الكثير مما نجهله حتى الآن وأن تجعل من تراثنا الأدبي وسيلة قوية وفعالة للاقتراب من ماضينا المنزوي في الظلال والتعرف على أسراره المطوية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here