islamaumaroc

أبو العتاهية الشاعر

  دعوة الحق

العددان 133 و134

من الناس من يعمل في هذه  الحياة أمدا طويلا ثم لا يصل إلى جزء مما يريد، ومن يقعد منتظرا يتأمل الزمن ويترقب الأحوال ويشاهد الأيام دون أن يجهد أو يسعى ثم تجده وقد نظر إليه الدهر بعين الرضا والتفتت إليه الدنيا كلها فإذا هو محظوظ مجدود، وإذا الدهر أطوع من بناته وأخدم من أهله وعبدانه، ولو تصفحت هذه الحياة لرأيت أن أهل الفنون هو أحوج الناس إلى إنصاف الأيام وأقمنهم بملاحظة الزمن لهم والتفاته إليهم.
ولكن أكثرهم كما ترى قد حرم هذه النعمة فتنكب عنه الحظ وأدار له الزمان ظهره عاتبا غاضبا، وكثيرا ما تسمع بشاعر أو رسام أوموسيقي يقضي الحياة وهو يطعم الناس من فنه ويسقيهم من إلهامه ثم تراه وهو محتاج إلى كسرة خبز أو شيء من الإدام، على حين تجد من لا يستحقون الطعام يحبون حياة الملوك، ومن بين رجال الفنون أنفسهم نجد بعضا قد أصابه الخير العميم وهو لا يستحق ذلك كله أو نظرت إلى عبقريته، كما تجد عبقريا كبيرا إلى جوار ذلك لا يشبع الخبز ولا يعيش إلا تبلغا غير مكتف ولا راو، ولو قلبت كتاب يتيمة الدهر للثعالبي لعجبت لهذا العدد الكبير من الشعراء وبينهم الفحل الذي لا يناله العيب والفنان الذي لا يأتيه النقد، ثم تقرأ شعره لتراه غرقا بالشكوى مغمورا بالحزن والكدر لأن الدهر لم ينصفه ولأن الزمان قد جافاه فهو على حد قول حافظ:
إذا تصفحت ديواني لتقرأني
         وجدت شعر الراثي نصف ديواني
وهذا أبو العتاهية صاحبنا هذه المرة قد رزق من الشهرة ثوبا فضفاضا ونظر إليه الزمان نظرة الرضا والحب، فإذا قرأت شعره تعجبت كيف نالته الحظوظ وكيف اختارته نعمة العيش ولو كان الأمر على قدر الشاعرية لكان ألو العتاهية من الذين يأتون في المرحلة الثالثة أو الرابعة إن كان هناك تصنيف يعمل به، فهو – في رأيي على الأقل – شاعر بسيط درويش – إن صح هذا التعبير – يقول شعره كما يقول غيره كلامه العادي، بل لا يفترق عن الكلام العادي إلا بأنه موزون مقفى، وهذا كل ما كان يملك على أبي العتاهية لبه ويجعله يفتخر على الناس ويدل، فهو يقول ويكرر ويتبجح ذاكرا أنه لو أراد جعل كلامه كله شعرا لفعل، وأنه سريع النظم طويل النفس، وهذا كل ما كان يستطيع الادلال به، والالتجاء إليه في معرض الفخر.
ذكرت كتب الأدب أن حديثا دار بين أبي العتاهية وابن منذر فقال الأول للثاني: إني لو أردت أن أجعل كلامي شعرا لفعلت، وأنت إنما تنظم في العام قصيدة أو قصيدتين؟ ورد الثاني يقول بلى ولكنك تقول كقولك:
ألا يا عتبة الساعة      أموت الساعة الساعه
وأقول:
ان عبد المجيد يوم تولى
      هد ركنا ما كان بالمهدود
ما درى نعشه ولا الحاملوه
      ما على النعش من عفاف وجود
وأن السهولة في النظم – أو الارتجال – إذا أردت التخصيص واليسر في القول والإكثار منه هو كل ما كان يشغل البال عند صاحبنا، أما الإجادة وأما التأنق اللفظي والإتيان والصور والتعمق بالإحساس والبلوغ إلى مطاوي الفكر وأتناء النفس والإشارة الخاطفة واللمحة العابرة فكل هذه لم تكن شيئا مذكورا ولم يحسب الشاعر لها حسابا، لذلك خرج شعره كله من هذا النوع الرخيص المبتذل الذي لا قيمة له إلا في أثر قديم وأنه من النوع الهين اللين الرخو الذي لا يهيج بك عاطفة ولا يحرك شجنا.
ولست أدري السر الذي جعل لهذا الشاعر شهرته المستفيضة وسمعته المدوية وأعتقد أن ذلك إنما يرجع إلى كونه شاعر الخليفة المهدي ثم شاعر الهادي والرشيد فكان بذلك شاعريا رسميا كما يقال اليوم ومن هنا أخذ الناس يتملقونه ويتلطفون إليه ويدرونه جهد الإمكان ليتقوا غضب الخلافة ويتوسطوا به إلى المقامات العليا لقضاء الحوائج وكسب المنافع.
وهذا ديوانه الطويل العريض لو قلبته من أوله إلى ءاخره لما عثرت فيه على جليل إلا أبياتا متنافرة متباعدة تلوح في هذا المهمه القفر بأضوائها الخافتة وأنوارها الباهتة ولقد قصر قوله فاختص بالحديث عن الزهد ولم يتنقل إلى باب غيره إلا  في المناسبات البعيدة فتحدث في المديح قليلا وتغزل غزلا غثا باردا والتفت إلى الأمثال يعرضها عليك عرضا لا فن فيها ولا ذوق، ولعلك تحسبني مبالغا أو أنني أسعى إلى الحط من هذا الشاعر الشهير في حين أنني قضيت الليلة الليلاء أنقب في ديوانه وأبحث بين دفتيه لعي أقع على ما يسر الخاطر ويفرح القلب به ولقد عثرت فيما عثرت عليه بهذه الأبيات التي أعجب بها بشار حين رأى أبا العتاهية يهنئ الخليفة المهدي بالخلافة فيقول فيه:
ألا ما لسيدتي مالها
       أدلت فأحمل أدلالها
إلى أن يقول:
أتته الخلافة منقادة
      إليه تجرر أذيالها
ولو رامها أحد غيره
      لزلزت الأرض زلزالها
وقد ظن بشار أن الأرض تميد به من الإعجاب بهذه الأبيات، وإنا لنتساءل عن هذه المبالغة عند الشاعر الأعمة ونظن به الظنون بل إنا لنشك في إخلاصه المديح، ولكن الأبيات على كل حال من خير ما نظم الشاعر وبشار بلا شك مرهف الإحساس يتحسس جيدا موطن الحسن في الشعر ويعرف مكامن الإبداع والتوفيق فرأيه له القيمة التي يستحقها. وأبو العتاهية شاعر زهد قبل أي شيء ءاخر ولكن زهده هذا ليس مبنيا على فلسفة معروفة أو مستندا إلى مبدإ مدروس مشروح كالزهد عند أبي العلاء مثلا، فأبو العلاء قد زهد العيس وانقطع للوحدة والانفراد ولقد بنى فلسفته هذه على القراءة الطويلة وإدمان التفكير وإمعان النظر فهو يقرأ ويطبق على نفسه ما يقرأ، أما أبو العتاهية فرجل غير قارئ كما يبدو من تاريخه، وقد جاء زهده عن طريق الحرص فهو لا يحل الإنفاق والتبذير ويحرص على كنز المال جهده ولكي يبرر عدم الإنفاق لا بد له من التستر بالزهد ليخفي بخله وحرصه وجشعه ومن هنا فإن زهده غير أصيل، ونسكه غير قويم، لأن الزهد يلازم ارخاص المال وكرهه كما هو معقول ومعروف، والزاهد كريم بطبعه لأن المال من أوصار الحياة التي يأنفها الزاهد ويحاول الابتعاد عنها وعن الخوض فيها فكيف استطاع أبو العتاهية الجمع بين الزهد والبخل الشديد؟
روي عنه أنه كان يملك عبدا فقيرا أسود وكان يجري عليه رغيفين في كل يوم لا ادام فكانا لا يكفيانه، وقد شكا أمره إلى أحد أصدقاء الشاعر ورجاه يزيد له الجراية فجعل الرغيفين ثلاثة ولكن أبا العتاهية أجاب متحما بقوله: من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير وكل من أعطى نفسه شهوتها هلك. ثم مات الخادم بعد ذلك فكفنه في إزار وفراش له خلق، فقال له صديقه بعد أن رأى ذلك: سبحان الله، خادم قديم الحرفة طويل الخدمة واجب الحق تكفنه في خلق وإنما يكفيك له كفن بدينار؟ فقال أبو العتاهية: إنه يصير إلى البلى والحي ألولى بالجديد من الميت. فأجاب السائل الصديق بقوله: يرحمك الله يا أبا اسحق فلقد عودته الاقتصاد حيا وميتا.
وإن في هذه القصة لدليلا على حرص أبي العتاهية السيئ وصغر نفسه وعقله كما فيها ما ينبئ عن حنق الصديق المشفق الرحيم وثورته الساخرة على هذا الشاعر الغني الذي يعبد المال ويصطنع الزهد.
وفي هذا القول أيضا دليل على أن الزهد ليس أصيلا في نفس الرجل لأنه يقوم به من أجل الإعلان عن نفسه فهو باب في الشعر غير مطروق، وهو بهذا النوع من الشعر لا ينافس أحدا ولا يعاكس إنسانا، وعدم الأصالة في الزهد قد أخرج عنه شعرا غير أصيل بالطبع، فالرجل يسرع في النظم لسهولة القول الموزون بالنسبة إليه، والرجل لا يقٍرأ ولا يطيل التفكير فشعره خلو من هذه النواحي كلها، وهو صانع جرار وخزف فشعره يبدو كأنه قد يتأثر بهذه  الصنعة التي عودته على السرعة فكان نظمه أشبه بهذا الخزف السخيف، ولقد قال الأصمعي: ان شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يلقي فيها الخزف والجوهر، ولكن الأصمعي قد قصد بلا شك إلى الخزف ولم يذكر الجوهر في شعر أبي العتاهية إلا من باب الشفقة والمداراة.
وبعد هذا أرجو أن تستمع إلى هذه الأبيات في الزهد لتقدر قيمة هذا الشاعر ولتلتقي وإياه في صعيد واحد:
ألا إنما الدنيا متاع غرور
      ودار صعود مرة وحدور
كأني بيوم ما أخذت تأهبا
      له في رواحي عاجلا وبكوري
كفى غير ان الحوادث لم تزل
      تصير أهل الملك أهل قبور
خليلي كم من ميت قد حضرته
      ولكنني لم أنتفع بحضوري
وليت شعري ما عسى أن ستفيد أو ينتفع من يحضر الموت، وما يقصد الشاعر من هذا السؤال الغريب سوى أن يشغل بال القارئ بما لا أهمية له.
واسمع له أيضا:
      كل حياة فلها مدة
وكل شيء فله ءاخر
      سبحان من ألهمني حمده
ومن هو الأول والآخر
      ومن هو الدائم في ملكه
ومن هو الباطن والظاهر
يا قاطع الدهر بلذاته
      ليس له ناه ولا آمر
أتاك يا مغرور سهم الردى
      والموت في سطوته قاهر
أفأنت مسرور بهذا الشعر أم أنت متعظ به؟ وما أظنك كذلك، وما أخالك إلا ساخرا من هذا الشاعر الذي يتحدث إليك عن الزهد بلغة الأخبار المحلية التي نقرأها في هذه الأيام في الصحف السيارة.
إن الزهد باب من الشعر متصل بالفلسفة العميقة والخوف الأصيل من مفارقة الحياة وعندي أنه ينشأ عن عدم الاقتدار على استغلال الحياة إلى أبعد حدود الاستغلال وأسمع هذه الأبيات مثلا لأبي نواس وأنظر أي أثر تتركه في نفسك:
وعظتك أجداث صمت
      ونعتك أزمنة خفت
وتكلمت عن أوجه تبلى
      وعن صور ثبت
وأرتك قبرك في القبور
      وأنت حي لم تمت
ياذا المنى، ياذا المنى
      عش ما بدا لك ثم مت
فانظر إلى الأجداث الصمت والأزمنة الخفت والصور الثبت وكيف ترى قبرك بين القبور وأنت ما تزال حيا. إنها لأفكار وفطن شعرية تقربك من الموت وتضع يدك عليه حتى لتستشعر الحزن والخوف في وقت معا. واسمع قول المتنبي:
ابني أبينا نحن أهل منازل
      أبدا غراب البين فيها ينعق
نبكي على الدنيا وما من معشر
      جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا
أين الأكاسرة الجبابرة الأولى
      كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشه
      حتى ثوى فحواه لحد ضيق
انه الفكر يتكلم والعقل يتحدث إليك حديث المعتقد الذي يجعلك تعتقد معه بتفاهة هذه الحياة وهوان هذه الدنيا لا كأبي العتاهية الذي يريد أن يتحدث عن الحكمة فيأتيك بهذه القائمة التي تشبه قائمة الطعام في مطعم تأكل لديه بالدين فيقول:
من سالم الناس سلم
      من شاتم الناس شتم
من ظالم الناس أسا
      من رحم الناس رحم
من طلب الفضل إلى
      غير ذوي الفضل حرم
من حفظ العهد وفى
      من أحسن السمع فهم
من صدق الله علا
      من طلب العلم علم
وألفت نظرك إلى هذه الحكمة التافهة في قوله:
من أحسن السمع فهم أو قوله من طلب العلم علم أما أبياته المفردة الجميلة التي أشرت إليها ءانفا فهي كقوله:
بين عيني كل حي
      علم الموت يلوح
أو قوله في أرجوزته الشهيرة:
      ان الشباب والفراغ والجده
مفسدة للمرء أي مفسده
      يفنيك من كل قبيح تركه
يرتهن الرأي الأصيل شكه
      إلى أن يقول بيته الشهير:
ان الشباب زمن التصابي
      روائح الجنة في الشباب
والفتك إلى هذا الشطر الرائع في قوله «روائح الجنة في الشباب» فهو يغني عن الكثير من الشعر ولعله يحسن موقع هذا الشاعر لديك.
وبعد فإن هنالك عددا من الشعراء الذين اصطلح الناس على أنهم من الشعراء الكبار لأن القدامى قد اتفقوا على ذلك لأمور تتعلق بعصر الشاعر وملابساته وأوضاعه، وقد بقيت هذه الاتفاقيات مرعية الإجراء كما يقال رسميا، وهذا ما ينبغي لنا أن نبدي رأينا فيه فننصح أوضاع هؤلاء الشعراء أو نضع لهم تصنيفا جديدا يتناسب مع أقدارهم الشعرية وإلا فكيف يمكن أن يكون أبو العتاهية شاعرا كبيرا في حين أن مسلم ابن الوليد وابن حجاج وكشاجم وابن لنكك والابيوردي يكاد ينساهم الناس؟
أما مولد الشاعر ففي سنة 130 مائة وثلاثين للهجرة وكانت وفاته سنة عشر ومائتين فهو قد عاش ثمانين عاما ونيفا واسمه الحقيقي أبو اسحق اسماعيل ابن القاسم بن سويد بن كيسان العنزي، فهو عربي الأصل وسمي بأبي العتاهية لحبه الشهرة والمجون والتعته، وقد يقال للرجل المتحذلق متعته، وكان نظيفا أبيض اللون أسود الشعر وفيه لباقة وحصافة وكان يصنع الجرار ويعيش من هذه الصناعة، وكان يدعو نفسه بجرار القوافي بالنسبة لصنعة الجرار وصنعة الشعر..
هذا هو أبو العتاهية الشاعر، المستفيض الشهرة، وهذا خبره فاقرأ عنه في غير هذا المكان إذا أردت، فلعله تحدث لك فيه رأيا جديدا، وما أظنك تخرج منه إلا برأي بما قدمته لك أو هو قريب منه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here