islamaumaroc

[كتاب] نقد الفكر الديني [لـ.ص.ج.العظم] -1-

  دعوة الحق

العددان 133 و134

أكثر الماركسيين العرب لا زالوا يحملون بإمكانية القضاء على الإسلام. ومن بين هؤلاء العباقرة الدكتور صادق جلال العظم في كتابه (نقد الفكر الديني) وهذا البحث نظرة نقدية فاحصة، تتناول كتاب نقد الفكر الديني وبعض الردود عليه...
كتاب نقد الفكر الديني – حسب تقديم مؤلفه -: مجموعة أبحاث تتصدى بالنقد العلمي والمناقشة العلمانية والمراجعة العصرية لبعض نواحي الفكر الديني السائد حاليا بصوره المختلفة والمتعددة في الوطن العربي، ص7.
بهذه الخصائص النادرة الاجتماع، استهدف الدكتور العظم بمواجهه النقدية الجذرية، وبصورة رئيسية: المعتقدات والمؤسسات الإسلامية! فهو يقصد بالدين: (مجموعة المعتقدات والتشريعات والشعائر والطقوس والمؤسسات التي تحيط بالإنسان لا باعتباره ظاهرة روحية نقية وخالصة)! ص17.
ومن ثمة فإن موضوعات كتاب نقد الفكر الديني، تتصل بالجدال العقائدي والمعترك الفكري الذي يدور في المنطقة العربية – وفي مناطق عديدة من العالم العربي -، حول علاقة الإسلام بالهزيمة والتخلف، والنزاع بين العلم والدين، والتوفيق بين الإسلام والحياة المعاصرة، ثم التمركس وانتقاد المعتقدات الإسلامية انطلاقا من الإلحاد الماركسي..
ومن المؤسف حقا أن لا نجد أي رد يمكن أن نعتبره وجهة نظر إسلامية قطعية وشمولية تعبر عن الموقف الحقيقي للاتجاه الإسلامي الخالص من هذه القضايا الأساسية، وتحدد بالتدقيق وبتعليل قاطع: الجواب الإسلامي الحاسم على كل المزاعم والاتهامات.

علاقات الإسلام بالهزيمة
يقول الدكتور صادق جلال  العظم: (تبين بعد هزيمة 1967 أن الإيديولوجية الدينية هي السلاح النظري والأساسي والصريح للرجعية العربية في حربها ومناوراتها على القوى الثورية والتقدمية في الوطن .. كما أن بعض الأنظمة التقدمية العربية وجدت في الدين عكازا تتكئ عليها في تهدئة الجماهير عن طريق مماشاة التفسيرات الدينية والروحانية للانتصار الإسرائيلي والخسارة العربية وصمتها حول انتظار النصر الجديد من عنده تعالى ...) ص9 من كتاب نقد الفكر الديني.
يقرر الدكتور العظم في هذه الفقرة:
- أولا : الرجعية العربية تحارب القوى التقدمية بالايديولوجية الدينية.
- ثانيا: بعض الأنظمة التقدمية تستغل الدين في تغطية فشلها وعجزها.
- ثالثا: إرجاع الهزيمة للذهنية الدينية والتمسك بالمعتقدات الدينية.
أحسن تعليق على النقطتين الأولى والثانية نجده في بيان الأستاذ محمد كامل طبارة أمين جمعية المحافظة على القرآن الكريم ببيروت: (أما عن الإسلام واستعماله سلاحا بيد كل الأنظمة القائمة من تحررية وثورية واشتراكية ومحافظة فليس للإسلام من يد فيه)

فما هي علاقة الإسلام بالهزيمة؟.
الإجابة على هذا السؤال يمكن أن تنطلق من أساسين:
- الأول: ارجاع الهزيمة إلى وجود المجتمع الغيبي التقليدي في العالم العربي. وهو الأساس الذي انطلق منه الدكتور العظم وجماعة من الماركسيين والتقدميين والملحدين. وهم يقصدون بالدرجة الأولى: العقائد والمؤسسات الاجتماعية المنتمية للإسلام.
- والثاني: إرجاع الهزيمة إلى القيادة والتنظيم والتوجيه والفكر السائد.. وهذه كلها لم تخضع للفكرة الإسلامية، وإنما خضعت منذ بداية النكبة الفلسطينية لاتجاهات رأسمالية واشتراكية أو متراوحة بينهما!
فالإسلام منذ بداية المعركة مع إسرائيل انحسر في العقيدة الشخصية الضميرية، باستثناء بعض المؤسسات التي لا تأثير لها في مصادر القوة ووسائل العمل!! والمعركة مع إسرائيل كانت باسم القومية العربية، وجميع الأنظمة تبرأت من الإسلام خوفا من الحرب الدينية..!!
وإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الحقائق، تبين لنا بوضوح، ما يسميه الأستاذ محمد الناصر: بالتعدي السخيف للإسلام!(1).
لقد رد المتفلسف كمال يوسف الحاج على رأي الدكتور العظم بقوله: (يدعى الدكتور العظم أنه يثور على الدين لأجل ثورة فلسطين. ولكن ما هي علاقة الموقف الثوري بالصوم والصلاة؟.. أمن الضروري أن نخسر فلسطين إذا صمنا وصلينا، ثم أمن الضروري أن نسترجع فلسطين إذا كفرنا وألحدنا؟) (2).
- إن هذه الفقرة تقرر:
أولا: انعدام العلاقة بين الدين ومعارك التحرير!
ثانيا: الانتصار ليس رهينا بالتدين ولا بالإلحاد!
وهذا في رأيي رد لا يقوم على رجليه، وإنما يبقى مشلولا، إذا علمنا أن الروح الإسلامية كانت سببا في انتصارات المسلمين وفي وقف الحملات الجاهلية عبر القرون!

النزاع بين العلم والدين
وانطلاقا من إدانة المعتقدات الإسلامية خاصة، يثير الدكتور العظم ما يسميه بمشكلة النزاع بين العلم والدين. ولا يكتفي بطرح المشكلة وعرض نظريته بل يتعداها إلى مهاجمة المعتقدات الإسلامية بما يسميه النظرية العلمية والمناقشة العلمانية والمراجعة العصرية!
ومن المؤسف حقا أن أغلبية الردود على الدكتور العظم لم تكن ردودا في مستوى تهجماته، إذ هي تبدأ وتنتهي بأن الإسلام يحث على طلب العلم، وتؤكد على التوافق والتناسق بين العلم والدين، دون تعليق ولا توضيح للتعارض الموجود بين النظرة الإسلامية والنظريات والمفاهيم التي يصفها الدكتور العظم بأنها «علمية»!.
إننا لا نجد في تلك الردود جوابا شافيا قويا على هذه الفقرة: (النظرة الإسلامية نظرة غائبة تعتمد في تفسيرها لطبيعة الكون على العلل الغائبة والأهداف السامية وعلى مفاهيم أخلاقية مثل الحق والعدل فهي لا تنسجم مع النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته) (3).
الدكتور العظم يقابل النظرة الإسلامية بما يسميه النظرة العلمية في تفسير طبيعة الكون وهو يقصد بالنظرة العلمية، نتاج القوى العقلية الوارد علينا من المجتمعات الأوربية!.. وهو نتاج -  حسب السباق العام للكتاب – غير قابل للمناقشة والمراجعة والمواجهة النقدية! بل إن الإيمان بالمعتقدات الإسلامية بعد الإطلاع عليه هو خيانة للأمانة الفكرية!!
ليس لي أي اعتراض على اختيار الدكتور العظم للنظرة الجاهلية في تفسير الكون، فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر... على أن وصف عقيدة سبعمائة مليون مسلم بأنها خرافات وأساطير خزعبلات وكلام فارغ... لا لشيء إلا لأن مقسيو فليس ورسل ولابلاس، أعطوا تفسيرات مغايرة، غيبية ترتكز أساسا على تحليقات خيالية وتقديرات سطحية!.. لهو وصف يكشف عن يأس التيارات الجاهلية في مجابهة الاتجاه الإسلامي، وعن حقد دفين أصيل لا صلة له بالنظرة العلمية ولا بالنزاهة الفكرية التي يزعمها لنفسه الكاتب العبقري!!
ولم أجد ردا أكثر سطحية من هذا الرد: ( تقبل هذه المعتقدات الدينية التي تقبلها آباؤك وأجدادك ولا تخشى شيئا فلن تخون مبدأ الأمانة الفكرية)! (4).
إن الدكتور العظم يعلن عن نسخ النظرة العلمية الحديثة للمعتقدات الإسلامية فكيف إذن يطلب منه الإيمان بالمعتقدات الدينية، وبهذه الطريقة الخطابية الأزهرية المرتعشة!
ورد الأستاذ محمد كامل طبارة بقوله: (ان السيد العظم يعلم علم اليقين أن الدين الإسلامي أول دين دعا إلى العلم وحض عليه، كما يعلم أن الإسلام ظهر في عصر جاهلي مليء بالانحطاط، وقد اعترف بفضل الإسلام على العلم المنصفون من كبار العلماء المستشرقين)!
إن جميع الردود التي اتجهت إلى الدفاع عن الإسلام من حيث حثه على طلب العلم وإلى القول بالتناسق والتوافق بينه وبين النظريات العلمية.. هي ردود ناقصة، لأن الدكتور العظم يدخل في إطار النظرية العليمة: المناهج العقلية في تقصي المعرفة والاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد!، وهذا يقتضي بالضرورة تحديد مفهوم العلمية والتمييز بين النظرة الإسلامية والنظرة الحديثة للمجتمع والاقتصاد المبنية على رؤية مادية للكون والحياة والإنسان!!
العلم في مفهومه الصحيح والأصيل والحديث، هو تلمس ما في عالم المادة من أشياء وظواهر استخدام الحس: أي تلمس ما يدخل تحت الأجهزة والآلات تجربة وملاحظة. فلا علاقة للعلم بما وراء المادة، ولا شأن له بما ليس في المصنع والمختبر أو المرصد.
العلم بهذا المعنى لا تناقض ولا تعارض بينه وبين المعتقدات الإسلامية. وهو العلم الذي حث على طلبه الإسلام جنبا إلى جنب مع علوم الدين والشريعة...
وعلى أساس هذا التمييز، فإن إطلاق الصفة «العلمية» على الاتجاهات العقلانية المادية في الحياة والمجتمع والاقتصاد، هو تزيين وتدليس بتجاوز نطاق العلم ومفهوم العلمية!!.
يقول الدكتور العبقري: (وهل باستطاعتنا أن ننكر أن الإله الذي مات في أوربا بدأ يحتضر في كل مكان تحت وقع تأثير المعرفة والتقدم الصناعي والمناهج العقلية في تقصي  المعرفة والاتجاهات الثورية في النمجتمع والاقتصاد؟)!! (5)
هذه الفقرة تمزج علوم الأجهزة والآلات والمختبرات والتقدم الصناعي، بالاتجاهات العقلانية والمناهج الثورية في تفسير الحياة والكون والإنسان.. والسؤال البسيط الذي يسقط هذا المزج ويبين«لا علميته» هو: هل ثبت بواسطة الرصد والاختبار والتجريب العلمي، أن الله تعالى غير موجود أو أن المعتقدات الإسلامية خرافات وأساطير وخزعبلات؟. بداهة هذه الأمور لا علاقة لها بموضوع العلم، لأنها لا تدخل تحت المجهر ولا تخضع للتجربة والملاحظة في المختبر، وإنما هي استنتاجات عقلانية وتحليقات ميتافيزيقية!!.
ونخلص من كل ما سبق، إلى أن النزاع ليس بين الإسلام والعلم، ولكنه بين المعرفة الإسلامية والمعرفة العقلية الحديثة، وبتعبير آخر هو نزاع بين الإسلام والفكر المعاصر...

الإسلام والفكر المعاصر
لقد ركز الدكتور العظم طاقاته في إبراز التناقض والنزاع بين النظرة الإسلامية والفكر المعاصر دون تمييز بين المعرفة العلمية والعقلانية. وقد أجابه الأستاذ جابر حمزة فراج بقوله: (ان ادعاءه بوجود الاختلاق الجذري بين الدين والمعرفة العقلية والعلمية، غير مسلم به، ويحتاج إلى دليل، وقد سبق أن قدمنا في ردنا التوافق والتناسق التامين بين الدين والمعرفة بمعناها العقلي والعلمــــــي) (6).
لو افترضنا جدلا مع الأستاذ جابر ان الإسلام يتوافق مع المعارف الراهنة إطلاقا، لوجدنا أن هذا التوافق غير موجود على صعيد الفكرة والعمل! ولاستخلصنا أن لا تعارض بين الإسلام والرأسمالية والشيوعية والاشتراكية والدكتاتورية!!.. فنعود بذلك إلى النقطة التي وجه منها الدكتور العظم سهامه! بل ونجده على صواب جزئي في وصفه لهذا التوفيق بالتوفيق التعسفي والخطابي بين العلم والدين!!.
إن الإسلام يفرض على المسلم أن يأخذ بالمعرفة العلمية ولكنه يعطيه في نفس الوقت تصورات ومفاهيم عن الكون والحياة، ونظريات وشرائع تنتظم الفكر والمجتمع والاقتصاد.. ثم إن المعرفة العلمية تخضع للتغيير والتحوير والتبديل والتطوير، وإن وجد اختلاف بينهما وبين المعارف الإسلامية، فذلك يرجع إلى قصورها وتخلفها، ولا نجد عمليا أي اختلاف بينهما إلى حين تتدخل التفسيرات العقلية!
ومن ثمة فإن المعرفة العقلية الحديثة تختلف من حيث المبدأ مع المعرفة الإسلامية لانطلاق كل واحدة منهما من أسس ومرتكزات فكرية متباينة، الأولى تنطلق من تفسير مادى للكون والحياة. والثانية تنطلق من الألوهية والعبودية والحاكمية لله..
هناك رأي آخر للدكتور كمال يوسف الحاج: (لما كان الشرق العربي يواجه دلالة أخرى من دلالات الحضارة الإنسانية بسبب التقدم العلمي والاغتصاب الصهيوني، فقد انبغى له أن يتعرض في مراسيمه الدينية لتحديات الفكر المعاصر. من هنا كان التجديد لازما عندنا حتى في نظرتنا إلى المراسيم الدينية... فهل هذه الصادقية – الجلالية – العظيمة من تلك المحاولات؟...) (7).
هذه عبقرية أخرى يجب أن نضيفها إلى عبقرية الدكتور العظم!.. نحن يا دكتور لسنا بحاجة إلى تطوير لمعتقداتنا ومراسيمنا الدينية حتى نساير الفكر المعاصر، فقطاره يسير في اتجاه معاكس لقطار فكرنا الإسلامي.. نحن بحاجة إلى انجازات الفكر المعاصر في ميدان التقنولوجيا، أما ثمراته الإيديولوجية فلتحتفظ بها المجتمعات الجاهلية!
ان الدكتور كمال الحاج لم يضف جديدا من عنده، فهو يجتر ما قاله الدكتور العظم: (يجب تحرير الشعور الديني المسحوق تحت عبء المعتقدات الدينية التقليدية المتحجرة وتحت ثقل الطقوس والشعائر الجامدة) !!.
وبأسف، اقترح على الدكتور كمال الحاج: أن يضيف إلى عقدته حول المسيح: (أنسنة الاله والهنة الإنسان) ركنا ثالثا هو (عظمة الشيطان) !!، فالصادقية – الجلالية – العظيمة تمزج العلم بالشيطان، وتؤمن أتم الإيمان بأن (الصراع هو في الإنسان بين العلم والدين) (8).
إن الصراع ليس بين العلم والدين، والدين عند الله الإسلام، ولكنه بين الدين والتصورات والنظريات الحديثة... وهو صراع يتجل بصورة واضحة فيما أسماه الدكتور العظم بالتوفيق «التبريري» بين الإسلام والأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة!

الإسلام والفكر التوفيقي
يقول الدكتور العظم: (يهتم هذا النوع من الفكر التوفيقي بين الإسلام والحياة المعاصرة، بتبرير
الأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة مهما كان نوعها على أساس انسجامها التام مع الدين وتعاليمه وشرعه...) ص 45 من كتاب نقد الفكر الديني.
هذه الملاحظة في محلها! والاعتراض يقف عند وصف صاحبها بجهله للإسلام وفكرته، أو بخداعه ومغالطته... ونرجع الوصف الثاني!
فاتهامات الدكتور ذات أساس صحيح ونتائج فاسدة.. فهو على صواب حين هاجم النماذج المتناقضة (رأسمالية الإسلام وديمقراطيته واشتراكيته ودكتاتوريته!).. على أنه أخطأ وأفدح في الخطأ حين نسب هذه النماذج للإسلام والإسلام براء منها. ثم إن الموفقين المبررين جميعهم لا يتكلمون باسم الإسلام، وإنما يتكلمون باسمهم الخاص وباسم نزواتهم وانتهازيتهم وانهزاميتهم ونوازعهم!
وللأسف الشديد نجد كثيرا من الردود التي تزعم أنها تدافع عن الإسلام وتمثل المؤسسات الإسلامية، لا زالت متأثرة بعزة الجاهلية من قومية وعرقية وإنسانية و «تجارب علمية» تمجد كلها الواقع العربي بصورته الحالية.
يرد الأستاذ حسين القوتلي في مقاله (العلم ونقد المنهج في كتاب نقد الفكر الديني) بقوله: (السيد العظم لا يجوز له أبدا أن يدعو إلى رفض الفكر الديني لأن إنسانا مسلما ساذجا زعم، الإسلام الحق منه براء... تماما بالقدر الذي لا يجوز لي فيه مثلا، أن أرفض الاشتراكية العربية (المؤمنة) كمبدأ اجتماعي اقتصادي خاص بمجرد كون السيد العظم الماركسي الاشتراكي يقرر العكس بضحالة علمية) (9) ان الأستاذ القوتلي لم يأت بجديد في موضوع ملاحظة الدكتور العظم، فهو رغم معرفته بالانحراف والتفسير والفهم غير الصحيح للإسلام، يقرر أن الاشتراكية العربية «مؤمنة» وينسى بالتالي ان هذا التقرير يدخل في دائرة «التوفيق التبريري» الذي يهاجمه السيد العظم والذي لا صلة له بالإسلام!
لا أريد أن أناقش الأستاذ القوتلي في رأيه، فهذه المنقشة تخرج عن إطار هذا البحث، ومع ذلك فهو يعلم أن الاشتراكية العربية تستقي من التجربة العلمية الاشتراكية ومن ينابيع أخرى غير إسلامية.. بل ويعلم جيدا أن «رجال الدين» ولا سيما أعضاء لجان «الافتاء»! استخدموا في تغطية هذه الحقائق بالتأكيد على عروبة الإسلام واشتراكيته!.

الإسلام والتطوير
يقول الدكتور العظم: (يجب تحرير هذا الشعور من سجنه ليزدهر ويعبر عن نفسه بطرق ووسائل مناسبة للأوضاع والأحوال التي نعيشها)!! ويعلل هذا التحرير للشعور الديني، بأن الدين أصبح حصنا لقوى الرجعية والتخلف المواجهة لكل فكرة تحريرية حقيقية.
هذا الرأي يناقض السياق العام لآراء الدكتور العظم، على أنه لا ينسخ الحقد الدفين لديه، المرتب دون شك عن إنجازات الحركية الإسلامية المعاصرة.. ثم إن تعليله خاطئ لايتناده إلى استغلال الإسلام من طرف قوى عميلة وضالة لا تقل عمالة وضلالة عن الجهة التي ينتسب إليها الظم!..
«التطوير» عتيق في تقديمه وموضوعه.. والمناداة به قديما كانت جهلا ناضجا بالإسلام وتعاليمه ومقوماته، اما المناداة به اليوم، فهي حرب منسقة بين المتمركسين والمتأمركين للإجهاز على التيار الإسلامي الجارف..
يقول الدكتور كمال يوسف الحاج: (المراسيم الدينية عندنا تحتاج إلى بناء مرة ثانية بمقتضى ما تفرضه الروح العلمية والاغتصاب الصهيوني... والدن لا يعترض على هذا التطوير)!! (10).
الدكتور المتفلسف متفق مع السيد العظم! وقد سبق التعليق على فقرة مشابهة!
ورأينا، أنه إذا كان الشباب العربي جائعا إلى حياة أفضل، فليس هناك حياة أفضل من الحياة الإسلامية، وهي حياة لا تحتاج إلى التطوير والآراء العبقرية، فإما إسلام وإما جاهلية!
لقد انطلق الدكتور العظم مؤيدا للانقلابية الجاهلية، ولم تأت مناداته بالتطوير وتحرير الشعور الديني، إلا عرضا ولغايات معينة... ذلك أنه انطلق من المنهجية الماركسية واستعمل اساليبها الهجومية، ومفرداتها النتنة، ليضرب المعتقدات الإسلامية ويصفها بالغيبية والأسطورية!! فهو من الناحية الموضوعية، وبغض النظر عن كلامه البذيء اللاعلمي يتبنى نظرة مناقضة للنظرة الإسلامية، تعبر عن أحد التوجهات الماركسية المتعددة والمتباينة لذلك فسوف نقف بعض الشيء عند ظاهرة التمركس وما يعترضها!.

الإسلام والتمركس
لقد انطلق الدكتور العظم من الماركسية وانتقد باسم الماركسية، وانتهى إلى نتائج الماركسية، التي أصبحت – حسب تعبير الكثيرين – في خزائن الماضي!
ولن نناقش الدكتور العظم في نظريته الماركسية، ولن نصفها بالخزعبلات والأساطير والكلام البذيء.. وإنما سنكتفي ببيان العوائق النظرية والموضوعية والتطبيقية التي تعترض أخذ المسلمين بهذه النظرية.
إن الإسلام على المستوى العقيدي – هو كالماركسية – نظرة شاملة للحياة. وهذه الصفة تجعله غير متوافق مع النظام الماركسي نظريا وتطبيقيا، لأن التناقض يمتد إلى قضايا أساسية كالألوهية والحياة والمجتمع والإنسان.. وإن كان الدكتور العظم يهاجم العقائدية الإسلامية لتعارضها مع النظرية الماركسية بهذه المهاجمة ليس لها من أثر لأن مئات الملايين من البشر، لا زالت تؤمن بالمعتقدات الإسلامية ولا ترضى عنها بديلا..
والماركسية بالإضافة إلى تطبيقاتها المختلفة، تعرف مراجعات متباينة من طرف المتمركسين هذه الثغرة الكبيرة انعكست على الماركسيين العرب، فجعلتهم يقفون مواقف متعددة متباينة ضد الإسلام، تتراوح بين الماوية والرودنسونية (11).. ثم ان هذه التناقضات الأساسية جعلت مواقفهم على اختلاف تنظيماتهم ونوازعهم الفكرية، تقوم على عقلية تتخذ من التمركس حرفة في خدمة المنافع والأهواء الشخصية واستغلال الكلمات المثيرة للعواطف، واستخدام التدليس والتزيين..
وبالمقابل، ينسجم الإسلاميون في إجماعهم الإيديولوجي على رفض كلي وشامل لجميع أشكال المجتمع سواء كانت قواعدها رأسمالية أو اشتراكية.
ومن ثمة فإن كل نقد يوجه إلى المجتمعات القائمة، لا ينال الإسلام، ولا يمسه، لأنها مجتمعات – وإن كان الإسلام عقيدة لجماهيرها – بعيدة عن الحياة التي يرضاها الإسلام..
وإلى جانب التناقضات الفكرية والعلمية بين دعاة الماركسية وثمارها، نجد العقلية الماركسية تحاول الامتداد والاستقرار في محيط غير قابل للتجدد في إطارها ولا للتفاعل معها، فأصبحت فريسة للبلبلة والفوضى والعجز والتمزق، لعدم استطاعتها الالتحام مع الواقع الاجتماعي، وافتقارها إلى القدرة على تحطيم بقايا العقلية الإسلامية.
فالماركسية – ولو احترمت الإسلام كعقيدة شخصية – ومشتقاتها – ولو كانت عربية!! أثبتت عجزها وعقمها في محيط الدائرة الإسلامية، وهو ما ينطبق على مجموع التيارات الجاهلية دون استثناء!.

1) مجلة جوهر الإسلام، العدد العاشر، يونيو 1970.
2) الإيجابية والسلبية في نقد الفكر الديني، مجلة الفكر الإسلامي – العدد الرابع ص 111.
3) كتاب نقد الفكر الديني ص 37.
4) البرهان اليقيني للرد على كتاب نقد الفكر الديني ص 55.
5) كتاب نقد الفكر الديني ص 28.
6) البرهان اليقيني للرد على كتاب نقد الفكر الديني ص 143.
7) الإيجابية والسلبية في نقد الفكر الديني، مجلة الفكر الإسلامي العدد الرابع ص 104.
8) القضايا المعاصرة، الجزء الثالث أبريل 1970، كارل ماركس وعقدة المسيح، حيث يؤكد الدكتور ويبرر هذا الصراع بأدلة تاريخية وعلمية وفلسفية!!.
9) مجلة الفكر الإسلامي العدد الرابع ص 124.
10) مجلة الفكر الإسلامي العدد الرابع ص 107.
11) نسبة إلى مكسيم رودنسون المفكر الاجتماعي الفرنسي اليهودي الذي يدعو المسلمين إلى الأخذ بالاشتراكية في كتابه الإسلام والرأسمالية لعدم وجود أي تعارض بينها وبين عقيدتهم الإسلام والرأسمالية الإسلامية!! انظر العدد الأول من «دعوة الحق» نونبر 1969: (نظرات إسلامية في كتاب الإسلام والرأسمالية).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here