islamaumaroc

نوافذ: "لغة وأدب عربيان"، لشارل بيلا

  دعوة الحق

العددان 133 و134

هذا عنوان شامل لسلسلة من المقالات سنحاول أن نعرف فيها ببعض الآثار الفكرية والأدبية التي ظهرت أخيرا في البلاد الاجنبية والتي كان لها صدى وتأثيرا. ولربما اعتقد بعض القراء الأفاضل أنني أتناقض مع نفسي حينما أقوم بهذا العمل إذ سبق لي في مقالات وأحاديث سابقة أن انتقدت التهافت العشوائي على الآداب الأجنبية ودعوت للرجوع إلى مجتمعنا بما له وما عليه لاتخاذه كمصدر لاستيحاء وكمخاطب رئيسي يجري معه الحار باستمرار. ولهذا فإني لا أترك الفرصة تمر دون أن أصحح مثل هذا التأويل الخاطئ للنظرية التي أتبناها  وأدافع عنها.
فمن البديهي الذي لا يقبل أي مناقشة أننا في المرحلة التاريخية التي نمر منها – وهنا أتحدث عن العالم العربي، بصفة عامة، لا عن المغرب وحده – نحن في أمس الحاجة إلى الثقافة الأجنبية، بسائر فروعها وألوانها حتى نستفيد من ها في حياتنا العملية وحتى نرتفع بمستوانا العلمي والفكري وبذوقنا الفني. إلا أن هذا المبدأ العام يتطلب منا أن نحسن تطبيقه على الوجه المناسب، تفاديا لكل شطط وانحراف. فلا ينبغي، مثلا، أن نشطب على ثقافتنا القديمة والحديثة بجرة قلم ونندفع إلى الكرع من مناهل الغير كصغار اليتامى الذين يبحثون لهم عن مرضعات أجنبيات. كما أنه، في المقابل، لا ينبغي أن نسلك سلوك الانطواء، فنسد حولنا كل النوافذ ونتخوف من كل اتصال ونرفض الحوار الفكري والأدبي مع ابناء اللغات والثقافات الأخرى.
هنالك، في الحياة الثقافية لكل مجتمع، مستويان: مستوى الاطلاع مستوى الانتاج. ففيما يتعلق بالمستوى الأول، لا نحتاج إلى التاكيد أننا في حاجة دائمة وملحة إلى المزيد من المعرفة والاطلاع دون أي حدود أو سدود. نحن من إنتاج وتطور في ميادين العلم والفلسفة والأدب، حتى لا ننسلخ عن عصرنا ونمثل نوعا من الإنسانية الاثرية التي يبحث عنها  بين الحفريات والأطلال.
فإذا عدنا الآن، إلى مستوى الانتاج والخلق، نجد هنا مقتضيات أخرى تملي علينا شروطا محددة واضحة. وأول هذه الشورط هي ان نتحرر من النماذج الأجنبية بعد أن نكون فهمناها وهضمناها هضما صحيحا لنبتكر لأنفسنا نماذج أصيلة تعبر عن مجتمعنا وتتكيف مع بيئتنا وتنسجم مع تجربتنا الثقافية. ولا يعني هذا أننا نرفض التأثير الأجنبي أو التقليدي الذكي، ولكن أننا نرفض تلك المحاولات الفجة النيئة، التي هي أشبه ما تكون ببعض عمليات الافسال الطبيعية التي لا يقدر لها النجاح لأن الجسم العليل يتقزز من العضو الدخيل. وثاني هذه الشروط أننا ينبغي أن نراعي في إنتاجنا الفني، من شعر ورواية وقصة وتمثيلية الخ... مخاطبنا
الطبيعي الذي هو مجتمعنا الذي نعيش فيه والذي ينبغي ان يكون هو المقياس الأساسي بالنسبة إلينا. اليوم الذي نعرف فيه كيف نكتب لمجتمعنا، محققين معه أحسن تجاوب، آنذاك سنكون في نفس الوقت ننتج أدبا عالميا. فالأدب العالمي ليس هو الأدب المنسلخ عن الزمان والمكان الذي لا لون ولا طعم له. بل هو أدب له أرضيته وله مشخصاته وله نكهته الخاصة به، كما نرى في مثال سيرفنتس وشكسبير وبلزاك ودوستويفسكي وهمينجواى.
أعود الآن إلى مستوى الاطلاع الذي تحدثت عنه في الأول لأقول ان المقالات التي أقدمها في هذه السلسلة تدخل في نطاقه أي في نطاق التوعية الثقافية الهادفة إلى رفع المستوى الفكري. وهذا هو الداعي إلى اختيار عنوان «نوافذ» لهذا البرنامج فهو بالفعل نوافذ متعددة ومختلفة تنفتح على مناظر متعددة ومختلفة، نوافذ قمينة بتوسيع  أفقنا الفكري وتهوية أذهاننا بنسمات جديدة، نوافذ تخرجنا من رتابة التكرار الممل وتعرفنا بما عند الغير من طريف ومفيد.
وقد ارتأيت أن اخصص المقالات الاولى لبعض الكتب أو الدراسات التي قام بها مؤخرا مؤلفون أجانب عن العرب وحضارتهم حتى نرى كيف ينظر إلينا الغير. فهنالك مؤلفون لم ينصفونا فانساقوا مع دوافع تقليدية من التعصب، فوجهوا إلينا انتقادات تنطوي على كثير من التحامل والتجاهل. وهنالك مؤلفون أغرموا بحضارتنا ولون معيشتنا، فراحوا يثنون في كتبهم ثناء لا حصر له، وكلت أبصارهم عن رؤية المعايب. مما ينشأ عنه نوع من الغرور والعجب الزائف الذي لا يرتاح له الضمير الحي. وهنالك فريق ثالث من هؤلاء المؤلفين الأجانب الذين تمشوا في كتاباتهم وأبحاثهم على مقاييس علمية، فاجتهدوا بإخلاص بين، واجتنبوا العاطفة والهوى.
كل هذا يجب أن نعرفه ونطلع عليه لأن الإنسان لا يمكن في الحياة ان يكتفي بنظرته لنفسه، بل هو محتاج كذلك إلى معرفة رأي الغير عنه، مهما كان ذلك الرأي منحرفا عن جادة الصواب.
ويجب أن أشير هنا إلى كون العالم العربي بدأ يثير اهتمام الباحثين أكثر من أي وقت مضى. يشهد على هذا التآليف الكثيرة والمتنوعة في هذا الموضوع التي بدأت تحتل مكانا مرموقا في المكتبة العالمية. كما يشهد عليه كثرة الباحثين م كل الأجناس الذين يتوافدون على الأقطار العربية للقيام بدراسات مختلفة المواضيع. وإذا اقتصرت على مثال المغرب الذي أعرفه أكثر من غيره، فإني أستطيع أن أؤكد أن بلادنا استقبلت في السنوات الأخيرة عشرات الباحثين منهم الفرنسيون والامريكيون والإنجليز والمجر والألمان والسويديون والطليان وغيرهم الذين جاءوا ليبحثوا بشؤون الحاضر ومنها ما يتعلق بالأدب أو بالاقتصاد أو بالسياسة أو الجغرافية الخ..
وقد شعر المستشرقون بهذه الأهمية التي ما فتئ العالم العربي يدركها بتزايد مطرد في دنيا القرن العشرين، فقرروا أن يصدروا طبعة جديدة لدائرة المعارف الإسلامية. وقد بدأت تظهر منذ سنوات فصول من هذه الطبعة الثانية وتبين لكل من تصفحها أن هنالك تقدما ملحوظا في معرفة العرب والإسلام، واهتماما متزايدا بشؤون الوقت الحاضر بصورة خاصة. ولا أنسى أو أذكر هنا بالمناسبة المجهودات التي بذبتها بمنظمة اليونسكو الدولية لنفس الغاية. ومجهودها في هذا السبيل، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يعد إلا بداية لعمل ضخم.
هذا الالتفات القوي الذي يحظى به العالم العربي في عصرنا الحاضر ليس من قبيل الصدف أو العبث. بل له أسبابه وعلله الواضحة التي ليس هذا محل ذكرها. ومهما يكن، فينبغي أن نكون نحن واعين بهذا الاهتمام المتزايد عند الاجنبي بشؤوننا، متتبعين لم يصجر عنه من تآليف ودراسات في هذا الصدد، حريصين على ان نناقشه في نظرياته وآرائه بموضوعية وتجرد، ما دام هدفنا هو الحقيقة، قبل كل شيء، سواء كانت لنا أم علينا.
وقد اخترت لمقال اليوم كتابا من هذا النوع اتخذته كفاتحة لهذه السلسلة، نظرا لشرف موضوعه وهو كتاب «لغة وأدب عربيان» للأستاذ «شارل بيلا»
فالموضوع، كما نرى ، يمس بأنفس ما تعتز به ثقافتنا القومية وهما اللغة والأدب، وأما المؤلف
فهو من المستشرقين المعروفين في العالم العربي، بصورة عامة. وهو أستاذ بالسوربون تعلم عليه كثير أساتذة العربية بالمغرب الكبير. وقد اشرف على عدد من أبحاثهم ورسالاتهم لنيل الدكتوراه وغيرها. أما شهرته العالمية، فقد تركزت بالخصوص على الرسالة القيمة التي نال بها الدكتوراه والتي كان موضوعها «البيئة البصرية وتكوين الجاحظ».
وهذا الكتاب الجديد الذي أصدره في هذه الأيام ينال قيمة خاصة، من عدة وجوه:
1) أنه صدر من سلسلة مشهورة في العالم وهي سلسلة الناشر المعروف «أرمان كغولان» التي لا تخلو خزانة منها والتي يقع عليها إقبال من جمهور القراء، نظرا لجديتها ولقيمة المؤلفين الذي يساهمون فيها. ومن البديهي أن مثل هذه السلسلة ذات الشهرة الشعبية ستعمل كثيرا، بفضل هذا الكتاب على التعريف بأدبنا.
2) ان المؤلف له نظرته الخاصة في معالجة تاريخ الأدب واللغة العربيين التي تجعل من كتابه لا تكرارا لما هو متداول ومعروف، بل مساهمة علمية فيها جدة وطرافة.
3) المؤلف يظهر اهتماما خاصا التطورات التي طرأت على اللغة العربية منذ عصر الجاهلية إلى الآن، مبرزا بذلك عنصرا أساسيا طالما تغافلت عنه كتب التاريخ الأدبي وأهملته بالكلية. ويعد الأستاذ من الذين لهم اختصاص في الموضوع. فمنذ عدة سنوات، أصدر مجموعة من النصوص المنقولة عن الجرائد والمجلات للتعريف بلغة الصحافة، وبالتالي، بالتقدم الذي حققته اللغة العربية كلغة من لغات القرن العشرين.
4) ان هذا الكتاب مفيد كذلك بالنسبة لطائفة من المثقفين العرب الذين يحلو لهم أن يدفنوا تراثنا الأدبي ويهيلوا عليه التراب، نتيجة للجهل أو انسياقا مع الهوى والعاطفة، أو حبا في الأغراب والتمسك بالنظريات الشاذة. فهذا الكتاب الذي هو بقلم مؤلف أجنبي لا تربطه بالموضع الذي يعالجه إلا عاطفة العلم، من شانه أن يصحح كثيرا من الآراء المنحرفة وأن يدفع المتسرعين في احكامهم إلى شيئ من التثبت ومراجعة الضمير.
إذا نظرنا الآن إلى محتوى الكتاب، فإننا نجده عبارة عن نظرة مجملة عن الأدب العربي في مختلف عصوره، إلا أن المؤلف اتبع طريقة خاصة في عمله راعى فيها، كما يقول في المقدمة «أن يعرف بصفات اللغة العربية وتطورها وأن يقدم لوحة مجملة عن الأدب بإعطاء الأهمية الأولى للآثار قبل المؤلفين» ثم يقول بعد ذلك: «هذا ما قصدنا إليه في هذا الكتاب الصغير الذي حرصنا فيه على التعريف بتطور أساليب التعبير والأنواع الأدبية، مختصرين إلى أقصى حد الفقرات المتعلقة بتراجم الرجال، ومتجنبين أن يصبح عملنا مجرد قائمة من القوائم».
لننظر الآن إلى بعض الاستنتاجات التي توص إليها المؤلف. فهو حينما يتحدث عن اللغة العربية وتطورها يفسر هكذا الانتشار الذي عرفته والمكانة الكبيرة التي احتلتها بين اللغة الثقافية، إذ يقول:
«بفضل الانتشار العظيم الذي عرفه الإسلام، أدركت اللغة العربية مقاما دوليا وأصبحت تتمتع بإشعاع كبير كلغة دينية، أول، وكلغة حضارة، ثانيا. وهذه السيطرة التي أدركتها في العالم الإسلامي جعلت الآداب المحلية المكتوبة بلغة قومية تتوقف لعدة قرون وبوأها سلطة كاملة فيما يخص الميدان العلمي.
ومن البديهي أن لهجات الاعراب التي سجلها اللغويون بأمانة لم تدرك هاته المكانة العالمية التي نعرف لها إلا لكونها خضعت، خلال القرون، لتطورات اقتضتها الظروف التاريخية والحاجات الجديدة للأمة الإسلامية».
ويذكر المؤلف الاطوار الرئيسية الأربعة التي مرت منها اللغة منذ الجاهلية إلى الآن: طور أول اقتصر فيه اللغويون على جمع مفردات القرآن والشعر الجاهلي، طور ثان، انضافت فيه مصطلحات علمية منحوتة من العربية نفسها أو ألفاظ مستعارة من لغات اخرى، وخاصة من اليونانية والفارسية والهندية للدلالة على بعض المفاهيم الحضارية والعلمية. طور ثالث، يقترن مع عهد الانحطاط، حيث أدى سقوط الدولة العباسية في القرن الثالث عشر إلى اختفاء العرب من المسرح السياسي وحلول الأتراك والمغول والفارسيين محلهم. ونتج عن ذلك أن تسرب عدد
من الألفاظ التركية والفارسية إلى العربية الفصحى نفسها، التي ظلت، رغم كل شيء، هي لغة العلم. طور رابع ينطلق مع عهد الانبعاث في القرن التاسع عشر، وفيه انكب العرب، من جديد، على إنعاش لغتهم وإصلاحها حتى تصبح مستجيبة لمتطلبات العصر. ويختم المؤلف هذه النظرة باستنتاج متفائل،إذ يقول:
«ان اللغة العربية إذا ما تبسطت عن طريق النتقاء الطبيعي الذي لا ينبغي عرقلته، وإذا ما استقرت مدلولاتها بواطة الاستعمال وانتشرت عن طريق الأدب والمسرح والسينما وبالخصوص عن طريق الصحافة والراديو يمكن أن تصبح لغة التخاطب العادي في البلاد العربية، شريطة أن يقع توسيع التعليم وأن يتم رقى المرأة».
هذا رأي صادر عن اجنبي في موضوع اللغة العربية لا يترك مجالا للشك في قيمة هذه اللغة والأمل الذي يمكن أن يعقد عليها في المستقبل  كلغة علم وحضارة وكلغة مجتمع متقدم. وفي هذا الجواب المسكت لمن ينصرفون عن اللغة العربية بدعوى أنها متخلفة عن الركب وأنها قاصرة عن الوفاء بحاجة العصر. وجدير بالموعظة والاعتبار أن نتلقى هذا الرأي لا عن عربي يندفع مع غليان العاطفة، ولكن عن أجنبي يكتب، قبل كل شيء، للأجانب، مستندا على براهين وحجج، لأن هدفه يبقى هو أن يقول الحقيقة المجردة كما تتراءى له، من خلال سنين عديدة من الممارسة والتجربة في حياة الجامعة.
ومع ذلك ، فهو لا يهمل الحديث عن اللغة الدارجة ويخصص لها فصلا في كتابه، متحدثا عن نشأتها وتفرعها إلى لهجات مختلفة حسب الأقطار وإلى ما تولد فيها من آداب شعبية.
ويثير بالمناسبة بعض المشاكل الجديرة بالاعتبار بسبب السيطرة الكاملة التي تحتفظ بها الفصحى إزاء الدارجة في ميدان التأليف والأدب الرصين. ومن جملة هذه المشاكل ما يعترض كتاب المسرحية والرواية عند اختيار اللغة الصالحة لمحاوراتهم.
ويخصص فصولا أخرى في كتابه للأدب والأطوار التي مر منها، مشيرا على الأخص إلى الآثار والمؤلفين الذي يستحقون كل اعتبار. فهو عندما يتحدث عن ابن حزم، مثلا، يقول:
«إن ابن حزم الذي هو، في نفس الوقت، شاعر وأديب، ومترجم ومؤرخ وفقيه ومتلكم ومفسر ومنطقي وفيلسوف وعالم نفساني، وكاتب سياسي وصاحب جدل، هو، من دون شك أحد رجا الأدب الاسباني الذين يمتازون بسمو بسمو الفكر وغزارة الانتاج». ثم يتحدث عن آثاره ويقف وقفة عند كتاب «طوق الحمامة» الذي بسط فيه المؤلف نظرية مجددة عن الحب العذري أو الأفلاطوني. وبين كيف أن هذه النظرية كانت لها انعكاسات مختلفة بالشعر الأندلسي» ثم انتقلت إلى شعراء اوربا في العصر الوسيط حيث ظهر مفعولها في عدد من آثارهم.
وعندما يتحدث عن الجاحظ الذي أوقع به المؤلف ولعا خاصا إذ يجعله محور الرسالة التي نال بها الدكتوراه، نراه يشير إلى بعض الجوانب الخاصة في شخصيته. فالأسلوب المرح الممتع الذي يستعمله الجاحظ في كتابته هو، في رأيه، طريقة لاجتذاب القارئ حتى يبث فيه بعض الأفكار التي يؤمن بها. فهي، إذن، نوع من وسائل الدعاية ويوضح المؤلف فكرته قائلا:
« يظهر أن أهدافه هي في أساسها دينية وسياسية. فهو معتزلي مقتنع بمذهبه ، ولكنه غير متعصب، ويريد، في النهاية، أن يهدم  العقائد الفاسدة ليضع محلها المبادئ الرئيسية للعقيدة التي يدعو إليها، أي مبادئ خلق القرآن والعدول الإلاهي ونفي التشبيه... وفي الميدان السياسي، يظهر عداء صريحا للشعوبية، القائلين بتفوق العجم على العرب، ويظهر مهرة فائقة في تأليف عدد من الكتب يبسط فيها نظريته. فالبيان والتبيين الذي هو في الظاهر ديوان لكلام العرب، هو ، في حقيقة الامر محاولة من الجاحظ يهدف منها إلى إبراز مزايا العرب في الادب، في كتاب مخصص للنقد البناء».
من هذين المثالين، يبين أن الكتاب يحتوي على آراء دقيقة ومفيدة، رغم صغر حجمه وميله إلى الاختصار. نعم، هنالك ملاحظة لا بد لنا من إبدائها وهي أن المؤلف يظهر في بعض الفقرات أنه لا زال متشبثا نوعا ما بنظرية «رونان» عن الجنس السامي
والعرب. فهو يعتقد أن العرب غير قادرين على الابتكار وأن كثيرا من كبار شعرائهم وكتابهم هم من أصل أعجمي. وهو رأي يمثل إحدى رواسب المذاهب العنصرية التي نشأت في القرن التاسع عشر، ولا ندري كيف ظلت عالقة بفكر أستاذ جامعي في هذا النصف الأخير من القرن  العشري.
ومع ذلك، فإنه يظهر، في النهاية، إلى الرجوع للحقيقة ومناقضة نفسه بنفسه إذ نجده يقول في الفقرة الأخيرة من الكتاب:
«لقد تكون الآن ضمير قومي لدى العرب، مبني على الاعتزاز بالنفس. ومن الممكن أن يوحد تحت شعار العروبة شعوبا مختلفة، وإذا ما حلت المشاكل المستعصية، أن يساعد على نمو أدب يحتفظ بأصالته ويستغنى عن  الاستيحاء من الخارج ويحتل مكانه إلى جانب الآداب الكبرى للإنسانية».
فسؤالنا للمؤلف إذن، هو: هل يمكن أن يتحقق هذا التنبؤ الذي يعبر عنه، إذا لم توجد عند العرب مقدرة على الابتكار والإبداع؟ والاصالة في حد ذاتها أليست هي انعكاس لوجود عبقرية خلاقة؟
لكن هذه الملاحظة، على خطورتها، لا تجرد الكتاب من المتعة والفائدة ولا تعوقه عن أن يكون شهادة إيجابية لصالح اللغة العربية وآدابها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here