islamaumaroc

انتشار الإسلام في الرحاب -1-

  دعوة الحق

العددان 133 و134

كلمة الرحاب اصطلح جغرافي أطلقه المقدسي على إحدى مناطق العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري، ويعني بها المنطقة التي تضم أقاليم أذريبجان وأرمينية وأران (أو الران) وعلى الصفحات التالية سيدور الحديث عن انتشار الإسلام في هذه المنطقة من المناطق المحصورة بين ءاسيا الصغرى وبحر قزوين.
ونبدأ الحديث عن انتشار الإسلام في هذه المنطقة بتحديدها من الناحية الجغرافية فنقول: إن الرحاب هي تلك المنطقة التي تعتبر امتدادا نحو الشمال لإقليم الجبال والعراق وديار ربيعة، حيث يوجد إقليم أذريبجان إلى الشرق وإقليم أرمينيه إلى الغرب، وأخيرا إقليم أران إلى الشمال من أذريبجان ويتصل في الوقت نفسه بالشاطئ الغربي لبحر قزوين. والمنطقة ككل تجاور من الغرب بلاد الروم وقسم من حدود الجزيرة، وتحدها من الشرق بلاد الدليم فإقليم جيلان ثم موقان وأخيرا بحر قزوين، أما من الجنوب فإنا نجد إقليم الجبال والعراق وبعض حدود الجزية، وفي الشمال توجد بلاد الكسرج (جورجيا) وبلاد اللان وجبال القبق.
كانت هذه المنطقة تضم عددا من الأجناس البشرية، ففي أذريبجان كانت الأغلبية الساحقة للأكراد، في حين أن الأرمن كانوا هم الجنس البشري السائد في أرمينية. أما إقليم أران فإن أهله كانوا خليطا من الأكراد والخزر والأرمن، ولعل ذلك يعود إلى اتصال الإقليم الأخير ببحر قزوين، الأمر الذي جعله يستقبل الكثيرين ممن يعملون بالتجارة على اختلاف أجناسهم.
ومن الناحية الدينية فإن النصرانية كانت هي الديانة السائدة في إقليم أرمينية. وبجانب ذلك كانت توجد في هذا الإقليم أيضا أقليات من أتباع اليهودية والمجوسية. هذا، وفي الوقت الذي كانت فيه النصرانية هي الديانة السائدة بين الأرمن فإن المجوسية كانت هي عقيدة الأغلبية الكبيرة من الأكراد. أما الأقلية من الأكراد فإن أفرادها كانوا يعتنقون النصرانية من وجهة نظر اليعاقبة، ويضاف إلى هذا وذاك وجود بعض الجماعات اليهودية.
وبالنسبة للإقليم الثالث، إقليم أران، فإنه كان يوجد تشابه كبير بينه وبين إقليم أرمينية، وذلك من حيث المعتقدات الدينية التي كانت موجودة في كل، غير أن عدد اليهود في إقليم أران كان كثيرا إذا قورن بعدد إخوانهم في إقليم أرمينية، ويعود ذلك إلى أن إقليم أران كان فيما سبق من مملكة الخزر، ومعروف عن الخزر أنهم في عمومهم كانوا يدينون بالديانة اليهودية.
فإذا انتقلنا إلى الجانب السياسي فإن أذربيجان كانت واحدة من المناطق المكونة للامباراطورية الساسانية. هذا، مع أنها كانت تتمتع في نطاق هذه الإمبراطورية بما يشبه الاستقلال الذاتي، شأنها في ذلك شأن معظم الأقاليم الفارسية وقت الفتح الإسلامي. وكان حاكم أذربيجان يحمل لقب «المرزبان» ويتخذ من مدينة أردبيل مقرا له.
أما أرمينية فإنها كانت فيما مضى تحت حكم الروم، وقد استطاع كسرى انوشروان أن ينتزعها من أيدي الروم ويضمها إلى الإمبراطورية الساسانية، وظلت على هذا الوضع حتى قامت الدولة الإسلامية، مع ملاحظة أن الحكم الداخلي فيها ظل في أيدي عدد من البطارقة من أهل البلاد الأصليين، ومعنى هذا أن السلطة الفعلية في أرمينية أثناء محاولات الفتح الإسلامي لها كانت في أيدي رجال الدين المسيحي، وسيتضح لنا فيما بعد إلى أي مدى كان له تأثيره على محاولات نشر الإسلام في هذا الإقليم.
والأمر لا يكاد يختلف بالنسبة لإقليم أران، فقد كان تابعا للإمبراطورية الساسانية، وكان يقبض على زمام الحكم في هذا الإقليم وقت محاولات الفتح الإسلامي له رجل يحمل لقب «مالك» ويسمى شهربراز، وكان يقيم في مدينة الباب التي كانت في ذلك الوقت المركز الرئيسي لإقليم أران. ويستحسن في هذه المناسبة أن أنبه إلى أن كثيرا من المؤرخين قد اعتبروا إقليم أران جزءا من أرمينية، وكان هذا الإقليم، لدى أصحاب هذا الاتجاه، يكون مع بلاد السيسجان ما يطلق عليه اصطلاح «أرمينيه الأولى»
يتضح لنا من هذه المقدمة أن التركيب البشري في منطقة الرحاب كان متنوعا، فمن أكراد في الشرق إلى أرمن في الغرب إلى خزر في الشمال.  وبجانب تنوع التركيب البشري كان يوجد تنوع أيضا في المعتقدات الدينية التي كانت موجودة في المنطقة ككل. وكانت الديانتان البارزتان هما المجوسية والنصرانية. وبجانب هذا وذاك كانت توجد جماعات يهودية في كل من الأقاليم الثلاثة.
يحاول السدارس المعاصر أن يجد في تنوع المعتقدات الدينية التي كانت سائدة في المنطقة فرصة لتبيان موقف هذه العناصر المختلفة من الدعوة للدين الإسلامي. وبمعنى ءاخر أكثر تحديدا: أن تنوع التركيب البشري وتعدد الاتجاهات الدينية في منطقة الرحاب يفتح الباب أمام الدارس المعاصر للتعرف على الدرجات المتفاوتة في ردود الفعل التي قوبل بها الدين الإسلامي من أفراد هذه الأجناس البشرية وأتباع هذه الاتجاهات الدينية.
وتناول للموضوع من هذه الزاوية يقدم للقارئ محاولة علمية جادة، بجانب أنه في الوقت نفسه يشتمل على عناصر الطرافة والتشويق. ومما لا شك فيه، أن محاولة كهذه كان من الممكن أن تكون ميسورة لو توافرت لها المادة العلمية بدرجة كافية، وهذا ما لا نستطيع أن نقول به، وذلك لما هو معروف من أن اهتمامات المؤرخين العرب في العصور الوسطى قد توجهت في المرتبة الأولى إلى معالجة حركة توسع الدولة الإسلامية، لا إلى تعقل حركة انتشار الدين الإسلامي، وحتى بالنسبة لأولئك المؤرخين الذين عنوا بالتاريخ لانتشار الدين الإسلامي فإنهم لم يلتفتوا بالقدر المطلوب إلى هذه الجزئيات التي تشكل الأساس الذي لابد منه لتقديم مثل هذه المقارنة.
مهما يكن من أمر، ففي ثنايا الدراسة التي بين أيدينا سنحاول بالقدر الذي تسمح به المعلومات التي نعثر عليها أن نقارن بين الدرجات المتفاوتة في الاستجابة (أو الرفض) التي قوبل بها الدين الإسلامي في هذه المنطقة، ونبدأ دراستنا هذه بالحديث عن إقليم أذربيجان.
قلنا فيها سبق أن أذربيجان هي تلك المنطقة التي تقع إلى الشمال الشرقي من ديار ربيعة بالجزيرة الفراتية. وإذا أردنا تحديد موقع أذربيجان في الخريطة الجغرافية المعاصرة فمن الممكن أن نقول بأن الجزء الأكبر منها يقع ضمن إيران الحديثة، في أقصى الشمال الغربي. أما الأجزاء الشمالية لأذربيجان فإنها أصبحت ضمن مناطق نفوذ الاتحاد السوفياتي، كما أن بعض مناطقها الغربية تقع في هذه الأيام ضمن ممتلكات جمهورية تركيا.
وقد أصبحت الأجزاء التي سيطر عليها الاتحاد السوفياتي تشكل مع إقليم أران ما يعرف الآن بالجمهورية الأذربيجانية، وهي واحدة من جمهوريات اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية. ولا يزال يغلب على هذه الجمهورية الطابع الإسلامي حتى اليوم، وءاخر إحصاء للمسلمين فيها يصل بعددهم إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة، وهم بهذا يشكلون ما يقرب من ثمانين في المائة من مجموع السكان هناك.
بعد هذا نبدأ في تتبعنا لانتشار الإسلام في هذه المنطقة، وبخصوص هذه القضية نقول: إنه في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
أخذت الإمبراطورية الفارسية تتهاوى أمام زحف الجيوش الإسلامية المنتصرة. وقد استطاعت الدولة الإسلامية، بصفتها السياسية، أن تبسط سيادتها على الأقاليم الفارسية من الجنوب إلى الشمال ومن الغرب إلى الشرق. وكان إقليم أذربيجان من المناطق التي توجهت إليه الجيوش الفاتحة في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الفتوحات الإسلامية.
اختلف المؤرخون حول الوقت الذي اتجهت فيه الجيوش الإسلامية لفتح أذربيجان، ولكن هذا الاختلاف ليس من الخطورة بمكان، إذ أنه محصور بين سنة 18 وسنة 22 من الهجرة، وكما اختلف المؤرخون حول توقيت أول حملة عسكرية وجهتها الدولة الإسلامية إلى هذا الإقليم، فإنهم قد اختلفوا بالتالي حول شخص الصحابي الذي كان أول من فتح هذه البلاد، فمنهم من يقول إن الذي فتحها هو الصحابي عتبة بن فرقد رضي الله عنه، ومنهم من يعزو فتحها إلى الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
وتوفيقا بين وجهات النظر التي يبدو أنها متضاربة يمكن أن نذهب إلى القول بأن أولى الحملات العسكرية الإسلامية قد توجهت إلى الإقليم موضوع الدراسة في سنة 18هـ، وكانت تحت قيادة الصحابي عتبة بن فرقد. وبعد ذلك توالت الحملات الإسلامية إلى أذربيجان بقصد السيطرة الكاملة على كل أنحاء الإقليم، وكان أبعدها أثرا تلك التي قادها الصحابي حذيفة بن اليمان في سنة 22 من الهجرة.
مهما يكن الأمر، فقد كان من نتيجة الحملة الأولى، التي هزم فيها الأذربيون، كتاب أمان من عتبة بن فرقد لأهل أذربيجان بمقتضاه منحوا الأمان «على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم». ووثيقة الأمان هذه التي أوردها الطبري (ج 4 ص155 طبعة ذخائر العرب) والتي رجع تاريخها إلى سنة 18 ه توضح لنا أن أهل أذربيجان قد اختاروا طريق التمسك بدياناتهم السابقة في مقابل دفع الجزية للدولة الإسلامية. كما يفهم من هذه الوثيقة أيضا أن أتباع الديانات الثلاث: المجوسية والنصرانية واليهودية قد اتخذوا موقفا موحدا وهو عدم الاستجابة لما دعوا إليه من اعتناق الدين الإسلامي.
لم يلتزم أهل أذربيجان بشروط هذا الاتفاق، وكانت نتيجة نقضهم له أن توجهت إلى الإقليم حملات أخرى، كان من أهمها تلك الحملة التي قادها الصحابي حذيفة بن اليمان سنة 22ه، وقد توغل حذيفة بقواته في أذربيجان حتى وصل إلى مدينة أردبيل، عاصمة الإقليم، وهنا تصدى المرزبان للقوات الإسلامية. وبعد قتال شديد طلب المرزبان من القائد المسلم أن يعقد معه صلحا، واستجاب له حذيفة بن اليمان، وتم بين الاثنين الاتفاق على أساس أن يدفع اهل أذربيجان للدولة الإسلامية جزية سنوية مقدارها ثمانمائة ألف درهم «على أن لا يقتل منهم أحدا ولا يسبيه، ولا يهدم بيت نار، ولا يعرض الأكراد البلاسجان وسبلان وساترودان، ولا يمنع أهل الشيز خاصة من الزمن في أعيادهم وإظهار ما كانوا يظهرونه (1)».
وكما هو واضح فإن الاتفاق الذي عقده الصحابي حذيفة بن اليمان مع المرزيان يلتقي مع الاتفاق الذي سبق أن عقده عتبة ين فرقد مع أهل أذربيجان في نقطة واحدة هي التي تسترعي انتباه المهتم بدراسة انتشار الإسلام، وهذه النقطة هي تعهد القوات الإسلامية الفاتحة بعدم التعرض للاذربيين فيما يختص بشؤون معتقداتهم، أي عدم إجبارهم على نبذ دياناتهم واعتناق الدين الإسلامي.
وينفرد اتفاق حذيفة بتفصيل أكثر فيما يختص بتوضيح تسامح المسلمين مع أتباع الديانة المجوسية، ويتضح لنا ذلك من النص على أن لا يهدم المسلمون للمجوس بيت نار، كما يتضح لنا ذلك أيضا من تخصيص طوائف معينة من الأكراد وأنه لا يحق للقوات الإسلامية أن تتعرض لها فيما يتصل بممارسة هذه الطوائف لشعائرها الدينية، وسيتضح لنا فيما بعد سر تخصيص هذه الطوائف بالتحديد.
ولا شك أن المسلمين في هذا التسامح الديني قد وصلوا إلى المدى الذي لا مندوحة بعده، وخاصة إذا عرفنا أن الأذربيين هم الذين نقضوا الاتفاق الذي سبق أن عقد بينهم وبين الجانب الاسلامي. وهذا التسامح الذي بدا في موقف كل من عتبة ابن فرقد وحذيفة ابن اليمان إزاء أهل أذربيجان من مجوس ونصارى ويهود هو سمة من السمات الرئيسية التي لازمت حركة انتشار الإسلام بين مختلف الجماعات وفي
شتى الأنحاء وليس هذا القول مجرد شهادة من فرد يعتنق الإسلام، بل إنه اتفاق التقى حوله الكثير من الدارسين غير المسلمين.
رغم هذا التسامح الديني وهذه المرونة السياسية قامت في أذربيجان سلسلة من الحركات المناوئة للسيادة الإسلامية، سواء أكان ذلك في العام الأخير من خلافة عمر بن الخطاب أم في أوائل عهد الخليفة عثمان رضي الله تعالى عنهما.
وقد استطاعت الدولة الإسلامية أن تتغلب على هذه الحركات المناوئة، محافظة بذلك على المكاسب السياسية التي حققتها.
ومن الممكن القول بأن العلاقة بين الدولة الإسلامية وإقليم أذربيجان في هذه الفترة، والمراد بها الفترة التي تجمع بين السنوات الأخيرة من خلافة عمر بن الخطاب والشهور الأولى من خلافة عثمان بن عفان، كانت ذات صبغة سياسية خالصة، إذ لم تسجل المراجع التي بين أيدينا عن المسلمين أنهم قد نظموا حملة معينة أو وضعوا خطة خاصة لدعوة أو حمل أكراد أذربيجان على اعتناق الدين الإسلامي.
ليس معنى هذا القول أن المسلمين لم يسبق لهم أن دعوا الأكراد إلى الإسلام، إذ أنه من المعروف عن الفاتحين المسلمين أنهم كانوا يلتزمون بخطوات محددة مع أهالي البلاد المراد فتحها، خطوات تصاعدية تترتب اللاحقة منها على عدم استجابة أهل البلاد للسابقة، وهذه الخطوات هي: الإسلام فالجزية ثم أخيرا السيف – ولكن الذي نعنيه أن العلاقة بين الطرفين في أثناء تلك الفترة قد تجمدت عند الحدود السياسية، بل داخل الإطار الرسمي منها، فقد كان المرزبان في كلتا المعاهدتين المشار إليهما سلفا يعتبر نفسه هو الممثل لجماهير الاكراد، وذلك بوصفه الحاكم الرسمي لأذربيجان. وقد قبل الجانب الإسلامي منه هذه الصفة وتعامل معه على أساسها دون القيام بمحاولة لاستطلاع رأي الجماهير، وهذا ما نعنيه بتجمد العلاقة بين الطرفين أثناء تلك الفترة في داخل الإطار الرسمي للحدود السياسية.
ولكني في الوقت نفسه أسارع فأقول أن هذا المستوى من العلاقات كان مؤقتا بفترة قصيرة، وقد أعقب ذلك أن انتقل الجانب الإسلامي بعلاقته مع أهالي هذا الإقليم إلى مستوى جديد أساسه الاتصال المباشر بجماهير الأذربيين والعمل على نشر الدين الإسلامي بينهم.
وبعون الله تعالى سنفتتح المقال التالي بالحديث عن هذا المستوى الجديد ومدى النجاح الذي محققه بالنسبة لانتشار الإسلام في هذا الإقليم من منطقة الرحاب.

(1) البلاذري: فتوح البلاد، طبعة دار النشر للجامعيين ص 455 – 456.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here