islamaumaroc

إنه اللطف

  دعوة الحق

العددان 138 و139

كان يوم العاشر من شهر يوليوز الماضي عيدا وطنيا للشباب، جميل البسمات، طلق القسمات، عليل الناسمات، رفاف الأديم، احتفلت فيه الأمة المغربية النبيلة مع ملكها العظيم الذي تعتز به، وتقدس له، وتتفانى فيه، في قصره العامر بالصخيرات الذي كان في ذلك اليوم المشهود زخارا بالحياة، موارا بالفرح، زاخر بالحركة، يمرح بفيض الشباب، ويموج بأطياف الحب والمنى، وينعم بطلاقة والانشراح أمام المحيط الهادر الذي يتنفس بالنعيم، ويطفح عمقه بالخير والبركات، وتلثم أمواجه خدود الرمال ...
في هذا الجو العبق البهيج، المنعش برخاء الأمن وظلال العافية اندفعت، في جنون مراهق، شرذمة خائنة مارقة أصابها مس من الهوس والعته، واعتراها بحران من الحمق والسفه، تحركها أحقاد مريضة، وتثيرها شهوات طائشة وتحفزها مطامع خسيسة ... تبطش بالأبرياء، ويحصد رشاشها الأهوج الطائش الأطفال والعجزة والنساء، حيث أرادوها «ثورها» قوامها المجازر، وسندها كل حاقد ومكابر، وعدتها كل من فقد النور والبصيرة وقلد النذل المغامر ... لقد هالها ما عليه المغرب الراقي من نعيم مقيم، وراعها ما يسبح فيه من بلهنية العيش، ورخاء الحال، وكفرت بأنعم الله، فحاولوا أن يطفئوا نوره بأفواههم ليسرقوا في الظلام، ويسلبوا ذخائره وإغلاقه في الغفلة، ويحولوا أفراحه إلى تعاسة، وسروره إلى مساءة ومناحة، ويذيقوه ضروب الفتنة، وأخطار السوء، وألوان العذاب ... مع أنهم كانوا يعملون في هذا البلد الأمين في حماه وهم أحرار، ويتفيأون ظله الوارف وهم آمنون، وينعمون بخيراته وهم رافهون ...
ومن يدري؟ فلعل شقاءهم وتعاستهم كانت تكمن في أوضاعهم الحسنة، وامتيازاتهم الكثيرة، وسياراتهم الفارهة، وأملاكهم الواسعة ... وفيما أتوا من زينة وأهول في الحياة الدنيا.
لذلك فقد طمس الله على أموالهم، وشد على قلوبهم، فلم يشكروا نعمته حتى رأوا العذاب الأليم ...
وإذا استوت للنمــل أجنحـة               حتـى يطير، فقـد دنا عطبه
وقد فزع الناس في هذا اليوم إلى الشك يدفعون به هول الخطب، وروعة المفاجأة وبغتة الحادث ... لكن الطلقات النارية التي كانت تدوي في جنبات القصر، والأشلاء التي كانت تتناثر تناثر أوراق الخريف، جعلت الناس في حيرة وارتباك ... فذا مضرج بدمائه! وذاك مهزوم، وهذا صريع .. !وقد تكشف الغدر الصريح عن أنيابه، وذرت قرون الخيانة البليدة من خفاياها، واحتارت العقول أمام الفاجعة التي روعت النفوس، وضرمت الأنفاس، حتى كادت تقوض حصون الأمل .. فارتاعت لفرط الجزع الهالع النفوس، وإنخلعت القلوب، وانفطرت الأكباد، وعقد الخوف الألسن، وكادت تخور العزائم ويقعد الوهن المفاجيء والضعف المباغت بالناس عن مواجهة الخطب الفادح، والخوف الماحق، والرزء الجلل ... وتجلت عناية اللطيف الرحيم الذي تدارك خلقه بلطفه، وأسدل عليهم درعا واقيا من عنايته، حيث جنبهم شر العثرات، وحماهم من أوخم العواقب والمغبات، وحفظهم بألطافه الربانية، وشملهم بوقايته التي أغنت عن مضاعفة من الدروع، ومن عال من الأطم ...
ومنذ اللحظة الأولى وقف صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني الذي جعله الله لهذه الأمة ركنا يأوي إليه الحق، ونظاما يجمع شتيت الشمل، ومنارة شامخة تشع بالهداية، وعلما يخفق بالآمال، أما هذه الكارثة طودا شامخا، وجبلا رأسيا يمثل العزة الالاهية، والنخوة العربية، والشجاعة الإسلامية، وبطلا حباه الله حيوية دافقة تفيض في كلماته، وعزيمة صاولت الجيوش تضطرم في نظراته، وهدوء رزينا يحبط خسيس المطامع، ودنيء الإغراض، ووضيع الشهوات
ومن تكـن برســول اللـه نصـرته
                                إن تلقــه الأســد في آجــامها تجـم
ف « رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت»
و « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرا» ...
وما كاد النبأ يتسرب إلى جمهور الشعب حتى اندفع كالسيل الهادر، وانفجر كالآتي الماحق في حماسة مشبوبة، ومظاهر صادقة من الولاء والإخلاص يعرب عن عواطفه المتأججة، ومشاعره الجياشة نحو سيد البلاد الذي عهد فيه أنه يهدي إلى الحق، ويرمي إلى الخير، ويدعو إلى المحبة والوئام، ويقود أمته نحو معارج الارتقاء...
إن القوة التي ظهر بها الخونة المتآمرين لم يخضد شوكتها، ويجعل كيدها في نحرها، ويقلم أظفارها إلا كتاب الله، وتلاوة آياته التي كان يتلوها في سره أمير المومنين في تلك الفتنة الكبرى ... فلقد تداعت قواهم، وخارت عزائمهم، وسقط في أيديهم حينما سمعوه يتلو سورة الفاتحة أم الكتاب التي عمرت قلبه بالقوة، وغمرت نفسه بالأمل، فأصيبوا بالذهول، فانحلت حباهم، وتفككت خناصرهم، وتمزقت عناصرهم، وتوزعت أواصرهم، ووقعت الكرامة الإلاهية التي وهبها الله في تلك اللحظة الحاسمة والمجزرة الآثمة، لملك عظيم، اعتمد على تأتيل ملكه، وتثبيت عرشه على سلطان الدين، وطيب الارومة والمحتد والنجار، والجد الحازم الصريح، والإخلاص العامل النزيه ... فجمع الفئات، واستل ما في صدورها من غل وسخيمة بالعتاب الهين، واللوم اللين، والحكمة والموعظة الحسنة، والشخصية القوية الجذابة حتى أحال عداءها إلى صداقة، وجفاءها إلى مودة، واستعلاءها إلى تواضع جم، وموادعة ظاهرة ...
إنها إرادة الله وعنايته، ولطفه الشامل ورحمته الواسعة تتجلى لعباده لتبقى هذه الأمة الناهضة الواعية تسير في طريقها اللاحب المرسوم، وخطها المعلوم، وهدفها الواضح وسبيلها المأمون ..
وإنها، أيضا، حكمة الله البالغة تكشف عن تلك الجماعة المجرمة الخائنة، وتحسر اللثام عن وجوهها وأقفيتها، لتظهر، مرة أخرى، كرامة سيد البلاد، ومقامه عند ربه، ومكانته عند شعبه، وخروجه من براثن الأزمة ظافرا منصورا، حيث جعل الله من بين يديه سدا، ومن خلفه سدا، فأغشيناهم فهم لا يبصرون ..
وما من شك في أنها كرامة إلاهية، وألطاف ربانية أنقذت هذه الأمة مما كان يدبر لها في الخفاء للقضاء على آمالها، وجهود نهضتها، ومستقبل فكرتها، كما أنها كرامة إسلامية حافظت على قائد عظيم من قادة أمتها، ورائد خطير من روادها يعمل دائما لرأب صدعها، ولم شتاتها، وجمع شعتها، وتوحيد كلمتها ...
وقد انجلى الغيهب البهيم، ولله الحمد، عن فلق الفجر، وانتهى الطريق المرعب المخيف إلى بر السلامة وأمن الغاية، وحفظ الله مولانا الإمام لهذا الشعب الذي خرج منه، ونبغ فيه، ودافع عنه حتى أصبح رمزا لاستقلاله، وعلما على كرامته، وعنوانا على تقدمه ومسيرته ...
وقد آن الأوان لنستخلص العبرة، كما قال جلالته، من هذا الحدث الفريد النادر حتى لا نفتن في كل عام مرة أو مرتين ثم لا نتوب ولا نذكر ... وننتزع العظة مما كاد معه أن يصبح المغرب لا قدر الله بادي البلى، ممزق الاهاب، مبتوت الصلات تهوي به الريح في مكان سحيق، فتنسد أمامه السبل، ويختنق بالأخطار، وتحف به المكاره، ويهلك الحرث والنسل، وتهدد الحقول الخصيبة الغنية بالجذب والفناء، وتسيطر على البلاد فاقة وعوز وتشريد حتى تلتبس عليه معالم الطرق والصوى، حيث لا عاصم من أمر الله ...
لقد حسم مولانا صاحب الجلالة داء الكارثة بالكي، وقطع دابر القوم الذين ظلموا بما أمر الله .. وذلك هو جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا .. !

إنــــه لطيـــف ...
نعم .. إنه لطيف بخلقه، رحيم بعباده، رؤوف بالمومنين ..
وتلك هي من صفات الله سبحانه التي استخلصها لنفسه، واستأثر بها، وتفرد بها دون سواه.
وذاك هو تسبيح المومن، ومؤمل المسلم، وملاذ المسلم المخلص الواثق بعزة الله يردده كلما فدح كرب، وعظم رزء، واشتدت أزمة، وتفاقم خطب، واستحكم مصاب ...
نعــــــم ...
إنــه لطيـــــف ...  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here