islamaumaroc

الإسلام والحضارة

  دعوة الحق

العددان 133 و134

العلم والدين: كلمتان من أشيع الكلمات قديما وحديثا، ولكل كلمة مدلولها ومفهومها وفلسفتها. فالدين هو القوانين الاعتقادية التي جاءت من طريق الوحي الإلهي. وهو ضالة الأرواح وأنشودة العواطف وبلسم جراح الحياة ونسيم الراحة والطمأنينة ومهب نفحات الحق وهو واحد لا تعدد فيه بعث الله به الأنبياء كافة إلى الأمم رفعا لما طرأ عليهم من الخلاف قال تعالى: «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين» وجاء في دائرة معارف القرن العشرين حرف «د» «أن الدين هو الطاعة والانقياد واسم لجميع ما يعبد به الله».
والعلم لغة بمعنى المعرفة ولا حاجة بنا إلى أن نستشهد بكل ما ورد في المعاجم «ففي اللسان مثلا: علمت الشيء أعلمه علما: عرفته، وعلم بالشيء: شعر، وعلمت بالشيء بمعنى عرفته وخبرته والعرفان: العلم وعرفه الأمر أعلمه إياه والتعريف: الإعلام. ومثل هذا في سائر المعاجم.
والمعنى المشارك فيه هو مفهوم: لفظ الإدراك، والأحرى أن أقول: إدراك النفس على الوجه العام الشامل حسيا كان أو ذهنيا.
فالإحساس والشعور وإدراك الأشياء وتصورها وفهم معاني الألفاظ: مفرداتها ومركباتها ومؤلفاتها، وما يعقل وما يتخيل وما يتوهم كل ذلك يصح لغة، أو علة يصح أو يؤدي حصوله في النفس لفظ العلم ولفظ المعرفة على حد سواء.
والعلم ضربان: إدراك ذات الشيء والثاني الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له أو نفي شيء هو منفي عنه.
والعلم نظري وعملي: فالنظري ما إذا علم فقد كمل نحو العلم بموجودات العالم والعملي ما لا يتم إلا بأن يعمل كالعلم بالعبادات والمعاملات. والعلم هو مجموع المعارف الإنسانية المؤيدة بالدلائل الحسية والعلم لا يعترف بمسألة إلا إذا قبلها العقل وأيدها الجنس وقبلت الخضوع لأسلوبه من الاختبار والتمحيص والغربلة والتحقيق والتدقيق.
ويطلق العلم أيضا: على ما يضاد الجهل على الإطلاق. وقد يقصد بالعلم تلك المعرفة الرياضية الطبيعية التي قامت على تجارب دقيقة والتي وصل عن طريقها الإنسان إلى كشف قوة البخار والكهرباء والذرة والفضاء والقمر إلى ما شاء الله.
وإذا كانت هذه التعاريف تعطي في مضمونها الحد التام لمعنى كلمتي الدين والعلم فهل يجتمعان أو لا يجتمعان؟
في نظر الماديين والطبيعيين أنهما نقيضان لا يجتمعان وضدان لا يلتقيان فمفهوم العلم عندهم لا يعدو حدود الطبيعة المادية ولا يجتاز أسوارها.
يقول «هكلي» يطلب هذا العلم حقائق الكائنات الطبيعية بواسطة الحواس مع الاستعانة بجميع ما عرف لهذا العهد من أنواع الآلات.
ويقول الأستاذ بلفور: يتوقف العلم في تحصيله والتثبيت منه على المقاييس، فكل ما لا يقبل القياس من الأشياء فهو خارج أو يكاد يكون خارجا عن حدود الطبيعة.
ويقول وندل: العلم – سواء استعان بالآلات أم لم يستعن – عماده ما يلاحظه الإنسان ويحسه من الكائنات وما تهديه إليه في المعامل الكيميائية والمعامل الطبيعية بالتجارب والآلات التي تمكنه من انتزاع غوامض أسراره الطبيعية من مكامنها العميقة.
وما ورد وراء هذا القدر الضئيل يريد العلم المادي الا يصل إليه ولا يجهد نفسه في البحث فيه. فما هي الطبيعة ومن الذي أوجدها؟ ومن الذي يمسك الأٍرض والسماوات أن تزول؟ وما هي الآلات التي تكبر أو تعرب لنا العواطف والميول في نفس الإنسان من جمال وسرور وسعادة؟ وما المقاييس التي نقيس بها درجات تفكير الإنسان ومدى إدراكه ووقت فهمه وتحدد لنا ساعة يقظته وساعة نومه؟..
الحقيقة التي لا يسوغ إنكارها أن العلم والدين يلتقيان في إسعاد البشرية ورفاهية الإنسانية والوصول بها إلى ذروة ما قدر لها من الاطمئنان والنجاح.
غاية العلم: الكشف عن الحقيقة وخدمة الإنسان في الحياة وغاية الدين: إسعاد الإنسانية في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة.
فالدين: أداة لمعرفة الحقيقة والعلم أداة لمعرفة الحقيقة.
إذن: وبدون مجانبة للحق نقول أن العلم والدين يواجهان الحقيقة إلا أن الطرق مختلفة.
فالدين يعطي المعرفة من طريق الوحي الإلهي مدركة ببصيرة خاصة أو لقائه فطرية خاصة. على حين ينشد العلم المعرفة عن طريق البحث والملاحظة ومقاييس التصميم والاختيار والتجربة. والعلم لا يحكم بصدق قضية إلا إذا خضعت لأسلوبه وقام عليها البرهان.
وان الطرائق العلمية والدينية لتعرف الحقيقة ليست متعارضة ولا ينفي بعضها بعضا. فإن الدين والعلم يعالجان حقيقة واحدة غير أنهما يمثلان نواحي مختلفة، والعلم وحده هو الذي يخضع للتجارب في المعامل ويرى فيها جوهر الحياة وعناصر القوة.
قال العلامة اينشتاين: العلم يخبرنا بما هو كان ولكن الوحي وحده هو الذي يخبرنا بما ينبغي أن يكون.
وهذه التفرقة التي ذكرها اينشتاين مهمة وحقيقة واقعة لا جدال فيها.
فالعلم يصف ويحلل والدين يأمر، وقد يستطيع أن يفيدنا ما هو الإنسان وكيف أصبح على ما هو عليه، ولكن الدين وحده هو الذي يخبرنا لم يعيش الإنسان.
قال تعالى «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون» وقال تعالى«تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا» والدين وحده: هو الذي يخبرنا أيضا. إلى أي غاية يجب أن توجه حياة الإنسان، تخلص من هدا إلى أن التطور الفكري والبحث العلمي لا يتعارضان مع الإسلام في شيء الإنسان؟..
وليس لدينا ما يمنع من قبول تلك الآراء التي ذهب إليها الفيلسوف «وليم جيمس» في قوله «ان موضوع العلم وطرق البحث وأساليب المعرفة تختلف عنها في الدين ومع هذا لا يناقض أحدهما الآخر. ولكن مما ينبغي معرفته أن الفيلسوف وليم جيمس يتحدث عن دين تنحصر وظيفته في النهوض بروح الإنسان فحسب.
والإسلام غير هذا لأنه ينظم الحياة من جميع وجوهها. فهو نظام عالمي عام يوجه الإنسان في الحياة ويساعده على أن يحصل لنفسه وللجماعة الإنسانية أسمى درجة من الكمال الإنساني في الروح والخلق والمادة والعقل والقيم والتقدم. لأنه قانون الفرد والجماعة وكل تكييف لعمل الإنسان حسب تعاليم الإسلام يعتبر عبادة مشروعة.
لهذا كله فسح الإسلام مجال العلم للعقل الإنساني وتعدى به أسوار الطبيعة وتغلعل به أسرار الكون والحياة ولم يقف به عند حدود الماديات الطبيعية بل تعداها إلى كل شيء في الحياة يفيد الإنسان ويعود عليه بالسعادة.
والإسلام لا ينسجم مع نتائج البحث العلمي والعقلي فحسب بل قدس هذا النوع من البحث وجعل
متابعة واجبا دينيا يؤجر عليه الإنسان. «طب العلم فريضة على كل مسلمة».
وكلمة العلم في القاموس الإسلامي أطلقت ولم تخصص بمادة معينة من مواد العلم فوجب أن تبقى مطلقة دون تقييد بمعلوم مخصوص. «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» «وما يعقلها إلا العالمون» «وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك» «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات» «لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك» «إنما يخشى الله من عباده العلماء» «ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل من ربك هو الحق».. ويرشدنا هذا الإطلاق إلى أن العلم في نظر الإسلام ليس خاصا بعلم الشرائع والأحكام وإنما المراد بالعلم في نظره هو كل إدراك يفيد الإنسان توفيقا في القيام بمهنته التي ألقيت على كاهله منذ قدر خلقه وجعل خليفة في الأرض وهي عمارتها واستخراج كنوزها وإظهار أسرار الله فيها. فإدراك ما يصلح به النبات وينمو ويثمر «علم» وإدراك موارد الصناعة على اختلاف أنواعها وكيفياتها وتوزيعها: «علم».
وإدراك الأمراض وعلنها وكيفية الوقاية ومنها وعلاجها: «علم» وإدراك ما تعرفه الأمم من وسائل الدفاع والهجوم حفظا للأوطان والبلاد من الدخيل والواغل «علم». ولقد جاء الإيمان بهذا كله واضحا جليا في القرءان الكريم وبه كان العلم بمعناه الشامل العنصر الأول من عناصر الحياة في نظر الإسلام.
فالعلم في القرءان: يشمل كل أنواع المعرفة ومجالاتها التي تتصل بكل ما ينفع الناس يف دينهم ودنياهم وفي معاشهم ومعادهم وفي أجسادهم وأرواحهم، وهذا أمر طبيعي باعتباره نظاما كاملا خالدا للبشر كافة ينظم شؤون الدين والدنيا معا. وليس أبلغ في بيان هذه المجالات من قول صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام «ان الله أنزل على القرءان ءامرا وزاجرا ومثلا مضروبا فيه نبؤكم وخير ما كان قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم لا يخلقه طول الرد ولا تنقضي عجائبه هو الحق ليس بالهزل من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن خاصم به فلج ومن قسم به أقسط ومن عمل به أجر ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم».
ولقد اشتمل القرءان على ستة ءالاف ومائتين وثلاثين ءاية منها حوالي سبعمائة وخمسين ءاية كونية وعلمية احتوت أصولا وحقائق تتصل بعلوم الفلك والطبيعة وما وراء الطبيعة والاحياء والنبات والحيوان وطبقات الأرض والأجنة والوراثة والصحة والصحة الوقائية والتعدين والصناعة والتجارة والمال والاقتصاد.. إلخ. واحتوت باقي الآيات على الأصول والإحكام في المعاملات وعلاقات الأمم والشعوب في السلم والحرب وفي سياسة الحكم وإقامة العدل والعدالة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي وكل ما يتصل ببناء المجتمع وفي رسم شخصية المسلم الكامل خنقا وأدبا وعلما، وفيما يجب أن يحتذيه من المثل العليا وما يتحلى به من مكارم الأخلاق.
وهذا كله بخلاف العبادات والعقائد والتكاليف وبخلاف القصص وما احتواه من مواعظ وأمثال، وغير ذلك من شتى أمور الدين والدنيا مما كان محلا للدراسة والاتنتاج والتأصيل والبحث والتنقيب، وكان أساس لعلوم الفقه والتفسير والحديث والأصول والأخلاق والاجتماع والبلاغة والأدب وغيرها سواء أكانت عقلية أم نقلية.
وكانت معانيه دائما كالماء الصافي في بلور الإناء ومهما تشكل الماء بلون الإناء بحسب الزمان والمكان فهو هو نفس الماء، الذي لا يتغير لونه ولا ينضب معينة ولا يتسنه طعمه ويظل هو نفس القرءان الذي لا تبلى على الزمان جدته، ولا تنقضي عجائبه ولا يخلقه طول الرد كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام. ذلك أنه من العمق والاتساع ومن العموم والشمول بما يقبل البشر له أيا كان مبلغهم من العلم وبما يفي بحاجاتهم في كل عصر ويتجاوب في يسر مع فهم أهل البداوة لأنه لا يلتوي على الافهام، ويبهر في عمقه أهل الحضارة الذين صعدوا في سلم التقدم والرقة ويرعوا في فنون العلم والمعرفة لأنه يزخر كما يزخر البحر في قاعة الدر واللآليء لمن استطاع الغوص إليها.
احتوى من الآيات الكونية ما ينبه الأذهان ويوجه الأنظار إلى البحث والتنقيب واستكناه حقائق الأشياء واستغلال ثروات الأرض وما أودعها الله من كنوز وقوى كونية.
ومن أوضح سمات القرآن الكريم التي لفتت نظر الباحثين في القرءان من المسلمين وغير
المسلمين إشادة القرءان بالعقل وتوجيه النظر إلى استخدامه للوصول إلى «الحقيقة» فقد دعا القرءان بطريق مباشر وغير مباشر إلى تعظيم العقل والرجوع إليه.
ويحرص القرءان على تأكيد هذا المعنى حتى أنه ليكرر هذه الدعوة بشكل يلفت النظر ويثير الاهتمام، ويشير القرءان إلى العقل بمعانيه المختلفة ومشتقاته وترادفاته في نحو ثلاثمائة وخمسين ءاية مستخدما لذلك كل الألفاظ التي تدل عليه أو تشير إليه من قريب أو بعيد من التفكير والقلب، والفؤاد، وللب، والنظر، والعلم، والتذكر، والرشد، والحكمة، والرأي، والفقه إلى غير ذلك من الألفاظ التي تدور حول الوظائف العقلية على اختلاف معانيها وخصائصها وظلالها، مما يعتبر ايحاءات قوية بدور العقل وأهميته بالنسبة للإنسان.
قال العقاد: ففي كتب الأديان الكبرى إشارات صريحة أو مضمونة إلى العقل أو إلى التمييز ولكنها تأتي عرضا غير مقصودة وقد يلمح فيها القارئ ببعض الأحايين شيئا من الزراية بالعقل أو التحذير منه لأنه مزلة العقائد وباب من أبواب الدعوى والإنكار.
ولكن القرءان الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي، يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبوله لحجر عليه ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل بمعنى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون من أصحاب العلوم الحديثة، بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص في مواطن الخطاب ومناسباته فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع ولا في العقل المدرك ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح بل يعم الخطاب في الآيات القرءانية كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة وهي كثرة لا موجب لتفصيلها في هذا المقام المجمل اذ هي جميعا مما يكن أن يحيط به العقل الوازع والعقل المدرك والعقل المفكر الذي يتولى الموازنة والحكم على المعاني والأشياء.
فالعقل في مدلول لفظه العام ملكة يناط بها الوازع الأخلاقي أو المنع المحظور والمنكر ومن هنا كان اشتقاقه من مادة «عقل» التي يؤخذ منها العقال وتكاد شهرة العقل بهذا التسمية أن تتوارد في اللغات الإنسانية الكبرى الإنسانية الكبرى التي يتكلم بها مئات الملايين من البشر. فإن كلمة «مايند» وما خرج من مادتها في اللغات الجرمانية تفيد معنى الاحتراس والمبالاة وينادي بها على الغافل الذي يحتاج إلى تخلو من كلمة في معنى العقل لها دلالة على الوازع أو على التنبيه والاحتراس.
ومن خصائص العقل ملكة الإدراك التي يناط لها الفهم والتصور وهي على كونها لازمة لإدراك الوازع الأخلاقي وإدراك أسبابه وعواقبه تستقل أحيانا بإدراك الأمور فيما ليس له علاقة بالأوامر والنواهي أو بالحسنات والسيئات.
ومن خصائص العقل انه يتأمل فيما يدركه ويقلبه على وجوهه ويستخرج منه بواطنه وأسراره ويبني عليها إنتاجه وأحكامه وهذه الخصائص في جملتها تجمعها ملكة «الحكم» وتتصل بها ملكة الحكمة، وتتصل كذلك بالعقل الوازع إذا انتهت حكمة الحكيم به إلى العلم بما يحسن وما يقبح وما ينبغي له أن يطلبه وما ينبغي له أن يأباه.
ومن أعلى خصائص العلقل الإنساني «الرشد» وهو مقابل لتمام التكوين في العاقل الرشيد ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف وعليها مزيد من النضج والتمام والتمييز بميزة الرشاد حيث لا نقص ولا اختلال وقد يؤتى الحكيم من نقص في الإدراك وقد يؤتى العقل الوازع من نقص في الحكمة ولكن العقل الرشيد ينجو به الرشاد من هذا وذاك.
وفريضة التفكير في القرءان الكريم تشمل العقل الإنساني بكل ما احتواه من هذه الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها. فهو يخاطب العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم والعقل الرشيد ولا يذكر العقل عرضا مقتضبا بل بذكره مقصودا مفصلا على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان.
فمن خطابه إلى العقل عامة – ومنه ما ينطوي على العقل الوازع – قوله تعالى في سورة البقرة: «ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر يما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء الأرض لآيات لقوم يعقلون».
ومنه في سورة المؤمنون: «وهو الذي يحيى ويميت، وله اختلاف الليل والنهار، أفلا تعقلون».
ومنه في سورة الروم «ومن ءاياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون، وله من في السماوات والأرض، كل له قانتون، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون».
ومنه في سورة العنكبوت: «وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقل إلا العالمون». ومنه ما يخاطب العقل وينطوي على العقل الوازع كقوله تعالى في سورة الملك: «وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير».
وفي سورة الأنعام «ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم اله إلا بالحق، ذلك وصاكم به لعلكم تعقلون».
ومنه بعد بيان حق المطلقات في سورة البقرة «كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تعقلون».
ومنه في سورة يوسف: «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القرى، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا، أفلا تعقلون».
ومنه في سورة الحشر، بيانا لأسباب الشقاق والتدابر بين الأمم «تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون».
وهذا عدا الآيات الكثيرة التي تبتدئ بالزجر وتنتهي إلى التذكير بالعقل لأنه خير مرجع للهداية في ضمير الإنسان كقوله تعالى «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون».
وكقوله «يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون».
وكقوله تعالى: «وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزؤا ولعبا، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون».
«وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، وللدار الآخرة خير للذين اتقوا، أفلا تعقلون».
«يا قوم لا أسألكم عليه من أجر، ان أجري إلا على الذي فطرني، أفلا تعقلون».
«أف لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون»
وفي غير هذه الآيات تنبيه إلى العقل في مثل هذا السياق يدل عليه ما تقدم في هذه الآيات.
إن هذا الخطاب المتكرر إلى العقل الوازع يضارعه في القرآن الكريم خطاب متكرر مثله إلى العقل المدرك أو العقل الذي يقوم به الفهم والوعي وهما أعم وأعمق من مجرد الإدراك وكل خطاب إلى ذوي الألباب في القرءان الكريم فهو خطاب إلى اللب هذا العقل المدرك الفاهم لأنه معدن الإدراك والفهم في ذهن الإنسان كما يدل عليه اسمه باللغة العربية.
«والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولوا الألباب».
«قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون».
«والذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم الألباب».
«لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب».
«يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، وما يذكر إلا أولوا الألباب».
«وتزودوا، فإن خير الزاد التقوى، واتقون يا أولي الألباب».
«ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون».
ومن هذه الآيات نتبين أن اللب الذي يخاطبه القرءان الكريم وظيفته عقلية تحيط بالعقل الوازع والعقل المدرك والعقل الذي يتلقى الحكمة ويتعظ بالذكر والذكرى وخطابه خطاب لأناس من العقلاء لهم نصيب من الفهم والوعي أوفر من نصيب العقل الذي يكفي صاحبه عن السوء ولا يرقى إلى منزلة الرسوخ في العلم. والتمييز بين الطيب والخبيث والتمييز بين الحسن والأحسن في القول.
أما العقل الذي يفكر ويستخلص من تفكيره زبدة الرأي والروية فالقرءان الكريم يعبر عنه بكلمات متعددة تشترك في المعنى أحيانا وينفرد بعضها بمعناه على حسب السياق في أحيان فهو الفكر والنظر والبصر والتدبر والاعتبار والذكر والعلم وسائر هذه الملكات الذهنية التي تتفق أحيانا في المدلول – كما قدمنا – ولكنها لا تستفاد من كلمة واحدة تغني عن سائر الكلمات الأخرى.
«ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون».
«الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض».
«قل هل يستوي الأعمى والبصير، أفلا تتفكرون».
«ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون»
«أولم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السماوات والارض وما بينهما إلا بالحق»
«انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يتفقهون».
«أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء».
«قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون»
«أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج»
«أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت».
«من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه، أفلا تبصرون».
«أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون».
«والله يؤيد بنصره من يشاء ان في ذلك لعبرة لأولي الأبصار».
«أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت ءاباءهم الأولين»
«كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته»
«أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها».
أفآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار».
«ويبين ءاياته للناس لعلهم يتذكرون».
«وهذا صراط ربك مستقيما، قد فصلنا الآيات لقوم يتذكرون».
«أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب»
«وما ذرا لكم في الأرض مختلفا ألوانه، ان في ذلك لآية لقوم يذكرون».
«أو يذكر فتنفعه الذكرى»
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»
«ولقد ءاتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون».
«ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون»
«قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال، قال ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم».
«وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون».
«قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون».
«يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، والله بما تعملون خبير».
«هو الذي جعل لكم الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق، يفصل الآيات لقوم يعلمون».
«قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا»
«خلق الإنسان علمه البيان»
«الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم».
«وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا، وما يذكر إلا ألوا الألباب».
بهذه الآيات وما جرى مجراها تقررت ولا جزم فريضة التفكير في الإسلام وتبين منها أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الامور ويوازن بين الأضداد ويتبصر ويتدبر ويحسن الادكار والروية وأنه هو العقل الذي قابله الجمود والعنت والضلال وليس بالعقل الذي قصاراه من الإدراك أنه يقابل الجنون فإن الجنون يسقط التكليف في جميع الأديان والشرائع وفي كل عرف وسنة ولكن الجمود والعنت والضلال غير مسقطة للتكليف في الإسلام وليس لأحد أن يعتذر بها كما يعتذر للمجنون بجنونه فإنها لا تدفع الملامة ولا تمنع المؤاخذة بالتقصير.
ويندب الإسلام إلى من يدين به إلى مرتبة في التفكير أعلى من هذه المرتبة التي تدفع عنه الملامة أو تمنع عنه المؤاخذة فيستوجب له أن يبلغه بحكمته ورشده ويبدو فضل الحكمة والرشد على مجرد التعقل والفهم من ءايات متعددة في الكتاب الكريم يدل عليها أن الأنبياء يطلبون الرشد ويبتغون علما به من عباد الله الصالحين. كما جاء في قصة موسى وأستاذه عليهما السلام.
وقبل أن ندخل في بعض التفاصيل نلقي نظرة احصائية على عدد من الكلمات الموحية أو الدالة على العقل والتي لها ارتباط به أو بوظيفته في القرءان الكريم:
العقل:
وردت مادة «عقل» بصيغة المضارع (يعقلون، تعقلون، يعقل، تعقل) في خمسين ءاية من ءايات القرآن الكريم وردت بصيغة الماضي في ءاية واحدة «من بعد ما عقلوه».
التفكير:
وردت مادة «التفكير» بصيغة الفعل المضارع في سبع عشرة ءاية وبصيغة الماضي في ءاية واحدة «انه فكر وقدر».
الفقه:
وردت مادة «الفقه» في عشرين ءاية بصيغة المضارع (يفقهون، تفقهون، نفقه).
الذكر:
وردت مادة «الذكر» في ثلاث وسبعين ومائتي ءاية بصيغتها المختلفة الماضي والمضارع والأمر والمصدر والمجرد والمزيد والمضعف والمبني للمجهول والمبني للمعلوم وكلها ذات صلة بالمعنى المراد. ولا يدخل في ذلك ما ورد تحت هذه المادة مما له صلة بمعنى الذكورة (ضد الأنوثة).
مذكر:
ومذكر من صيغ الذكر أو التذكر وردت ست مرات في ست ءايات في سورة القمر بصيغة واحدة «ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مذكر».
الرأي:
ومادة «رأي» في القرءان كثيرة منها رأي البصرية، ومنها «رأي» العلمية، ومنها ما يحتمل الوجهين غير أنني وجدت أن «رأى» التي لها صلة بالتفكير موضوع بحثنا-واضحة بصفة قاطعة في كل ما استفهم عنه بالهمزة كقوله تعالى «ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه. ألم تر إلى ربك كييف مد الظل. أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها. أولم يروا إلى الطير. أفرأيتم الماء الذي تشربون. وهكذا.. ويزيد عدد الآيات التي وردت فيها «رأي التفكرية» عن ثمانين ءاية في مختلف سور القرءان الكريم.
التدبر:
وورد التدبر في أربع ءايات في القرءان: وهي بصيغة المضارع «أفلا يتدبرون القرءان. أفلم يدبروا القول. مبارك ليدبروا ءاياته».
القلب:
ووردت كلمة «قلب» في ستة وعشرين ومائة آية. جاءت مفردة حينا، كقوله تعالى «ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أن ألقى السمع وهو شهيد» وجمعا حينا آخر كما في قوله تعالى «لهم قلوب لا يفقهون بها».
ووردت مضافة إلى الضمائر كقوله تعالى «فإنه ءاثم قلبه» «ولكن ليطمئن قلبي» «وربطنا على قلبها»، «فإنه نزل على قلبك»، «ربما كسبت قلوبكم» «ولكن قست قلوبكم».
أولوا الألباب:
ووردت كلمة الألباب ست عشرة مرة في ست عشرة ءاية كلها مقرونة بأولي أو أولو وقد جاءت مسبوقة بياء النداء نحو يا أولي الألباب. وبمادة التذكر نحو «ذكرى لأولي الألباب»، «إنما يتذكر أولوا الألباب»، وبكلمة «عبرة» نحو عبرة لأولي الألباب وبالضمير هم نحو «هم أولوا الألباب».
الابصار:
و«أبصر»، مثل «رأى» لها معنى حقيقي وهو الرؤية بالعين الباصرة ومعنى مجازي وهذا يتصل بالفكر أو التفكير والإبصار بالمعنى الأخير ورد في القرءان أكثر من أربعين ءاية نحو «أفلا تبصرون – أم أنتم لا تبصرون- تبصرة وذكرى لكل عبد منيب»، وفي ءايتين سبقت بأولي وهي قوله تعالى «فاعتبروا يا أولي الأبصار» وقوله «أولي الأيدي والأبصار» ولا يدخل في ذلك ما جاء على وزن فعيل (بصير) منسوبا إلى الله تعالى نحو «خبير بصير» وقد وردت هذه في أكثر من أربعين ءاية أخرى.
النهي:
و «النهي» معناها «العقل» وقد وردت في ءايتين بصيغة واحدة «ان في ذلك لآيات لأولي النهي».
الرشد:
و«الرشد» من المعاني ذات الصلة بالعقل. وقد وردت في القرءان في تسع عشرة ءاية بصيغ مختلفة منها المضارع «لعلهم يرشدون» والمصدر الرشد والرشاد «وهيئ لنا من أمرنا رشدا»، «قد تبين الرشد من الغي»، «اهدكم سبيل الرشاد» ومنها صيغة رشيد كفعيل نحو «وما أمر فرعون برشيد».
العلم والعلماء:
ومادة «العلم» من أكثر الكلمات شيوعا في القرآن هو فيما عدا صيغ «العالمين وعليم ومعلوم وأعلام»، ورد العلم بصيغة المضارع والماضي في حوالي أربعين وخمس مائة ءاية وردت كلمة «العلماء» في موضعين هما قوله تعالى «إنما يخشى الله من عباده العلماء». وقوله تعالى «يعلمه علماء بني إسرائيل»
الفؤاد:
وردت كلمة «الفؤاد» و«الأفئدة» في القرءان الكريم في ست عشرة ءاية
الحكمة:
وردت كلمة «الحكمة» في تسع عشرة ءاية هذا عدا كلمة «حكيم» المنسوبة لله والتي وردت في أكثر من تسعين ءاية في القرآن الكريم.
العبرة:
وردت بصيغة الأمر في آية واحدة «فاعتبروا يا أولي الأبصار» وبصيغة المصدر «عبرة» في ثلاث آيات «إن في ذلك لعبرة» «ان لكم في الأنعام لعبرة».
هذه هي بعض الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم مما له صلة وثيقة بالعقل والتفكير والعلم وهي في مجموعها تكون دائرة واحدة يتصل معناها بالعقل ووظائفه في أوسع معانيه، هذا وكلمة العلم التي وردت في القرآن في أربعين وخمسمائة آية ليس المقصود بها في القرآن (علم الدين) وحسب وإنما قصد بها كل علم نافع، يرفع من قدر الإنسان وينمي مواهبه العقلية ويجعله أكثر خبرة ومعرفة بأمور الدين والدنيا واستفادة منا وإفادة بها.

كلمات مشرقة
عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي ولدي إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل في ذلك من جناح؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله بالمعروف ما يكفي وولدك.. رواه مسلم والبخاري

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here