islamaumaroc

كتب الشهر [أربعة كتب في النحو واللغة]، لإبراهيم مصطفى وسعيد الأفغاني ومازن المبارك وحبيب مطلق]

  دعوة الحق

العددان 133 و134

هي أربعة كتب دفعت إلى قراءتها، هذا الشهر، بدافع العمل الذي كان قد أنيط بي، وبحكم المهنة التي أزاولها..:
كتاب أحياء النحو، وكتاب «من تاريخ النحو» وكتاب النحو العربي وكتاب الحركة اللغوية في الأندلس.
أما الكتاب الأول فهو لأستاذي الذي أدين له بكثير من الفضل وأعتبره أعظم أستاذ للنحو في مصر، بل في العالم بأسره، لعصره وحتى الآن، الاستاذ إبراهيم مصطفى، رحمه الله رحمة واسعة.
لقد درست عليه النحو، بكلية الآداب، من جامعة فؤاد الاول، فتلقيت عنه أشياء لم أتلقها من غيره، وسلكت بهديه منهجا لم يسبق لي أن سلكته، وماأشد ما كان البون شاسعا، حينما عهد لمعيده آنذاك، أحد الدكاترة العظامن بأن يدرس لنا «نحو المتنبي»، فكان نحو المتنبي هذا شيئا معروفا لنا في الألفية، رحم الله صاحبها، وأطال عمر الدكتور وجزاه خيرا.
لقد كان الأستاذ إبراهيم مصطفى يتحلى بما يتحلى به العالم الحق، من إخلاص للعلم ولين للجانب ونشدان لضالة العلم أينما كانت وحيث وجدت، فهذه بحوث للطلبة، يحملونها إلى بيته، فيستقبلهم بترحاب، ولا يكتفي يتسلمها منهم، بل يدعوهم للمجالسة العلمية، فيبحث موضوعهم معهم، وينقشهم فيه، وينشد من وراء ذلك «ضالة» من ضواله، وما أكثر هذه الضوال الشوارد له؟ ويدعى إلى بغداد لتدريس العربية بجامعته، وحين يعود أجتمع به، وأهنئه بسلامة العودة، فيقول لي: اني أريد أن أذهب إلى بلادكم فأجيبه بما يجاب به عادة «تشرفنا يا بيه»... فيقول لي: «ليست المسألة مسألة تشريف، بل المسألة مسألة تعلم...» فتخجلني هذه الكلمة من ذلك الأستاذ العظيم وتحيرني في فهمها، ولكنه يزيل هذا الخجل وهذه الحيرة، حيث يبين لي أنه يستعين بهذه الرحلات إلى البلاد العربية، على فهم الاستعمالات العربية المختلفة فيها، وتنير له بعض الغوامض من مسائل النحو الذي عني به..
هن ذكرات عن الأستاذ، عزيزات على النفس، حميدات لصاحبها عطرات... نور الله ضريحه وأكرم مثواه، وخلد في الصالحات مسعاه.
وبعد فإن كتاب «احياء النحو» على صغر حجمه، يعد ومضة من ومضات النحو، التي خبت مثيلاتها، منذ أمد بعيد، وثورة من الثورات على أوضاعه البالية، ومسائله التي «احترقت» كما يقول اليوطي، وحق ما يقول، ولئن كان ابن مضاء رحمه الله قد رفع، منذ ثمان سنوات، راية الثورة، هذه الا ان رفعه لها، كان إيذانا بها أكثر من كونه تحقيقا لأهدافها، وعلى كل حال، فالفضل الأول يرجع لهذه الثورة التي اندلعت في المغرب، بفضل الموحدين المجددين، على الأوضاع عامة، ومناهج العلوم ورجالها خاصة، فكان منها ثورة ابن مضاء على النحاة، في رده عليهم...
وقد استعان أستاذنا رحمه الله، في إحيائه للنحو، بالمنهج البلاغي، في علم المعاني، واستعان خاصة، بآراء عبد القادر الجرجاني في التركيز المعنوي، وحاول أن يتخلص من ربقة العامل التي خنقت بعض مسائل النحو أو أدت مواليده التي كان يرجى منها الخير العميم، وأراد أن يبسط الأعراب في الأسماء خاصة تبسيطا يجعله في متناول المستريج، فأخرج من محيطه الفتحة، وجعلها من الضمة والكسرة كالصفر في العدد «علامة الخلاء» كما يقول صاحب «المنية» وهي في الواقع منه وثبة من الوثبات التي تحتاج إلى طول عناء لفهمها كما تطلبت من صاحبها طول عناء للقيام بها. وكثيرا ما يستعمل الأستاذ علمية الإحصاء لتثبيت قاعدة اقتعدها أو رأى ارتآه، فيكون في ذلك مستعملا للمنهج الاستقرائي، الذي عرفه المنطق الصوري، واعتمد عليه، كل الاعتماد، المنطق المادي، ولكن هذا الاستقراء في بعض الأحيان، قد يكون من باب الاستيناس، لا من باب التقرير النهائي، وبذلك لا تكون سورة الفاتحة مثلا أو غيرها مما يثير لنا السبيل في استعمال ما أكثر من استعمال آخر.
هذا ولسنا نعرض ما في الكتاب من نواح طريفة، نريد أن ننوه بها، أو نفصل من قضاياها وجزئياتها، فالكتاب الذي تطلب من صاحبه، على صغر حجمه، سبع سنوات من العكوف، نسي فيه الأهل والولد، يتطلب منا ومن غيرنا أضعاف هذه السنوات من الإطلاع على أمهات الكتب والقراءات، وكل ما نأخذه عليه، بل على طبيعته، هو التصحيف الذي وقع بصفة خاصة في الآى القرءانية، فقد وردت الآية «ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا» في صفحة 13 ... يرمي ... بإثبات الياء.
وشكل الكاف في «مالك يوم الدين» على تقدير النداء، بالكسر، بدل الفتح، في صفحة 14.
ووردت في الآية«فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان» في صفحة 122... عليهما، بدل عليهم، سوى هذا فقد سقط في الصفحة 108 شرط «حيث الميم منه بانا» ونحوه، مما يجب أن يقيد به «الفم» وهو من الأسماء الخاصة، كما فعل ابن مالك بالحيث السابق الذكر.
كما سقط في الصفحة التالية، هذه الجملة المعطوفة «أو يضاف لياء المتكلم»، عند ذكره لتلك الأسماء وهي معربة بالحركات حيث ذكر هذا الأعراب عند ما عرف بال، ولم يذكر ما ذكره ابن مالك بقوله «وشرط ذا الاعراب أن يضفن لا لليا».
هذه لمحة خاطفة على الكتاب، وهو حقيق بتلك الصفة، التي جعلها صاحبه، لكتاب سيبويه، فقال لنا رحمه الله: «حينما أقرأ الكتاب فإنه يترك  في رأسي دويا عظيما» وكذلك نقول في كتابه الصغير الحجم «احياء النحو» فإنه يترك بقراءته فينا دويا، لا دوي ابي الطيب المتنبي...
والكتاب الثاني لصديقي الأستاذ سعيد الأفغاني، فقد أهداه إلي، ضمن مجموعة من الكتب القيمة، التي جادت بها قريحته، والأستاذ سعيد الأفغاني، غني عن التعريف، فهو أستاذ الجيل من مثقفي سوريا ثم لبنان العرب، حفظه الله ومتع بعلمه وبحثه.
لم يرد الأستاذ أن يدعي بكتابه، إنه استوعب تاريخ النحو وأدواره، بل جعله بعض هذه الدراسة الحافلة ولهذا صدره بمن التبعيضية، على عادته من تواضع العلماء.
ومع أنه استرسل فيه استرسال البحاث، فقد أحاطه بمنهج الدراسة، فكان «وفق منهج شهادة فقه اللغة في الجامعة اللبنانية».
ومما استفدناه من هذا الكتاب، تنبيهه على قضية كانت مسلمة أو كالمسلمة بها، وهي أن القياس لمدرسة البصرة والسماع الحفظ لمدرسة الكوفة، فهو أولا لم يسلم بأن الكوفة كانت مدرسة بالمعنى الصحيح، وبإزاء مدرسة البصرة العتيدةـ ثم إن القياس، يتجلى على صورة أوسع في الكوفة من كونه قياس علمي متثبت منظم، بينما قياس الكوفة قياس حاطب ليل متهور مبعثر، ثم انه ليس هناك فواصل حاسمة بين رجال المدرستين، عند ظهور رجالهما.. وان الخلود لم يكتب إلا للبهرنة هذه المعالم العالة للمدرستين، ان سلم بوجودهما معا، وان كانت الكوفة في بعض الأحيان تصيب ولا تصيب البصرة.
وفيما عدا المدينتين، فليس هناك في الأندلس أو بغداد مدرسة ثالثة، كما قيل، فكلتاهما جمعت بين الآراء وحاولت ان توفق في  بعض الأحيان، ونادرا ما بدت ببعض الآراء، التي لا تكفي ان تجعلها مدرسة تقوم بنفسها، فتعد مدرسة ثالثة أو رابعة.
هذه نظرة على الكتاب بإجمال، ولا نلاحظ عليه إلا بعض الهفوات القليلة وأغلبها آت من الطباعة، كما  نظن مثل ما وقع في الصفحة 12 من سقط «ومساكن ترضونها» من الآية الكريمة «قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها (ومساكن ترضونها) أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره»، ومثل ما وقع في الصفحة 68 من تكرار نحو أربعة أسطر.
وسوى هذه فقد ذكر المؤلف في صفحة 20 الفارابي اللغوي بكنية «أبي نصر» مع أن هذه للفيلسوف، أما اللغوي فكنيته أبو إبراهيم، وهو خال الجواهري، وكذلك وقع في صفحة 97 حيث ذكر ابن مالك من المهاجرين بعد النكبة، فأي نكبة يعني؟؟ أهي نكبة الصعاب أم نكبة الجلاء؟ إن كانت الأولى فصحيحة وإلا فإن الاخيرة حدثت بعد ابن مالك كما يزيد على مائتي سنة...
بعد هذا يأتي كتاب «النحو العربي» للدكتور مازن مبارك.
وهو كتاب تناول فيه صاحبه دراسة «نشأة النحو أو تاريخ العلة النحوية» أي مسألة العامل الذي تركزت حوله قضايا النحو، وخصوصا في مدرسة البصرة، مدرسة النحو الحقيقية في جميع أطوار حياته وأقطار دراساته.
وهذا الكتاب ميزته الأولى ميزة منهجية، فلقد  جعل الكاتب دراسته هذه في بابين، مهد لهما بمقدمة وختمهما بخاتمة، وقسم الباب الأول الذي اختص بالنحو العربي في نشأته الأولى، إلى مراحل ستة، ابتدأت الأولى بأبي الأسود، والأخيرة بسيبويه وكتابه، وهذا الباب، إذا نظرنا إليه فإننا نجده، يفتح على مصراعيه لاستقبال ما يفضي إليه.
الباب الثاني، الذي تناول فيه العلة النحوية منذ نشأتها وتطورها حتى القرن العاشر للهجرة.
فهذا الباب الثاني هو صلب الكتاب أو جوهره الحقيقي «العلة النحوية: نشأتها وتطورها»
والدكتور مازن على ما يبدو، ليس من أولئك الذين يضيقون بهذا النحو، فيريدون أن يبسطوه، ويفرغوا في ذلك جهودهم، بل هو من الذين يعترفون بالمنطق الذي يسود قضاياه وفصوله، ويدعو إلى الجدية في دراستها، جدية تبعد عنا فسولة الناشئين المدللين.
وكأنه بذلك، لا يقول بما يسعى إليه أستاذنا ابراهيم مصطفى، في محاولته الحريئة، ولا يصيخ إلى هؤلاء الذين ينحون على النحو والنحاة، بداعي الكسل والتفكير الرخو، ثم إنه بعد تناوله لكتاب الرد على النحاة، لابن مضاء، ينعطف على ما قاله أستاذنا الدكتور طه حسين في حقه، من كونه هادما وليس بناء بالاعتراض، يحكم على كتاب ابن مضاء، بحكم يخالف تماما ما جعله لكتاب «احياء النحو» للأستاذ ابراهيم مصطفيـ والكتابان معا لا يختلفان في دعوتهما ولا فيما أقاما للناس من معالم، فإن كان احدهما وجرد هادم فإن الآخر يكون بتلك الصفة تماما، وإن كان أحدهما مجددا في دعوته وحييا للنحو، فإن الآخر يكون كذلك بتلك الصفة من التجديد والاحياء، ولا فرق بينهما البتة.
ولنا في الكتاب وقفات جزئية، منها أنه بعد ما ساق رأي ابن فارس في كون العرب عرفوا العربية والعروض قديما وان أبا الأسود جدد العربية والخليل أحيا العروض، قال في صفحة 25: إذا كان المراد يقول معرفة عملية تطبيقية لا أثر فيها للقواعد النظرية، فذلك أمر معقول... إلخ.
وهذا الاحتمال الأخير لا يمكن أن يفهم من كلام ابن فارس في كتابه «الصحابي» الذي نص عليه المؤلف، فلم يبق إلا الاحتمال الأول، وهو أن العرب قديما عرفت النحو النظري... والعهدة على ابن فارس، رحمه الله.
وأخيرا نجده في صفحة 157 يقول: «اذ ألم يناد ابن مضاء بما ينادي به «احياء النحو» اليوم؟
ونحن نستغرب من الدكتور، وهو يتكلم عن النحو، ورود « اذ ألم» مع أن همزة الاستفهام لها من الصدارة ، ما يجعلها تأنق من  وقوعها في حيز المضاف إليه، وهو كالجزء مما قبله.
وهنا ننتهي إلى الكتاب الرابع والأخير، وهو كتاب «الحركة اللغوية في الأندلس» لمؤلفه البير حبيب مطلق اللبناني، على ما أظن.
وهذا الكتاب يختلف عن سابقيه الثلاثة، فهو يتناول الحركة اللغوية، كنشاط في نصوصها ومفرداتها، نشاطا لغويا بالمعنى الضيق الذي لا يحتمل في دائرته النحو وصاحبيه.
ثم إنه بعد هذا كتاب حافل بدراسته الممعنة المركزة في موضوعها منذ الفتح العربي إلى نهاية ملوك الطوائف وأول ما يشكر عليه المؤلف، عنايته بتصحيح كتابه، عند الطباعة، عناية، تجعلنا مطمئنين لقراءة الكتاب، اطمئنانا لا نظفر به في جل ما نتلقى عن الطباعة العربية، مع الأسف الشديد... وهذه بادرة طيبة، أعادت الثقة إلى نفوسها، وقلنا أن العربية كغيرها، بحمد الله وشكره.
لقد جعل المؤلف تصنيفه في ثلاث كتب: الأول في الحركة اللغوية، منذ نشأتها حتى أواخر القرن الثالث.
الثاني في الحركة اللغوية بالقرن الرابع الهجري
الثالث في الحركة اللغوية بالقرن الخامس.
وختم الأبواب الثلاثة بخاتمة، ذكر بها تذكيرا بعمله ومنهجه، ولا زائد فيها على ذلك.
ونعود إلى الأبواب أو الكتب، فنراه في الأول منها، يتناول حالة المجتمع واللغة في العهد القوطي، والأجناس المختلفة بعد الفتح، وحالة اللغة بينهما، ومهامها بين الأندلسيين، وعوامل العناية باللغة، ثم يعتقد في هذا الكتاب فصلا أولا، يجعله، في بواكير الحركة ونشوء طبقة المؤدبين، ويتعرض للرحلة العلمية بين الأندلس والمشرق، وهجرة الكتب إلى الأندلس، ثم اواخر القرن الثالث، وأشهر المدرسين والتلاميذ في هذا العهد، وهل كانوا خلصا من العناصر  العربية؟
وفي الكتاب الثاني، عقد فيه فصلا ثانيا تناول فيه عوامل النهضة اللغوية في القرن الرابع ومظاهرها بعواملها الجديدة، وما كان للحكم من جهود فيها ثم المنصور ابن أبي عامر، وما اعتور ذلك من عوامل أخرى تقليدية لعهده، ونشاط الرحلة إلى المشرق وقيام التأديب والتدريس على قدم وساق وظهور المتخصصين العظام في اللغة على حين تنعقد المناظرات بينهم في مسائلها وتتنوع حركة التأليف ويتسع نطاقها فيكون للأندلس ميدانه الخاص في الدراسات اللغوية.
وبعد هذا الفصل يعقد فصلا ثالثا، يتناول فيه ائمة اللغة وانتاجهم، كالزبيدي وابن القوطية من الأندلسين والقالي من الوافدين، ويذيل هذا الفصل بتقسيم للنشاط اللغوي وجعله في ثلاث مومجات، تمثلها شخصيات يوجز ترجمتها ونشاطها.
وينتهي إلى الكتاب الثالث والأخير،  فيعقد فصلا رابعا، يتناول فيه العوامل التي وجهت الحركة اللغوية في القرن الخامس ويصور الحالة السياسية الطارئة وما نجم عنها من عوامل جديدة، والخصب الذي تركه القالي في تلاميذه الذين انتشروا في مراكز عديدة كان يقوم عليها ملوك الطوائف، ثم ما كان من الاهتمام الزائد بتأسيس المكتبات العلمية والأدبية والتسامح الذي كان يسود الميدان العلمي الذي كان منطلقا للبحث في أصل اللغة والاشتقاق فيها ومحاولة بطلان العلل النحوية لها والتماس الصلة بين اللغة والشريعة من ناحية وصلتها بالواقع العملي من ناحية أخرى، إلى غير هذه من الصلات بعضها بالحياة وآخر بالعلوم المختلفة، ثم ما كان لهذه الحركة من عوامل تقليدية إلى جانب الأخرى الجديدة، وما كان يؤازرها من نشاط الرحلات إلى الشرق ومنه إلى الأندلس وحركات التدريس ورجاله الذين ذكر من شهر منهم.
ثم يعقد فصلا خامسا، يتناول فيه حركة التأليف ووجهاته العديدة، ويذكر بعض من يمثل هذه الوجهات، ويخص البكري بدراسة شاملة لشخصيته العلمية وآثاره المتنوعة، ثم يتفرغ لابن السيد البطليوسي ودراسته اللغوية المسجلة في تآليفه القيمة، فكان هذا مسك الختام  للكتاب كدراسة لتلك الحركة اللغوية.
أما الخاتمة التي ذكرها بعد، فكانت كما وصفنا، ولم يكن فيها من مزيد على تلك الدراسة الهامة.
وهذه ملاحظتنا بعد ذلك على الكتاب.
ففي الصفحة 48 يذكر أن الحكم المستنصر استأدب لبنيه عثمان بن سعيد المعروف بورش، والحكم هذا توفى عام 466 بينما كان ورش قد توفى عام 197 بمصر، فلعل المستأدب له الحكم بن هشام المتوفى عام 206، وإلا فهل هناك ورشان، أحدهما المعروف بميلاده ووفاته في مصر، والآخر الذي استأدبه المستنصر؟
وفي صفحة 50 يذكر أن الأندلس لم تعرف ما عرفه المشرق من أمر المدارس، وإنما بقي التعليم فيها قاصرا على المساجد.. ونحن لا نعرف في المشرق على تلك الحقبة إلا المساجد التي كانت المدارس، ولم تكلن قد بنيت المدارس لتختص بالدراسة دون المساجد إلى أن كان القرن الخامس.
وفي صفحة 71 يعلق على كتابي ابن حبيب في غريب الحديث وشرح غريب الموطأ بقوله: «ويبدو أنهما قسمان من كتاب واحد، ولا ندري كيف بدا له أنهما قسمان، فمترجمو ابن حبيب ذكروه بان له من التآليف نحو المائة فيها «الواضحة» وفيها « شرح الموطأ»، فهل هما كتاب واحد، أو هما كتابان؟ قيل بهذا كما قيل بذلك، وعلى كل فليسا قسمين من كتاب واحد.
وفي ترجمة الزبيدي التي بدأت بصفحة 123 يذكر هذا العالم العلم في عالم اللغة على الإطلاق، ويصفه بصفة «المتعالي» فإن كان الزبيدي متعالما، فإن غيره يقصر عن صفة المتجاهل، فيكون جاهلا حقا وحققة.. أيكون الزبيدي العظيم بهذه الصفة، لا لشيء إلا لكونه نبه على اغلاط الناس وتصحيحه هو لها؟
وفي صفحة 154 يجعل من أصناف أخطاء العامة في «لحن العامة» ما كان كتابيا وليس لفظيا، مثل دفلة إذ هي دفلى، مع أن الزبيدي يقول: «ويقولون لضرب من الشجرة دفلة، والصواب دفلى» فلفظة «يقولون» تكفي وحدها لتجعل الخطأ لفظيا، لا كتابيا فحسب...
وفي الصفحة 189 وهو يتحدث عن القالي وسفره المبكر فيقول:« ومن المشكوك فيه ان يتمكن من هو في الخامسة عشرة من السفر وركوب المشقات، ما لم يكن مصحوبا بمن يهتم بشئونه».
ونحن لا ندرك سببا للشك في هذا، فالرجولة السابقة لتاريخنا كانت رجولة مبكرة، فمن كان في سن الخامسة عشرة، كان يقود الجحافل والجيوش، ولا يشق عليه أن يسافر في طلب العلم، وقد سافرنا في مثل هذه السن واقتحمنا المشاق وحاقت بنا المصاعب فتغلبنا عليها.
وفي الصفحة 263 يذكر أن صاعد الأندلسي، قيل أن يرتحل إلى صقلية، قصد مجاهدا العامري، والواقع أن «صاعد» الذي ذهب إلى صقلية، هو صاعد البغدادي المتوفى عام 410 أو 417، وهذا لم يحضر مجلس أنس لاحد ممن ولي الأمر بعد المنصور، كما يقول أصحاب التراجم، أما صاعد الأندلسي، فقد توفي عام 436، وكان قد استقل بدانية عام 412، أي بعد وفاة البغدادي بعامين على قول أو قبلها بخمس على قول آخر، وقد قضى سنين بصقلية، لا بالأندلس، بعد وفاة المنصور.
وفي تناوله للمرابطين، يذكرهم بمجرد «الصحراويين» المتسلطين المغتصبين الذين انتكست بهم هذه الحركة اللغوية كما يفهم من صنيعه، وهذه قولة تمخضت بها بطون المسيحيين المليثة بالحقد والبغضاء لهؤلاء الذين أنقذوا الإسلام ورفعوا رايته عالية.
وفي صفحة 324 نجده في التعليق 3 ينص على أن شرح شواهد سيبويه للشنتمري توجد نسخة منه في القاهرة، مع أنه مطبوع متداول بين الناس، وعلى هامش الكتاب، ولا حاجة للإخبار بكون نسخة منه موجودة بالقاهرة او بغيرها، إلا لمن يهتم بالمطبوعات وحدها.
وفي صفخة 358 يذكر أن ابن سيده «وجه شيئا من عنايته إلى المنطق» مع أن ابن سيده نفسه يقول في مقدمة المحكم «ان علم اللغة أقل بضائعي وأيسر صنائعي، إذا أضفته إلى ما أنا به من علم حقيق النحو، وحوشى العروض، وحفي القافية، وتصوير الأشكال المنطقية، والنظر في سائر العلوم الجدلية...» فباعه إذن في المنطق أقوى منه في اللغة، التي اشتهر بها وبالنحو، كما يقول المؤلف.
وفي صفحة 363 يعلق على قول ابن سيده في حق مجاهد «هداني سواء السبيل إلى علم كيفية التأليف، وأراني كيف توضع قوانين التصريف» بقوله « والواقع أو مثل هذا الكلام... لا يمكننا أن نأخذه مأخذ الجد».
وهذا الارتياب او التكذيب لا معنى له، إذا علمنا ما كان عليه مجاهد من علم بالأدب وعلوم القرآن، وانه كان أديب ملوك عصره، كما يقول مترجموه، فلا غرابة أن يتدخل في منهج كتاب ابن سيده وأن يرشده بكيفية التأليف، كما قال نفسه.
سوى هذه الملاحظات، فهناك تعبيرات جرى فيها المؤلف مجرى معاصريه المخطئين، مثل «بقدر أو بآخر» بدل «بقدر ما» ص 286، ومثل «شتى المناسبات» بدل «مناسبات شتى» ص 337، ومقل «هو الآخر» بدل « هو أيضا» ص 384، زيادة على كونه استعمل في صفحة 281 كلمة الإطلاع، بدل «الاضطلاع» في قوله «معلم اللغة قد يحسن الاطلاع بتفسير المعاني».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here