islamaumaroc

إبراهيم ناجي.. الشاعر الإنسان

  دعوة الحق

العددان 133 و134

في مقدمة ديوان «الطائر الجريح» آخر الأنفاس الرقيقة التي نظمها الشاعر الدكتور «إبراهيم ناجي»، كتب الأستاذ الشاعر «محمد عبد الغني حسن» يقول:
(هذا هو آخر ما نظمه ناجي قبل أن يسكت الموت أنفاسه ليرقد الرقدة الطويلة التي يستريح الجسم فيها بعد تعب الحياة.)
ولقد مات الطبيب الشاعر «إبراهيم ناجي» في طبه ميتة «جالينوس» أو ميتة راعي الضأن في سربه، كما قال شاعرنا القديم الحكيم، ولكن الشعراء لا يموتون كما يموت الناس، لأن أصواتهم تأتي من وراء العالم البعيد، من خلال الصمت الموحش، فكأنها الأصداء التي يقول عنها «ناجي»:
صمت السهل ولكن أقبلت
      من ثنايا السهل أصداء بعيدة
ولقد عاش «ناجي» حياته حائرا معذبا، وعاش ظامئا على كثرة الموارد حوله، وجائعا على وفرة الزاد عنده، ومقيما كالمسافر، وثاويا كالمهاجر.. بل عاش أكثر من ذلك:
فراشة حائمة
      على الجمال والصبا
تعرضت فاحترقت
      أغنية على الربى
تناثرت وبعثرت
      رمادها ريح الصبا
نعم، لقد بعثرت الريح رماد تلك الفراشة الحائرة، ولكن بقي من ألوانها هذه الحزمة الفاتنة من الضوء والعطر والندى والرقة والصفا.
فناجي الشاعر المحب، ترجم في رقة وعذوبة آلام المحبين وآمالهم، وقد علمه الحب – على ما فيه من صور الشقاء – أن يحب الناس والدنيا جميعا.
فاتسع قلبه لكل طارق، وابتسم ثغره لكل بارق، وظل ذاكرا وهو يخاطب حبيبته في عزة المحب الكريم:
لست أنساك وقد علمتني
      كيف يحيا رجل فوق الحياة
فالحب عند «ناجي» هو اندفاع في الحياة وقوة وكرامة وعزة نفس، وليس أبدا ضعف أو تخاذل أوسقوط....
وان هذا الشاعر الذي لم ينس حبه، لجدير بأن يذكره الحب وأن تذكره الحياة.
ولابد لنا، إن نحن أردنا أن نلقي الضوء على حياة «ناجي» الأدبية، ونشرح كل ما يتصل بهذه الحياة، من أن نبتدئ بالشعر العربي قبل «ناجي»، متناولين في بداية الموضوع ذلك الشاعر العملاق الذي أثرى الحركة الشعرية على طول المدى، وهو «محمود سامي البارودي».
فان كل قارئ ودارس للأدب العربي يدرك ما للبارودي من أياد بيضاء على القصيدة العربية، فبعد أن ظل الشعر العربي يرزح طوال العصرين المملوكي والتركي تحت قيود البديع والمحسنات اللفظية، وبعد أن كان هم الشعراء أن يتصيدوا تلك الحسنات وأن ينظموا في تلك الأغراض التقليدية التي بليت من كثرة ما نظم فيها من أشعار، نجد شاعر النورة العربية «البارودي» ينهض بالشعر العربي نهضة كبرى فيعيد إليه ديباجته القديمة أيام المتنبي والبحتري وأبي فراس، ويخلص القصيدة العربية من الأغراض المبتذلة التي كانت تضع الشاعر في موضع المستجدي لعطاء الحكام، ينافق ويداجي ويرائي في سبيل العطاء.
لقد كان شعر «البارودي» مدرسة جديدة في الفتح الجديد أمام الشعر الحديث، تلي ذلك مدرسة «شوقي» التي تعد امتدادا لمدرسة «البارودي» التي شيد دعائمها، ومع أن رواد هذه المدرسة وعلى رأسهم «شوقي» قد التقوا بالتجديد من غير عمد أو تعمدوه، نجد أن الطابع الغالب على هذه المدرسة وشعرائها من الذين نهجوا نهج «شوقي» من امثال حافظ إبراهيم – وأحمد نسيم – وأحمد محرم – وأحمد الكاشف – ومحمد عبد المطلب)، كانوا ما يزالون يقولون الشعر في أغراضه التقليدية من مديح وهجاء ورثاء ووصف، حتى أنه يمكننا أن نسمي هذه المدرسة، مدرسة (الصياغة الموسيقية)، ثم تأتي بعد ذلك مدرسة (خليل مطران).
ولعل أجدر ما يقال في «مطران»، قول الدكتور «طه حسين»:
(... فمطران ثائر على الشعر القديم، ناهض بالمجدد، وهو قد سلك طريق القدماء فلم تعجبه فأعرض عن الشعر، ثم اضطر فعاد إليه.. وحاول أن يعود إليه مجددا لا مقلدا.. وهو يعرض عليه في شعره شيئا من القديم لتتبين به مقدار ما وصل إليه من التجديد.)
وأما المدرسة الثالثة، فهي مدرسة (جماعة الديوان).. هذه المدرسة التي حملت راية التجديد في مطلع القرن العشرين، ووقفت في وجه حركة التقليد البالية، وراحت تحطم إمارة «شوقي» الشعرية محاولة إزاحة شعراء التقليد من مكان الصدارة، وكان أقطاب هذه الحركة (شكري والعقاد – والمازني..) وكانت حركتهم النقدية في الديوان الذي أصدره (العقاد والمازني)، هي أقوى حركة نقدية شهدها الشعر العربي.
وفي كتاب (الديوان) يصبح «العقاد» صيحة العاتية، موجها – الخطاب  إلى أمير الشعراء «شوقي»، فيقول:
(اعلم أيها الشاعر العظيم أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصي أشكالها وألوانها، وليست ميزة الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما ميزته أن يقول لك ما هو.. ويكشف يلك عن لبابه وصلة الحياة به.)
ولعل هذه الصيحة تشابه تلك التي جاءت في مقدمة الجزء الخامس لديوان «شكري»، وأخرى مثلها أطلقها «المازني» ثائرا على المفهوم القديم للشعر.
ثم تأتي بعد ذلك مدرسة الهجريين، حيث كانت تتردد أضداد معركة أدبية قوامها الشعراء المهاجرون من أرض الشام إلى الأمريكيتين بحثا عن الحرية التي افتقدوها في وطنهم تحت نير الحكم العثماني، وكم يكون غريبا أن ترتبط رغبتهم في تحرير وطنهم برغبتهم في تحرير الشعر العربي من القيود التي ظلت تغله عبر قرون وقرون..
ويعلل الأستاذ «عمر الدسوقي» في كتابه (الأدب الحديث) هذه النزعة الثورية لذا المهاجرين بأنهم:
( ما إن هاجروا حتى شعروا بالحرية الواسعة، ولاسيما حرية القول والعقيدة، فانطلقوا على سجيتهم).
لقد كان ذلك أشبه برد فعل للكبت الشديد الذي عانوه في بلادهم، وللحرمان المزري الذي دفعهم لترك الوطن الحبيب.
تلك كانت بعض الجوانب الأساسية في حركة الشعر العربي قبل أن يبزغ فجر الشاعر «إبراهيم ناجي» لكننا استكمالا للبحث لا بد أن نلم بحياة الشاعر نفسه، مولده، ثقافته، وأخيرا عطاؤه الشعري. كان والد إبراهيم «ناجي» مثقفا واسع الإطلاع، محبا للقراءة والشعر، فنشأ «ناجي» في بيت يحرم الأدب ويبجل الثقافة، وحين كان في المدرسة الابتدائية، كان يسمع من والده قصص (ديكنز –وكونان دويل- وهاجارد) يقصها الأب على زوجته وأولاده، وما كاد «ناجي» يحصل على الشهادة الابتدائية حتى أهداه والده قصة
 (دافيد كوبرفيلد) لتشارلز ديكنز، وبهذا استطاع الأب أن يزرع في نفس ابنه منذ حداثته روح الإنسانية، وعلمه التأمل والملاحظة والتفكير...
وما كاد «ناجي» يبلغ الثانية عشرة من عمره حتى بدأ ينظم الشعر، وحين لمح الأب في ابنه هذا الميل أخذ ينميه ويقدم له دواوين الشعراء من امثال (شوقي – والمتنبي – ومطران – وحافظ إبراهيم – والشريف الرضي).
وبدأت موهبة «ناجي» الشعرية تتفتح، وبدأ تأثره واضحا بمطران وشوقي والشريف الرضي، وتشاء الظروف أن يلتقي «ناجي» بأستاذ له، يتوسم فيه شيئا لا يعلمه، جعله يزمن بأن «ناجي» يستطيع أن يكون نابغة في الرياضيات.. فوجه الأستاذ كل اهتماماته إلى «ناجي» حتى غير في مستقبله، فحوله من القسم الأدبي إلى القسم العلمي في دراسته، ونظرا للتفرق الذي أبداه «ناجي» في الثانوية، فقد دخل كلية الطب.
وإذا «ناجي» الطبيب يغدو شاعرا.. بل تتمثل فيه مدرسة شعرية جديدة، هي مدرسة التجربة الذاتية.
يقول الأستاذ (أحمد الصاوي محمد) في مقدمة ديوان (وراء الغمام) لناجي:
(يكاد يكون ديوان ناجي قصيدة واحدة: وقصيدة حب).
ويصفه الدكتور (أحمد زكي أبو شادي) بأنه (شاعر اللهفة).
ويقول عنه الناقد الكبير الدكتور (محمد مندور):
(إبراهيم ناجي قصيدة حب... وقصيدة حياة...)
ولقد كانت التجربة العاطفية الأولى عند «ناجي» سببا أساسيا ومباشرا للإخفاق العاطفي الذي ظل يرافقه طوال حياته، وأعطاه هذا الإخفاق بالتالي، عمق ما في تجارب الآخرين.. وذلك يحكم ثقافته الواسعة وإنسانيته البعيدة ورقة مشاعره وأحاسيسه.
وتلقي الدكتورة (نعمات أحمد فؤاد) حزمة ضوئية على خصال «ناجي» الفنية، فتقول:
(يمتاز ناجي – اول ما يمتاز به – بأنه شاعر لا يكتب إلا ما يتحرك له حسه ويفيض به خاطره، والشعر عنده عاطفة نارية تتشكل في الأسلوب الذي يلائمها والقالب الذي يتساوى معها).
ويعبر «ناجي» - نفسه- عن شعره، فيقول:
(الشعر عندي هو النافذة التي أطل منها على الحياة، وأشرف منها على الأبد، وما وراء الأبد.. وهو الهواء الذي أتنفسه، وهو البلسم الذي داويت به جراح نفسي عندما عز الأساة).
وشعر «ناجي» شعر رقيق، أدق ما يوصف به انه (الشعر المهموس)، وهو الشعر الذي ينساب إلى النفس في هدوء ورقة في غير ما صخب ولا ضجيج، والشاعر المهموس لا يقف على منصته ليخطب في سامعيه، ولكنه يسر إليهم، ويشاكيهم ويتسلل إلى قلوبهم رقيقا كالنسيم.
ولقد تناول النقاد – على اختلاف مدارسهم – شعر «ناجي» بالنقد والدراسة، وأجمعوا جميعا بأنه قد جدد إلى حد كبير في مضمون قصائده، وجدد إلى خد ما في شكلها أيضا.
ولقد أثرى «ناجي» لغتنا العربية بتجارب فنية رائعة، صاغها لنا في قوالب ساحرة  ورقه وعذوبة، ولعل بعض هذه الميزات جعلت «ناجي» علما من أعلام جيله، جيل التجربة الذاتية والتعبير عن العاطفة والوجدان.
وإذ تقترب أيام «ناجي» الأخيرة، نجده يصدم مرة ثانية – بعد فشله في حبه الأول الذي أغنى شعره وأثراه – ولا تقل هذه الصدمة في مرارتها عن الصدمة الأولى، فقد قرأ وهو في لندن، مقالا نقديا للدكتور (طه حسين) أثر صدور ديوانه (وراء الغمام)، وكان مقالا جارحا وقاسيا لم يستطع «ناجي» احتماله، فاسودت الدنيا في عينيه، ولم يعد يبصر شيئا.. فخرج وهام على وجهه في شوارع لندن كالمشردين، وبينما هو كذلك صدمته سيارة مسرعة لم يبصرها.. فكسرت ساقه ودخل المستشفى وأجريت له عملية عاجلة.. وبعد أن شفي عاد إلى الوطن وقد قرر ان يترك الشعر، غر أنه لم يستطع أن يترك الأدب الذي تغلغل في أعماقه منذ الطفولة، وراح يكتب ويترجم ما يفيض به قلبه بالمشاعر الإنسانية الرقيقة.
ثم وأتته الصدمة الثالثة حين أحيل إلى التقاعد من عمله كطبيب في وزارة الأوقاف المصرية عام 1956 وهو ما يزال في الخامسة والخمسين من عمرهن يفيض شبابا ونشاطا وحيوية.
وتتدهور صحة الشاعر الإنسان.. ولا يدري أين يبدد الليالي والاصباح وهو الذي تعود العمل والنشاط..
فهو في الليل يسهر مع أصحابه ولا يعود إلى منزله إلا مع الفجر.. ثم يخرج إلى المقهى ظهرا، ويذهب إلى عيادته في المساء.
وفي تلك الدوامة الهائلة من اليأس وضيق ذات اليد تبدأ صحته بالتدهور.. فهو لا يهتم بمأكل أو مشرب، وتضيق عليه سبل الحياة، فمعاشه محدود وراتبه التقاعدي لا يكاد يكفيه، وعملاؤه من المرضى لم يكن أغلبهم قد تعود – خلال السنين – ان يدفع أجرا للطبيب الإنسان.
وفجأة، تجيئه المنية يوم 24 مارس – آذار سنة 1953، حين كان يعالج الطبيب أحد مرضاه..
وبينما هو يستمع إلى دقات قلب مريضه، تتوقف دقات قلبه هو.
ومات الشاعر والطبيب والإنسان.. مات جسدا، ولكنه سيظل أبدا روحا هائمة في سماء الكون الذي كالما تغنى به وأنشد أعذب وأشجن الألحان...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here