islamaumaroc

حاجتنا إلى انسجام ثقافي

  الطاهر زنيبر

2 العدد

خرج المغرب من عهد الحماية إلى عهد الاستقلال وانتهى الكفاح الطويل المرير الذي خاضه المغاربة ضد الاستعمار والمستعمرين ليخوضوا معركة أخرى تستوجب نفسا طويلا وسواعد قوية وعقولا راجحة هي معركة البناء والإنشاء.

ومما لا شك فيه ولا مراء أن النخبة الصالحة في البلاد التي وصلت إلى درجة من الوعي تجعلها تقدر الأشياء حق قدرها وتزن الأمور بميزان التمحيص والمنطق تدرك إدراكا تاما أننا ما زلنا نرتطم بمشاكل عديدة في جميع ميادين حياتنا، فليس هناك من يمكن أن يدعى أننا لسنا في حاجة إلى إنشاء اقتصادنا على أسس متينة جديدة أو أننا وصلنا إلى درجة مرموقة من الناحية الاجتماعية أو الخلقية أو أن دخلنا الوطني صار كافيا لرفع مستوى الحياة في البلاد والترفيه عن المواطنين.

فإلى أي ميدان اتجهنا نجد أننا ما زلنا في أول الطريق وأن علينا أن نعبد هذه الطريق ونذلل ما يعترضنا فيها من عقبات ونختار لأنفسنا المناهج والوسائل التي تضن لنا النجاح سالكين في ذلك ما يمليه علينا الضمير والمنطق ومستفيدين من تجارب غيرنا من الأمم التي سبقتنا إلى الحضارة.

ومما لا شك فيه أن أول وسيلة من وسائل ما نحن مقدمون عليه من أعمال في العهد الجديد للوصول إلى الأهداف التي نتوخاها هي الثقافة، ولسنا في حاجة إلى الاستدلال على أن الثقافة في العصر الحاضر هي العصا السحرية التي يستعملها الإنسان لحل كل ما يعترضه من مشاكل، فهي التي تسخر له الطبيعة وتعطيه الطاقة والقوة وتسهل عليه تنظيم المجتمع الذي يعيش فيه، فبالعلم والثقافة فتح ما كان مغلقا من أسرار الكون وتدفقت الخيرات والأرزاق في المعمور وتيسرت المواصلات في شتى أشكالها وأنواعها واستخرجت الكنوز الكامنة في باطن الأرض وارتفع الإنتاج الصناعي والاقتصادي والفلاحي وتطورت أساليب الحكم والإدارة والقضاء وتحسنت أذواق الناس في معاملاتهم ومأكلهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم وأرهفت إحساساتهم ومشاعرهم وسمت الفنون الجميلة، ولم تبق وقفا على طبقة بل صارت ملكا مشاعا في المجتمع للترفيه عن النفس وإعدادها لما ينتظرها من أعمال.

فإذا كانت الثقافة بهذه المثابة بالنسبة إلى الإنسان في العصر الحاضر فلسنا في حاجة لمن يقنعنا بضرورة استعمال كل مجهوداتنا لتيسيرها لشبابنا الذي نريد أن نعده لجلائل الأعمال، إلا أن بلادنا بحكم الظروف التي أحاطت بها في العهود البعيدة والقريبة وجدت نفسها الآن أمام مشكلة تعدد أنواع الثقافات، هذه المشكلة التي تستوجب لحلها على الوجه اللائق الناجع كل ما رزقنا من تبصر وذكاء وصفاء ضمير، لأن هذه المشكاة ليست شكلية أو موضوعية أو منطقية، بل هي أعمق وأوسع من ذلك إذ أراها بالنسبة للمثقفين تكون عقدة نفسية مستعصية ومركبا يرتطم به كل من يمت إلى الثقافة بصلة، وهذا أمر معقول إذا أدركنا أن ثقافتنا التقليدية بقيت طيلة عهد الحماية متحجرة منكمشة على نفسها متصفة بصبغتها (المدرسية)، كما أراد لها ذلك المستعمرون الذين عملوا المستحيل لإخفات صوت الثقافة العربية في البلاد. وإننا مع اعترافنا وتقديرنا لعلمائنا الأجلاء الذين حافظوا على التراث الإسلامي العربي لا يسعنا إلا أن نؤكد أن هذه الثقافة التقليدية في حاجة إلى التطور والتجديد حتى لا تبقى ثقافة خاصة لطبقة خاصة، فلابد أن نحقنها دما جديدا زكيا يجعل كل من يحملها بين جنبيه لا يشعر بأي مركب بالنسبة لغيره من المثقفين.

وإذا سلمنا  بأن الثقافة ليست غاية في حد ذاتها بل هي وسيلة لتيسير الملكة وتكوين العقل وترتيب المعلومات والأفكار وجعل المرء لا يجد نفسه غريبا بين أية طبقة من المثقفين في العالم تبين لنا أن ثقافتنا التقليدية لا تفي بكل هذه الأغراض في وضعها الحاضر، وإني لست من الذين ينقصون من قدر هذه الثقافة التقليدية فإنني أبقى مشدوها أمام مصنفاتها ومتونها وغزارة موادها واستقصائها للكليات والجزئيات، ولكنني أنظر إليها كمجموعة من العلوم والفنون ينبغي أن تدرس في مرحلة التخصص بعد أن يكون الطالب حصل على الثقافة العامة التي تلقاها في المدارس الابتدائية والثانوية كبقية زملائه وأقرانه، وذلك على ما يلوح لي هو أنجع دواء نفساني لعلاج العقدة النفسية التي يتضرر منها طلبة المعاهد التقليدية وإدخالهم لإطارهم الطبيعي كغيرهم من الطلبة الذين هم بأجمعهم أمل الغد وبسمة المستقبل.

ومما لا شك فيه أن إدخال هذه الفكرة إلى حيز التطبيق يحتاج إلى مجهودات عظيمة مادية ومعنوية، ولكن هذه المجهودات يجب أن نسرع إلى القيام بها إذا كنا نحرص على وجود انسجام بين المثقفين في بلادنا وإذا كنا لا نريد أن نرى هوة سحيقة تفصل بين هؤلاء المثقفين فتختلف عليهم السبل ويتنكرون لبعضهم فتضيع بذلك الطبقة الثقافية التي نحن في أشد الحاجة إليها وتصبح طبقة من الأمة تؤمن بهذا النوع من الثقافة وطبقة أخرى تؤمن بالنوع الآخر.

ولا أريد هنا أن أدخل في تفصيل البرامج والمناهج فذلك أمر يحتاج إلى دراسات متنوعة وكفاءات متعددة، ولكنه يظهر أننا سنكون مضطرين في المستقبل القريب إلى إعادة النظر في هذه البرامج والمناهج على أساس جديد يرمي إلى وضع سياسة تربوية ترتكز على توحيد التعليم في مرحلتيه الابتدائية والثانوية وإنشاء كليات للتعليم العالي للتخصص في مختلف العلوم والفنون وفي ضمنها - وفي مكانة مرموقة - الكليات والمعاهد الإسلامية للتخصص في التشريع الإسلامي والثقافة العربية بوجه عام، وبهذه الوسيلة وحدها يمكن أن نعمل على توحيد التعليم في بلادنا وإزالة الأشواك والعقبات أمام المثقفين وخلق جو صالح لانبثاق العزائم والقرائح والمواهب. فالوقت الآن وقت سرعة فلا يجمل بنا أن نضيع منه ولو النزر اليسير في المفاضلات بين القديم والحديث، وقد خاض غيرنا هذه المعركة منذ عهود بعيدة ولكن قادة الفكر في أنحاء المعمور اقتنعوا الآن بأن عصرنا عصر تخصص وأن الثقافة لينتفع منها الفرد والجماعة يجب أن ترتكز على التخصص وأن إطارات الدول لا تكون إلا من الاختصاصيين الذين - زيادة على الثقافة العامة التي يحصلون عليها - يلجون أبواب الكليات والمعاهد والمدارس العليا للتعمق في علم من العلوم أو فن من الفنون يصبحون فيه اختصاصيين، فعسى أن ندرك هذه الحقيقة ونهيئ الوسائل لتحقيقها، ففي ذلك ما يكفل لأمتنا الارتقاء إلى أعلى الدرجات واحتلال مكانة مرموقة في العالم المتحضر، وما ذلك على قادة الفكر في بلادنا بعزيز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here