islamaumaroc

الشنفرى صاحب لامية العرب

  دعوة الحق

العددان 133 و134

في الأدب العربي القديم كنوز مغمورة انطوت على شتى الأغراض من نوازع العاطفة والتفكير وسلامة التعبير، ودقة الوصف، ومتانة التركيب، وحسن الأداء، لكونه جاء طبيعيا جادت به قرائح شعراء عاشوا في محيط فطري بعيد عن بريق التكلف والتنميق المبتدع.. ولولا هذه الميزة التي اكتسى بها، لما كان متداولا على مرور الحقب والأجيال منذ ساحث العصور ولما كنا نتمثل ونردد قصائد فاضت بها شاعرية أعراب تفصلنا عنهم خمسة عشر قرنا أو يزيد.. ونجد في مبناها ومعناها ما لا يقدر على ابتداعه الكثير من أدباء العصر الحاضر.!
ولعل هذا ما دعا الدكتور «طه حسين» أن يجعل الأدب العربي في الصف الثاني بعد الأدب اليوناني في بحثه الممتع تحت عنوان «الأدب العربي بين الآداب العالمية الكبرى»، ذلك البحث القيم الذي نشره في كتابه «من أحاديث الشعر والنثر»
ولو لم يكن هنالك فخر للأدب العربي القديم غير تهافت عدد كبير من المستشرقين من مختلف الملل والنحل على الانكباب في درسه واستقصائه، لكان ذلك كفيا عن مزيد من الإطناب في هذا الموضوع.
ولقد دعاني إلى هذا الاستطراد ما أشاهده من إعراض الكثير، وخصوصا شبابنا المتنور عن دراسة الأدب العربي القديم، بدعوى أنه يشتمل على تعابير بالية، وألفاظ وحشية، ويحتوي على أوصاف بديهية وأغراض لم تعد صالحة لتحشد بها أذهان أبناء الجيل الحاضر.
فهذا زعم ن إطلاق القول على عواهله مع الاكتفاء بالعرض عن الجوهر... وان فطاحل أدباء العصر الحاضر من أمثال العقاد، وطه حسين، وأحمد أمين، وأحمد حسن الزيات، وزكي مبارك، والستاني، وتوفيق الحكيم... واضرابهم من أدباء الشرق ما كان في وسعهم أن يبلغوا ما بلغوه من بعد الصيت، وقوة الاطلاع والإدراك، والتربع على عرش الثقافة العربية المتينة البنيان.. لولا انكبابهم على التعمق في أسرار الأدب القديم والتعمق في استكناه أسرار أمهات الكتب في هذا المضمار، والاجتهاد في تنسيق الروايات المختلفة عن أيام العرب ومقاصد شعرائها الأمجاد.
وعلاوة على ذلك، فلا يخفى ما لتراث الماضي من أهمية عظمى عند سائر الامم والشعوب.. وهكذا نرى حتى بعض الأمم التي شقت لنفسها طريقا نحو التقدم والازدهار، ما فتئت تسعى لتخلق بها ماض مجيدا، إذا صح التعبير، ليلا تكتفي بالفروع دون الأصل.
وقد وقع الاختيار في هذه الدراسة، قارئي العزيز، على قصيدة «لامية العرب» التي تعتبر من أقدم ما قيل في الشعر العربي القديم...
وبالنظر لأهميتها فقد تداولها بالشرح كثير من ائمة الأدب في العصر القديم، كما ترجمها كثير من المستشرقين إلى مختلف اللغات الأوربية..
ومن الدلالة على أهميتها ما ذكره محمد بن يحيى بن كرم الواسطي وهو أول شارح لها بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «علموا أولادكم لامية العرب، فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق».
ان صاحب قصيدة لامية العرب وقائلها هو الشنفرى الذي عاش في القرن السادس المسيحي، واسمه الحقيقي، ثابت بن أوس الأزدي من أهل اليمن ويكاد يجمع الرواة وكاتبوا التراجم على أن هذا الشاعر لقب بالشنفرى لعظم شفتيه أو لحدته – على أن عبد القادر البغدادي صاحب «خزانة الأدب» قد ذكر في الجزء الثاني من هذا الكتاب بأن هذا الزعم لا يستند على أساس، وسلم بأن الشنفري شاعر جاهلي قحطاني من الازد، ولكنه لم يسلم يكون «الشنفرى» لقبا له، ومعناه عظيم الشفة، وأن اسمه ثابت بن جابر، وهذا غلط».
وقد كان معاصرا لجماعة من الشعراء يعرفون في تاريخ الأدب العربي بجمهرة الشعراء الصعاليك ومنهم:تأبط شرا.. والسليك بن السلكة.. وعمرو ابن البراق واسيد بن جابر.. وقد اشتهروا بخفة العدو، حتى ليقال بأن الخيل لم تكن تدركهم – على أن الرواة يذكرون بأن شاعرنا كان يفوقهم حتى ضرب به المثل فقيل: «أعدى من الشنفرى»
وكانت هذه الجماعة تعيش من السلب والنهب والغارات ليلا والتلصص بخفة ورشاقة.. فيروعون النساء والأطفال،  ويبلبلون عقول الرجال، ثم يختفون إذا خافوا أن تدركهم الخيل في الأودية الوعرة والجبال، والأدغال الموحشة وإلى هذه الغارات يشير الشنفرى في لاميته حيث يقول:
وليلة نحس يصطلي القوس ربها
      وأقطعه الاتي بها يتنبل
دعست على غطش وغش وصحبتي
         سعار وأرزيز ووجر وأفكل
فأيمت نسوانا وأيتمت ولدة
      وعدت كما أبدأت والليل أليل
فأصبح عني بالغميصاء جالسا
      فريقان: مسؤول وءاخر يسأل
فقالوا لقد هرت بليل طلابنا
      فقلنا اذئب عس أم عس فرعل
فلم تك إلا نبأة ثم هومت
      فقلنا قطاة ريع أو ريع أجدل؟
فإن يك من جن لابرح طارقا
      وان يك أنسا ماكها الإنس تفعل
هذا، وقد روى الرواة عن الشنفرى ورفاقه كثيرا من أخبار الغارات تمتزج فيها الحقيقة بالخيال ويختلط التاريخ بالأسطورة.
يقول البعض عن الشنفرى أنه نشأ في قومه الأزد، ثم أغاظوه فهجرهم.
وقال ءاخرون: ان بني سلامان أسروه صغيرا فنشأ فيهم يطلب النجاة، حتى هرب فانتقم منهم..
وقال غيرهم: بل ولد في بني سلامان فنشأن بينهم وهو لا يعلم أنه من غيرهم، حتى قال يوما لابنة مولاه: «اغسلي رأسي أخته» فغاظها أن يدعوها بأخته فلطمته... فسأل الشنفرى عن سبب ذلك، فأخبر بالحقيقة.. فأضمر الشر لهؤلاء القوم، وحلف أن يقتل منهم مائة رجل لقاء استعبادهم له!
فكان يترصد الواحد منهم حتى يمر أمامه فيصوب سهمه ويقول: «لطرفك!» ثم يرميه، فيصيب عينه، حتى قتل منهم تسعة وتسعين.
وهنا تصبح الرواية وافية التأثيرـ فيحتال بنو سلامان على الشنفرى فيقبضون عليه بمساعدة أسيد بن جابر.. أحد العدائين. وكان الشنفرى نزل في مضيق ليشرب فوقف له أسيد بن جابر على بابه وأمسكه. ثم يقتله بنو سالمان ويطرحون رأسه إهانة له.. فيمر رجل منهم بجمجمته فيضربها برجله فتدخل بها شظية من الجمجمة فيموت... فيرتاح المطالع إلى أن الشنفرى بر في قوله وتمت القتلى مائة!
وللشنفرى أشعار متفرقة غير «لامية العرب» في مجلدات الأغاني.. وخزانة الأدب.. والمفضليات.. والحماسة، وكلها في وصف غاراته، وبطشه بمناوئيه.. على أن أشهرها اللامية الآنفة الذكر.
ويعتبر هذا الشاعر مثالا صادقا للشاعر الفطري القديم، لكونه كان وليد القفار، أليف الغابات، عشير الضواري... فأتى شعره صورة لحياته: خشن الفكر، خشن الصورة، خشن التعبير.. على أنه صادق فيما يقول.. محق في ما يصور.. فنان عن غير علم في ما ينقل من حوادث حياته يغير الليلة الحالكة الظلام، على قوم مطمئنين، فينهب، ويعود مسرعا رابحا.. فيهيج بخاطره الشعر فيصور فتكه بسرعة تعادل سرعة بطشه!
وهو ككل شاعر فطري، لا يتراجع أمام الكلام الوضعي، والصورة الحقيقية ولو اشمأززنا منها اليوم.. فإذا وصف شعره وأوساخه قال:
وضاف إذا هبت له الريح طيرت
      لبالد عن أعطاف ما ترجل
يعيد بمس الدهن والفلي عهده
      له عبس عاف من الغسل محول
ولهذا يعتبره البعض من كبار المغالين في تمثيل الحقيقة ومطابقة الوصف للطبيعة.. وممن يعرفون في اصطلاح الأدب المعاصر بالواقعيين.
وبالجملة، فإن النتيجة التي استخلصناها من هذه الدراسة الثقافية القيمة هي أن الشنفرى، صاحب «لامية العرب» المشهورة، يمثل لنا الشاعر البدوي في أول عهده، لم تمسه من العمران فائدة لم تصقله من المدنية ءاداب.

قال المبرد:
إذا وضع الرجل كتابا، أو قال شعرا استهدف، فإن أحسن استشرق، وإن أساء استقذف...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here