islamaumaroc

موقف جمال الدين الأفغاني من الحضارة الغربية

  دعوة الحق

العددان 133 و134

لقد أدرك جمال الدين الأفغاني في الثلث الأخير من القرن الماضي ان الحضارة الغربية أصبحت الحضارة العالمية، اذ انها اتجهت، منذ عصر النهضة، اتجاها علميا، واتخذت الوسائل الحربية والسياسية للسيطرة على الشرق، ثم زادت سطوة هذه الحضارة بسبب التقدم العلمي في جميع المجالات الحضارية والإنسانية، وبسبب الاتجاه نحو تقرير الحرية السياسية للافراد. وقد تحقق توسع الغزو الأوربي على حساب الشرق الإسلامي وشمال إفريقية وبلاد الهند.. ولذا فقد استيقظ المسلمون على حلم رهيب، وهو أن حضارتهم، التي سيطرت بدورها خمسة قرون على العالم، أصبحت لا تغني عن الشرق شيئا، ولاسيما بعد أن تلوثت مصادرها الثقافية والدينية بأوشاب وءاراء غريبة حتى أصبح التعرف على أصولها الأولى يكاد يكون من أشق الأمور. ذلك أن حضارتهم الإسلامية، التي أيقظت أوربا منذ القرن الثالث عشر، انحرفت عن طريقها السوي، ثم زاد انحرافها عندما فشا الجهل، وركن الناس إلى التواكل بسبب نوع من التصوف الخادع أو الشرك الخفي.
ونقول ان جمال الدين فطن إلى هذه الحقيقة التي لا ريب فيها، وهي أن الشرق إنما تدهور بسبب عدائه للعلم الصحيح، وأن العلم، وما يترتب عليه من فنون علمية مثمرة، قد أصبح غريبا، بعد أن ضاق الشرق به وحارب ذوي النزعة العلمية العقلية. ورغم هذه الحقيقة المذهلة فإن الأفغاني لم يفقد الأمل في نهضة المسلمين عن طريق عودتهم إلى العلم وإلى مناهجهم التجريبية التي أخذها الغرب عنهم، والتي نادى «روجو بيكون» منذ القرن الثالث عن القوانين الطبيعية، ولأن فلسفة أرسطو ومنهجه أصبحا لا يصلحان للعصر، ولا يؤديان إلى التقدم الذي انتهى إليه المسلمون بسبب اشتغالهم بالرياضة والجبر والتجارب العلمية.
ونقول إن الافغاني لم يفقد الأمل قط في أن المسلمين في عصره فهموا، أو سيفهمن سريعا، أن القديم لا يستطيع البقاء أو استرجاع نضرته وحيويته إلا إذا طعم بالجديد، بمعنى أن كل محاولة يقوم بها أعوان الجمود وأنصاره، ممن يتشبثونفي الواقع بتراث عصور التدهور والركود، لن تفلح في الوقوف أمام تيار الحضارة الجديدة التي قامت على العلم اساسا، بل سوف تلقى هذه المحاولة أسوأ مصير. ذلك أن الأمم لا تستطيع، في عالمنا المتحرك، أن تعيش على القديم وحده، وبخاصة إذا كان هذا القديم مليئا بالأخطاء والأوهام التي لا تتفق في أكثر الحالة مع الطهارة الأولى للدين الإسلامي، وعقائده الواضحة التي تدعو إلى الحرية والمساواة وتدفع إلى العلم دفعا. ومما يبشر بالخير أن محاربة العلم والحرية السياسية باسم الدين غدت أسطورة لا تخدع أحدا. وإذا كانت الفكرة الجديدة عن ضرورة تحصيل الثقافة العلمية أصبحت راسخة في أذهان المسلمين منذ مطلع القن العشرين فإن الفضل في هذا يرجع إلى الأفغاني. ومن علامات الصحة أن الأزهر، الذي وقف بعض علمائه في وجه حركة الإصلاح الثقافية التي نادى بها جمال الدين تلميذه محمد عبده، بدأت تدب الحياة فيه من جديد، ويفسح صدره لإعداد ضخمة من أبناء البلاد الإسلامية ليجدوا فيه الثقافة الإسلامية المطهرة من الخرافات، إلى جانب الثقافة العلمية والعملية التي خصصت لها كليات الهندسة والطب والتجارة والزراعة وغيرها من الكليات.
ولا ريب في أن ظاهرة النهضة العلمية التي دعا إليها الأفغاني أصبحت واضحة، وقد أصبحنا نشهد اليوم تفاعلا عجيبا في كثير من البلاد الإسلامية بين الثقافة الإسلامية الصحيحة وبين الثقافة العلمية الأوربية. وفي اعتقادنا ان الغلبة ستكتب لهؤلاء الذين لا يقطعون ماضيهم عن حاضرهم ومستقبلهم، أي لهؤلاء الذين يأخذون عن حضارة الغرب أحسن ما فيها ليوفقوا بينه وبين العناصر الإسلامية الأصيلة في العقيدة والخلق. وقد بدأ هذا التفاعل الضخم يؤدي إلى تطهير العقائد والعادات من كثير من الشوائب والأوهام والآراء الفلسفية الهجينة والقيم المزيفة، إذ فطن المسلمون إلى أنه ليس ثمة عداء أو شبه عداء بين العقيدة الواضحة والخلق الحسن من جانب، وبينها وبين العلم الطبيعي من جانب ءاخر.
انا نرى «الأفغاني» يلح، في توضيح فكرته هذه، الالحاح كله حتى تنفذ إلى عقول معاصريه الذين بلغ بهم اليأس غايته، حتى ظنوا أنهم لن يستطيعوا السير في طريق النهضة العلمية الصحيحة. لكن هذه الفكرة، التي دعا إليها والتي تؤكد لنا أنه لن تقوم للمسلمين قائمة إلا بالعلم، أصبحت من البداهات في عصرنا هذا. وهو لا يريد بالعلم هنا ذلك العلم المتحجر الذي كان يطبع عقول شبان المسلمين بطابع الجمود وضيق الأفق والذي تتميز به عقلية العصور الوسطى، بل العلم الإسلامي الإنساني في عصور القوة.. والعلم الطبيعي الذي كان  للعرب وللمسلمين بصفة عامة أكبر الفضل في وضع أسسه. فالعلم، الذي يحتاج إليه المسلمون، إلى جانب معرفتهم بعقائدهم المطهرة وأخلاق القرءان التي لا تضارعها أخلاق أخرى، هو العلم الذي يكشف عن قوانين هذا الكون ويتجه إلى تسخير الظواهر الطبيعية وقواها لصالح الإنسانية، والذي يستطيع تجديد حيوية الأمة الإسلامية ويساعدها على العودة إلى المصادر الأولى التي استغلقت على أفهام الكثير من أبنائها، م أنها أكثر وضوحا وبداهة مما ألفه أهل الجدل واللجج في خلال عصور تخصصوا في دراسة التراث الإسلامي في جميع فروع الدراسات الإنسانية.
ومع هذا، يجب أن نشير إلى أن أحد الكتاب المعاصرين ظن أن الأفغاني كان رجعيا، وأنه حارب الحضارة الغربية، لأنه حاول الوقوف أمام العلوم الطبيعية لأنها علوم أوربية، ونخشى أن يكون هذا الرأي نتيجة للتسرع في البحث، حتى لا نقول أنه أوحى إليه به من بعض من يحاربون الفكر الإسلامي في عصوره المختلفة قديمة أو حديثة بشتى الوسائل، وأيا ما كان الأمر فإنا لا ندري كيف خذع هذا الكتاب في فهم حقيقة موقف الأفغاني من العلوم الحديثة، مع أنه موقف صريح واضح. ويغلب على ظننا أن هذا الكاتب ربما استنبط رأيه هذا من موقف الافغاني تجاه أحمد خان في بلاد الهند، الذي دعا إلى اقتباس الحضارة الغربية بحذافيرها، ومال قليلا أو كثيرا إلى مهادنة المستعمر في الوقت نفسه. غير أن حقيقة الأمر في هذه المسألة تنحصر في أن الأفغاني لم يهاجم أحمد خان إلا لميله إلى التعاون مع الإنجليز، مع ما نعلمه من شدة كراهية جمال الدين لهؤلاء القوم. ثم إنه هاجمه لأنه كان قد أخذ يؤول القرءان تأويلا يبعد به عن روحه الصحيحة، وهذا هو السبب الحقيقي في أن الأفغاني تصدى له بالنقد، ونقول من جانبنا انه ربما غلا في نقده إياه بعض الشيء.
أما فيما يتعلق بالناحية العلمية فإنا نجد أن الرجلين، على ما بينهما من خصومة، متفقان تماما على ضرورة الأخذ بالعلوم الحديثة، لأنها السبيل الحقة إلى قوة المسلمين وتحررهم، ومن المحتمل أن يكون الأمر قد اشتبه على ذلك الكاتب عندما رأى جمال الدين يحارب بعض الآراء الفلسفية الهدامة في رسالته «الرد على الدهريين»، مع أن هذه الرسالة، التي قد يعيبها الأسلوب الخطابي، الذي كان سائدا في أواخر القرن الماضي، بينت بوضوح فساد المذاهب الإلحادية وبرهنت على وجهة نظر صادقة وجدت تأكيدا لصدقها في الدراسات الاجتماعية في القرن العشرين. ذلك أن «ليفي بريل» حاول أن يضع اخلاقا تقوم على العلم لا على الدين، ثم عاد الباحثون واعترفوا بأن الصلة بين الدين والأخلاق لا تنفصم (1).
وعندئذ فلنا أن نسأل: هل يجوز لأحد أن يتهم «الأفغاني» بأنه كان عدوا للتفكير الفلسفي بصفة عامة إذا هو حارب مذاهب الإلحاد، وبين ان الاخلاق ترتبط بالدين أولا وءاخرا، أو إذا برهن لرينان مثلا، عندما لقيه في باريس، أن الإسلام لا يحارب العلم الصحيح، وإنما يحارب الآراء الميتافيزيقية الخاطئة أو المذاهب الإلحادية التي تدور منذ عهد طاليس حتى يومنا هذا فيما يشبه أن يكن حلقة مفرغة.
أما الشيء الذي نعرفه، بناء على ما تركه الأفغاني في كتاباته أو في عقول تلاميذه، فشيء مختلف جدا عن هذا الذي يود بعض الناس أن ينسبه إليه، ذلك أنه يعرف للعلم الحديث قيمته. وهو لا ينكر أن تقدم أوربا يعتمد في المقام الأول على أساس من العلم الصحيح أني العلم التجريبي،  لا على الآراء الفلسفية أو على الإلحاد (2)، بل أراه يأخذ على المسلمين عامة، وعلى رجال الدين منهم بصفة خاصة، أنهم يقفون من هذا العلم موقف العداء بحجة المحافظة على العقائد والتقاليد. كذلك نعلم أن الأفغاني لم يكن غرا حتى يجهل أن الدين الإسلامي هو الذي حرر العقول من الاوهام ودعا إلى تحصيل العلم حتى يحقق مبدأه السوي وهو الجمع بني الدين والدنيا. وكيف يجهل ذلك والقرءان الكريم يعجب لهؤلاء الذين يسوون بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون.؟ وكيف يتصور أن الأفغاني كان يجهل موقف الإسلام من العلم، وهو الذي كان لا يفتأ يكرر في كل مناسبة أن الإسلام ليس عدوا للعقل أو مناهضا له، بل إنه ليمتاز من غيره من الأديان بأنه اتخذ العقل حليفا له، ودعا إلى تحصيل العلم أيا كان مصدره؟ نقول كيف يمكن أن يناقض جمال الدين نفسه بعدائه للعلم الحديث، وهو الذي يقول: «للعلم قشور ولباب، فالواقف على القشور يغرق في بحر الغرور، والمبتدئ في أوليات العلوم يظن انه تبحر وانتهى. أما الراسخ المحقق فيعتقد أنه ما زال في الابتداء». ثم يقول: «كل عناصر الوجود في هذا العالم خاضعة للعقل المطلق الإنساني.. فكل مستحيل اليوم في الطب والصناعة سيكون ممكنا غدا»، ثم يقارن بين حضارتنا وبين حضارتهم الراهنة فيقول: «الفخر بالقول المجرد يبطله المجد بالفعل... ثمرة العقول لا تجتني إلا بإطلاقها من قيود الأوهام. قيد الأغلال أهون من قيد العقول بالأوهام».
فهل لأحد ان يزعم أن الأفغاني كان رجعيا، وأنه حارب علوم الغرب؟ حقا إنه دحض بعض الآراء الإلحادية التي أرادت إنشاء خلق على غير أساس ديني، وناقش أنصار المذهب الوضعي وهو المذهب العلمي المزعوم الذي ساد في فرنسا وأوربا في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، ثم رجع مفكرو العصر الراهن عنه. ذلك أن هذا  المذهب كان يدعى، على لسان صاحبه «أوجست كونت»، أن العلم قد أدرك غايته، فمن العبث الكشف عن كوكب جديد، فإن هذا الكشف لا يهم سوى ساكني هذا الكوكب الذي كشف عنه، ان وجدوا، وانه من الأفضل للعلم أن يكف عن البحث عن التركيب الكيميائي للمواد الخ... فهل يعد جمال الدين الأفغاني رجعيا ومناهضا للعلم الأوربي التجريبي لأنه حارب مثل هذا المذهب، ونادى من جانبه بأن كشوف العلم لن تقف عند حد في مجال الصناعة والطب؟ أليس مما يطابق العقل أن نعترف له بأنه كان أصدق حدسا وأنفذ بصيرة من «أوجست كونت» الذي اراد أن يقضي على روح العلم عندما ضيق الخناق عليه، والذي حاول ربط الاخلاق بالذهب الوضعي فلم يفلح، لم يفلح تلاميذه ولا تلاميذ تلاميذه من بعده. لقد أراد إنشاء دين جديد سماه دين الإنسانية ليمسخ به الأديان السماوية، فمات دينه قبل أن يولد.
والواقع أن الأفغاني يأخذ على المسلمين في عصره، وربما في عصرنا أيضا، أنهم يقتبسون هذه الآراء الفلسفية الواهية، ويسرعون إلى اختيار كل العناصر التي تزيدهم انحلالا وتدهورا، بدلا من أن يتجهوا رأسا إلى اقتباس العلوم الحقيقية، كعلوم الطبيعة والكيمياء والهندسة والميكانيكا والطب، وهي علوم أساسية وضرورة للرقي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ومصدر للقوة الحربية.
ومما يقطع بعثرة هذا الكاتب، الذي اتهم جمال الدين بالرجعية، ان الأفغاني نفسه هو الذي يقارن لنا بين مسلك المسلمين واليابانيين تجاه حضارة الغرب. فقد فتن الأولون بالمظاهر السطحية لهذه الحضارة أو بقشروها، وشغلوا عقولهم بالآراء الإلحادية، بينما احتفظ الآخرون بعقائدهم الوثنية ووقفوا في طريق التبشير بالدين المسيحي، وحرصوا كل الحرص، في الوقت نفسه، على تقليد الأوربيين تقليدا صحيحا، فأخذوا جميع علومهم ونقلوها إلى لغتهم وطبقوها في مصانعهم. ومن لغو الحديث ان نتحدث عن نهضتهم العلمية والصناعية، رغم كارثة الحرب العالمية الثانية التي نزلت بهم، فإن ذلك شيء نسل به جميعا.
ان سبب نهضة اليابانيين يتلخص في أنهم أدركوا أن حاجتهم إلى العلوم والفنون التطبيقية أشد من حاجتهم إلى الأدب والفلسفة أو إلى الإلحاد، لأنه ينبغي للإنسان أن يحيا قبل أن يتفلسف. أما موقف المسلمين المعاصرين لجمال الدين الأفغاني والذين احتكوا بالغرب منذ عصور طويلة فهو خلاف موقف اليابانيين، بل نقيضه.
وهناك عوامل كثيرة أدت إلى تأخر المسلمين في نهضتهم حتى أواخر القرن الماضي. وأهم هذه العوامل، فيما نعتقد، هو أن الاستعمار خدعهم وخدرهم عندما أوهمهم أنهم أهل خيال وعاطفة، لا أهل علم وصناعة، وذلك رغبة منه في القضاء لدى المسلمين على لكل محاولة جديدة لاقتباس العلوم الحديثة. ولقد شهدت مصر في أيام الاحتلال كيف صرف المستعمر المصريين عن المناهج العلمية الصحيحة، وادخل في روعهم أن بلادهم لا تصلح للصناعة، وبخاصة صناعة النسيج الذي يتطلب جوا انجليزيا لا مصريا. وقد سقطت هذه الشعارات والقيم المزيفة، وفتحت أبواب التصنيع والتنمية الاقتصادية واسعة لبناء مجتمع جديد استعاد الثقة بنفسه، واسترد روح التفاؤل الإسلامية. كذلك شهدت مصر في أيام الاحتلال كيف أعد المستعمر طبقة من الموظفين الذين يشبهون الآلات الصماء والذين لا يقطعون براي دون الرجوع إلى رؤسائهم من الأجانب، مما تطلب وقتا طويلا لإعداد طبقة جديدة بدأت تؤمن بنفسها وتستطيع إجادة التصرف
وهذا ما يفسر لنا حكمة جمال الدين الأفغاني: «ان حياة أهل الشرق بالعلم الصحيح موت لحكم الغرب فيهم».
إن فكرة جمال الدين الأفغاني  عن الإصلاح العلمي ليست فكرة عامة غامضة تحلق في الفضاء، بل تتسم بالعمق وتنم عن الفهم السليم. فهو يوصي المسلمين الشرقيين بصفة عامة، بأن يحرروا فكرتهم عن العلم تحريرا كاملا، بحيث لا يكون ثقافتهم سطحية هي إلى الجهل أقرب منها إلى شيء ءاخر، إذ لابد من أن يهدف التعليم إلى الجمع بين الناحيتين النظرية والعملية. ونلاحظ أن أكثر البلاد الإسلامية تقدما في الناحية العلمية هي التي جمعت بين هاتين الناحيتين، فكثر فيها الخبراء والمختصون في مختلف فروع العلم. أما في عصر الأفغاني، الذي كان عصر يقظة لا نهضة، فإنا نجده يقول: «ولا بأس أن يعلم الطفل الحدادة والنجارة وتربية الحيون إلى جانب القراءة والكتابة والحساب، حتى يخرج رجل علم وعمل، لا رجل غطرسة وعجرفة وكسل، يكثر به وبأمثاله العدد ولا ينتفع به أحد». لكن تغير الأمور في عصرنا هذا، وفي بلدنا خاصة، فأصبح الشبان أكثر إقبالا على الكليات العملية منهم على الكليات النظرية، وبدأت تقل الفصول الثانوية الخاصة بالآداب والعلوم الإنسانية.
ويلاحظ جمال الدين الأفغاني أنه إذا وجب أن نأخذ عن الغرب علومه النظرية التي تؤدي إلى فنون عملية فليس معنى ذلك أن نعتقد ان الحضارة الاوربية المادية هي المثل الأعلى.
فقد غلبت النزعة المادية على هذه الحضارة فسخر العلم للحروب واستنفاد ثروات الشعوب، وأصيب الغرب نفسه بكثير من الأمراض الاجتماعية،  مما دعا بعض مفكري اوربا إلى القول بأن الحضارة الغربية مهددة بالخطر.
وهذا هو ما أكده كبار علمائه في حديثه عن مرض الحضارة الغربية، التي بدأت تخرج على
قوانين الحياة (3). ومن قبل قال الأفغاني شيئا من هذا القبيل في أحاديثه الخاصة. وهذا ما ردده غاندي من بعده، وما بدأ عقلاء الأوربيين يخشونه على أنفسهم في منتصف القرن العشرين..
ومن جانب ءاخر اهتدى الأفغاني إلى فكرة علمية أصبحت بديهية في عصرنا، وهي نسبية العلم الذي لا يقف عند حد، لا كما تخيل «أوجست كونت» عندما تخذ معرفة عصره مقياسا لمعرفة الأجيال المستقبلية. وهو العلم الذي يتطور ويكمل مع الزمن، إذ أن «كل ما وصل إلينا من العلوم، مع خدمة ألوف الرجال لها متعاقبين.. وعلى مدى الأجيال العديدة، لم تزل بالنسبة إلى الحقائق الثابتة فيها علوما ناقصة، أو هي في حقيقتها قشور لتلك العلوم في غايتها وحقيقتها».
وهكا يبدو أن الأفغاني كان أكثر فهما لحقيقة العلم من هؤلاء الذين ربما اتهموه بأنه كان مناهضا للثقافة العلمية لأنها غربية، وأنه عاد بالمسلمين إلى  الوراء، وشغلهم عن مستقبلهم بالدعوة إلى الهياج والثورة والعودة إلى القديم. ولعل هؤلاء لم يقرأوا له شيئا عن إصلاحه الديني والسياسي والعلمي. فإنهم لو قرأوا له لعلموا أنه أراد الثورة في هذه الاتجاهات علمية قوية إلا بالمال والرجال، ولا يوجد المال والرجال في أمة حرمت حريتها وثروتها. ونقول أنهم ربما قرأوا له شيئا دعاهم إلى أن ينسبوه إلى الرجعية. فالحق أنه هاجم هؤلاء الذين يقلدون قشور الحضارة الاوربية معتقدين أنهم إذا قلدوهم في الثقافة العامة تحققت لهم شروط القيام بجلائل الأعمال. فالأفغاني يقول في شان هؤلاء: «وربما وجد بينهم أفراد يتفيقهون بألفاظ الحرية  والوطنية والجنسية وما شاكلها، ويصوغونها في عبارات متقطعة مبتورة، لا تعرف غاياتها ولا تعلم بداياتها، وسموا أنفسهم بزعماء الحرية أو بسمة أخرى على حسب ما يختارون، ووقفوا عند هذا الحد. ومنهم آخرون عمدوا إلى العمل بما وصل إليهم من العلم. فقلبوا أوضاع المساكن والمباني، وبدلوا هيئات المآكل والملابس والفرش والآنية، وتنافسوا في تطبيقها على أجود ما يكون منها في الممالك الأوربية وعدوها من مفاخرهم».
أما هؤلاء الدين فهموا مناهج جمال الدين الأفغاني في الإصلاح فهم الذين عنوا، في جميع الأقطار الإسلامية التي أرادت أن تتحرر بالفعل من سيطرة الغرب، بأن اتجهوا مباشرة إلى العمل في ميدانين وهما الإصلاح الديني ثم الثورات المسلحة، وأخيرا فتح لهم الميدان الثالث وهو ميدان العلم الصحيح الذي سيكون أهم العوامل في القضاء على النفوذ الغربي في هذه المنطقة، ومما يعجل بفتح الميدان الثالث هو أن توجد أعداد هائلة من هؤلاء الذين يجمعون بين خير ما في القديم والجديد، أي من هؤلاء الذين يحصلون العلم دون أن ينسوا أصولهم وتراثهم القومي الإسلامي.

(1) مبادئ علم الاجتماع الديني لروجيه بستيد، وقد نقلناه إلى العربية. (مكتبة الانجلو المصرية)
(2) يريد بعض أنصاف المثقفين من السذج ان يربطوا بين الإلحاد والتقدم العلمي المعاصر. ومن العبث أن نشغل أنفسنا بالرد عليهم، فكثير من الأمم المتقدمة علميا ليست ملحدة..
(3) انظر كتاب الكسيس كارل..
وهو كتاب نشر بعد وفاته، وترجمه الدكتور محمد القصاص منذ عشر سنوات إلى اللغة العربية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here