islamaumaroc

بمناسبة الاحتفال بيوم إعلان حقوق الإنسان

  دعوة الحق

العددان 133 و134

لكل مجتمع أسس ومبادئ يتخذها قواعد لسلوكه في الحياة، وبقدر سمو هذه الأسس والمبادئ ورعايتها للخير العام الشامل للإنسان وغيره من الاحياء غير الضارة يرتفع مستوى المجتمع الذي توجد فيه حتى يكون مجتمعنا راقيا متحضرا مهذبا تهذيبا روحيا عاليا لا رقيا صناعيا ماديا بحثا ويتجلى هذا التهذيب الروحي في التشريع الإسلامي في العهد الذي كان مطبقا فيه، فكان الطابع البارز الذي يشهد بكمال تشريع المجتمع الإسلامي الذي تركه الرسول على تطبيق ذلك التشريع كما سيتبين حتى أن ولد عمرو بن العاص ضرب ولدا قبطيا فاستعد عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأمر رضي الله عنه الولد القبطي بالقصاص من ولد عمرو بضربة مثلها وقال تلك الكلمة المشهورة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».
حقيقة توجد في المجتمعات الاوروبية وغيرها جمعيات للرفق بالحيوان كما يوجد ميثاق حقوق الإنسان الذي أعلنته الأمم المتحدة يوم عاشر دجنبر سنة 1948 والذي احتفلت الامم المتحدة في العالم بذكراه يوم عاشر دجنبر الماضي إلا أن جمعية الرفق بالحيوان تتبع شكليات في تطبيق مبدئها فتكون أحيانا مبعثا للسخرية والضحك قد كنت قديما علقت في الإذاعة المغربية على ما قررته جمعية الرفق بالحيوان في الولايات المتحدة من منحها مدالية الشرف مع شهادة التنويه إلى اللفيف الاجنبي الفرنسي وذلك لما قامت به هذه الفرقة من إسعاف حمار كاد يموت جوعا في بعض جهات الجزائر..! ان إنقاذ الحمار عمل نبيل، ولكن ينبغي أن يقدر فاعله وليشكر إذا كان له ضمير حي يحترم كل الأحياء المأمونة.. اما إذا كان فاعل ذلك ممن آجر نفسه وسخرها لقتال أهل الشعوب المظلومة المستعمرة بالقهو عنها فليس ذلك في محله بل الذي كان يجب على هذه الجمعية أن تحترم ما هو أعلى قيمة من الحمار وهو الإنسان وأن تحتج لدى الدول التي
تتخذ اللفيف الأجنبي ليشارك في المجازر البشرية ويقتل النساء والعجزة والأطفال والشيوخ والمظلومين لا دفاعا عن حق ولا قياما بواجب لحفظ عزته وكرامته، ولكن في سبيل كسب الدراهم الملطخة بدماء الأبرياء فأين تطبيق ميثاق حقوق الإنسان في هذه الدنيا الصاخبة ان الدول العظمى تتحمل اكبر مسؤولية لعدم تطبيق هذا الميثاق وان صانعت ونوهت به وافتخرت بإصداره وخصصت له الذكريات في مختلف أنحاء العالم، كما أن جمعيات الرفق بالحيوان لا يسمع لها صوت مهما عم الظلم الحيوانات وفي طليعتها الإنسان بواسطة القنابل المحرقة والجرثومة التي تحصد مختلف الأرواح حصدا في حروب ظالمة في افريقية وآسيا وفي غيرهما، وفي سبيل النعرات العنصرية والتيارات المعادية للإنسانية بوجه عام.
أما إذا التفتنا للمجتمع الإسلامي في موضوع حقوق الإنسان والرفق بالحيوان فإننا نجد تشريعا ساميا مطبقا فيه في خير العهود مما ينبغي لشبابنا المثقف ثقافة أجنبية أن يطلع عليه ويفخر به في المجتمع الغربي المادي الذي لا يعترف للشعوب الضعيفة بحقها في الحياة وفي تقرير مصيرنا إلا إذا كافأته بخيرات بلادها وفتحت له آفاقا لاستغلال ثرواتها.. يقول الله تعالى في كتابه الحكيم في معاملة المخالفين لنا في الدين «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين»
ويقول في تعارف الشعوب وعدم تفاضلها إلا بتقوى الله ومكارم الأخلاق «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
فتنوع الشعوب والقبائل لم يجعلها الله لأجل ظلم بعضها بعضا وتناكرها وغصب خيراتها بما كسبته أمم منها من قوة وحول وعزة وطول ولكن جعلها الله كذلك لتتعارف وتتعاطف في ميادين الخير وحسن المعاملات ولتتقارب بجلب  السعادة لها ولجيرانها في جميع الحالات.
وفي ميدان الرفق بالحيوان ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: دخلت امرأة النار في هرة (أي قطة) حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض.
وفي هذا الحديث تحذير من ظلم الحيوان بحبسه وعدم إطعامه ووعيد لمن فعل مثل فعل تلك المرأة بدخول النار، وهذا أعظم نهي وزجر.
وفي حديث شريف أخرجه الإمام البخاري في صحيحه والإمام مالك في الموطا عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ في فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له.
قالوا يا رسول الله وان لنا في البهائم لأجرا؟ فقال «في كل كبد رطبة أجر» فارسل النبي هذه الكلية العامة في الرفق بجميع الحيوانات ذوات الكبد الرطبة، وقد وردت عدة أحاديث في النهي عن أصحاب محافل القمار من نصب الطيور حماما وغيره على هذه الصفة حرام في نفسه زيادة على حرمة القمار، وكذلك مصارعة الثيران التي شاعت شيوعا عظيما في اسبانيا الكاثوليكية المسيحية مع يقينها أن المسيح عليه السلام لا يرضى فعلها.
ومن المعلوم ان هذا التشريع الصادر من النبي عليه السلام يعتبر تشريعا مقدسا عند المسلمين تجب طاعته على الجميع وقد كان الصحابة رضي الله عنهم حريصين على تطبيقه غاية الحرص لا يقبلون في ذلك هوادة ولا محاباة.
ففي صحيح البخاري من حديث اسحاق بن سعد بن عمرو عن أبيه أنه سمعه يحدث عن ابن عمر أنه دخل على يحيى بن سعيد وغلام من بني يحيى رابط دجاجة يرميها فمشى إليها ابن عمر حتى حلها ثم أقبل بها وبالغلام معه فقال ازجروا غلامكم عن أن يصبر هذا الطير للقتل فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تصبر بهيمة او غيرها للقتل، وفي حديث آخر لعن من فعل هذا فعن سعيد بن جبير قال كنت عند ابن عمر فمروا بفتية أو بنفر نصبوا دجاجة يرمونها فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها.. وقال ابن عمر لعن من فعل هذا..؟ ان النبي صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا» ويفهم كل سامع لهذا الحديث أن النفر الذين نصبوا تلك الدجاجة للمي كانوا عارفين بأنهم خالفوا الواجب ولذلك تفرقوا عنها لما رأوا ابن عمر، وكذلك صح في الحديث ان النبي لعن من مثل بالحيوان، والتمثيل تشوبه الخلقة بقطع بعض أجزائها.
نعم ورد ان النبي (ث) سأل صبيا كان عنده طير بقوله: يا أبا عمير ما فعل النغير.. فحمل العلماء ذلك على جواز حبس الطير ولكن بشرط عدم تضييعه أو تعذيبه ويستأنس لذلك بقول النبي في حديث الهرة السابق حبستها فلا هي أطعمتها. ومن هذه القضايا وأشباهها استنبط الفقهاء أحكاما تفصيلية تتعلق بمعاملة الحيوانات قال أبو على بن رحال المعداني الفقيه المغربي الشهير بعد أن نذكر أنه أخذ من المدونة جواز حصر الطير إنما هو إذا لم يكن فيه تعذيب أو تجويع أو تعطيش ولو بمظنة الغفلة عنه أو بحبسه مع طير آخر ينقب رأسه كما تفعله الديوك في الأقفاص ينقب بعضها رأس بعض حتى أن الديك يقتل آخر وهذا حرام بإجماع لأن تعذيب الحيوان لغير فائدة لا يختلف في تحريمه والفائدة يتأتى وجودها بلا تعذيب في هذا كان يحبسه وحده أو مع من لا ينقبه أو يعمل بينهما حائلا بحيث لا يصل بعضهما إلى بعض ويتفقده بالأكل والشراب كما يتفقد أولاده ويضع للطير ما يركب عليه كخشبة واما أن يضعه في الأرض بلا شيء فذلك يضر به غاية في البرد وهذه الأمور لا يحتاج لجلب نص فيها لوضوحها، وكم رأينا ممن يعذب الدجاج في الأقفاص على وجوه مختلفة من العذاب وكذلك حبس الكبش بلا أكل ولا شرب أو بغل يربطه في موضع ويغلق عليه الباب حتى ليكاد يموت جوعا، ومن لا رحمة فيه لا يعتبر في الدفع عن الدواب إلا ما يقتلها أو يضعف بدنها واما عذابها في نفسها إذا سلمت مما ذكر فلا يبالي به وذلك كله حرام في الدنيا والآخرة ان لم يعف الله تعالى، فإن هذه الحيوانات غير الإنسان لا تتكلم فمن ينادي عليها انها في الحاجة في كذا ان لم تكن رحمة من مالكها، ومن مارج الناس وأمعن النظر بقلبه وتفكر راى من عذاب الحيوانات من هذه الجهات ما لا يسامح فيه إلا من له رحمة ثم قال ابو علي رحمه الله: والحاصل أن هذا باب من العقاب ، ترك كثير الهروب منه فينبغي لمن فيه رحمة أن ينبه على هذا كل من لا يعرفه. ثم زاد قائلا وكثير من الناس يسمع مثلا ان الطير يجوز حبسه وأن العصفور يجوز أن يلعب به ويستدل بحديث «يا أبا عمير ما فعل النغير» ويعتمد على ذلك بلا شرط عدم تعذيبه وهذه مسألة عظيمة الأجر والعقاب. وكذلك تحميل الدواب أكثر مما تقدر عليه بحسب العادة، وغير ذلك، وهذا كله من نزع الرحمة من القلوب، ولكن إنما يرحم الله من عباده الرحماء.
فلينتبه إلى هذه المسئولية الخطيرة الفلاحون المستعملون للدواب وأصحاب الماشية والحمالون وتجار الطيور والدجاج حتى يعملوا بما تفرضه شريعة الإسلام من الرفق وعدم الإضرار بالبهائم وغيرها من الحيوانات وليعلم الجميع أن هذه ليست شريعة خاصة أو مبادئ لجمعية معينة وإنما هي شريعة عامة لكل المسلمين ولو طبقت هذه الشريعة بما فيها من عدل ورحمة لكان العالم الإسلامي غير ما هو عليه الآن ولا نسبة بينه وبين أمم ترفق بالحيوان وتقتل الأمم وتستعبدها بأنواع من العذاب والتنكيل في سبيل مطامعها المادية الصرفة.. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here