islamaumaroc

قرية آمنة مرآة سينفنارية بتونس

  دعوة الحق

العددان 133 و134

قال البكري ص 33 في كتابه «المسالك والممالك».. وكانت بكنيسة شيفنارية في سلطان الروم أعجوبة مرآة كانت إذا اهم الرجل امرأته نظر في تلك المرآة فيرى وجه المبتلي بها وكانت البربر قد تنصرت فكان بربري قد أظهر اجتهادا في النصرانية حتى صار شماسا واتهم رجل من الروم امرأته فنظر في المرآة فإذا بوجه البربري الشماس فدعا به الملك فقطع أنفه ومثل به وطرده من الكبيسة فطوف قومه المرآة فكسروها فأرسل الملك إلى حبسهم فاستباحه.
كانت قرية آمنة وكأنها ضاحية من الفردوس حطمتها أجنحة الملائكة إلى الأرض، فالشمس تسطع في سمائها مشرقة وكأنها قبس من نور لا تلفح الوجوه ولا تعشى الأبصار، والسحاب يعبر أفقها متهاديا وكأنه ستائر الحرير تحجب الرياح وتصد الأنواء، وعندما يتساقط المطر يتجمد لؤلؤا على سنابل القمح وغصون الأشجار!! انها قرية آمنة، يغشاها سكانها الأبرياء فيغمر قلوبهم الطهر وتجلل وجوههم الوداعة ويبدو الرفاء على قسمات محياهم صارخا... وكانت القرية الجميلة تتقارب منازلها وكأنها توحي بما في قلوب سكانها من تضامن بينهم أجمعين، وعلى ربوة المدينة تربط كنيسة كبرى رفعت أعمدتها سواعد سكان المدينة ونسجت خمائلها ضفائر العذارى، ورصفت أرضها أوراق الورود واليسامين فكانت قصر القرية الفخم، يأوون إليها جميعا كلما مسهم ألم فيستجدي بها الفلاح المطر والغيث وتلتمس بها الأدعية الصادقة مسامع السماء.
ولم يكن منظر الكنيسة يوحي بالجمال والافتنان، وإنما كانت تلقى في الروع بالرهبة والجلال، لم تكن عظمتها في أساطينها المتعالية، ولا في تعاريج منحنياتها ولا في تلوين زجاجها، وإنما كانت الروعة كامنة في هيبتها ووقارها وبساطة فنها، إن منظرها البسيط العادي لا يغر بالتأمل والاستجلاء باستثناء مرآة صقيلة مثبتة في زاوية من زواياها الأربع قرب كرسي الاعتراف، تلك المرآة الصقيلة والرهيبة معا، والتي كانت سر سعادة هذه القرية وسر قداستها كأنها مرآة الاعتراف! نعم كانت مرآة يتراءى في طهرها وجه الآثم المتلاعب والمفسد الباغي والظالم المتغطرس فكم ساق إليها سكان القرية الآمنة من امرآة أبت الاعتراف بخطيئتها، فكان خليلها يبدو في هذه المرآة لا سبيل لنكرانه ولا أمل في الافتراء على غيره، لقد كان يتراءى في صفحتها الواقع حتى يراه كل إنسان فتقطع على الألسنة الكذب والبهتان، كانت المرآة سر سعادة هذه القرية التي لا يفتري نساؤها الكذب، ولا يقترفن الجريمة خوفا من فضيحتها وصراحتها التي لا ترحم، ولذلك سلمت القرية كلها من الحكام العابثين والشهود المفترين والحكام المستغلين، وإذا كان للجماد حكمة وفلسفة فإن مرآة الكنيسة كانت ترى في المرأة أساس الجريمة والذنب، فالسارق يغصب المال ليقترف الخطيئة، والظالم يقسو ليقطف ثمرة الخطيئة، والحاكم يغصب ليرضي شبقه ونزواته، إن الجرائم كلها تهدف إلى الخطيئة التي تظل سلبية بدون ابنة حواء فلا غرابة أن تصبح مرآة الاعتراف سبب السعادة المخيمة في هذه القرية الآمنة حتى لي يعد يأوي إليها السارق الباغي والظالم الآثم إذ لا وسيلة إلى اقتراف الاثم، واجتراح الذنب، فعف السارق وتاب الباغي وارعوى الظالم، وإذا بالإنسان عنصر الخير في الحياة.. ولهذا كانت الكنيسة مقدسو في هذه القرية يخدمها بأمانة ثلاثة رهبان، أما أحدهم فقد كان عمله الدائم أن يمسح عن المرآة ما عسى أن يعلق بها من غبار وأتربة ونسيج عناكب، وأما الثاني فكان يتلو الإنجيل بصوته الرخيم، ويرتل الأدعية الدينية بحنان تذوب له القلوب، وكان الثالث يسهر على جمع التبرعات والصدقات لإعانة الضعفاء ومواساة الفقراء.. ولعل أكثر الثلاثة حظا ذلك الراهب الذي يحرس مرآة الاعتراف، حيث كان يتاح له أن يرى أسرار رجل وقور لم يشك أحد في حسن تصرفه وقويم سلوكه؟ وكم أجلت المرآة وجوها كانت مستترة فإذا هي كالبدر تألقا ولمعانا؟ وكم أشارت الأصابع إلى فتى بريء فإذا هو صافي السريرة طاهر العرض... إن لهذه المرآة لسرا عجيبا! ولم يكن الراهب وحده معتزا بعمله وخدمته، بل كانت قبيلة الراهب كلها مفتخرة أن يكون سادن المرآة من أبنائها، وسكان القرية منذ القديم يعتزون بمن يعدل ويحكم خصوصا إذا كان يحكم بالحق ويؤثر الانصاف فكيف لا يفخرون بفتاهم إذا كان سادن مرآة الاعتراف، بل إن المرآة مدينة لهذا السادن الذي يرعاها حق الرعاية بجليل عمله وصدق خدمته، ومن يدري لعله يعرف الكثير عن أسرارها، بعد أن عرف الكثير من أسرار الناس، وإذا كانت القبيلة كلها معتزة بسادنها وراهبها فإنه هو نفسه كان يرى في عمله قرابة من المرآة وصلة متينة بها وربما تمنى أن تحرسه كما يحرسها؟ وتدافع عنه إن زلت قدمه كما يدافع عنها؟ وترعاه إن أخطأ بعينها التي لا تنام كما يرعاها بعينيه؟ وما أكثر غرور الإنسان وحماقته أيضا! فهو يخدم الفضيلة ما دامت الفضيلة وسيلة لكسب الرزق، وتقدير المجتمع، حتى إذا تجاوزها أو تجاوز المجتمع، تنكر لهذه الفضيلة المسكينة التي لا تتنكر لأحد وتظل دائما في ردائها المتواضع لا يغريها زخرف الدنيا ولا مباهج الحياة، وكذلك زين للراهب الذي يحرس المرآة ويرعاها أن يثق في صداقتها وغفلتها عنه وتسامحها لما عسى أن يقترف من إثم وخطيئة.
كانت هذه الوساوس تراود الراهب كلما خلا إلى نفسه مفكرا، وكلما نمت ثقته في صداقة المرآة سبح خياله في عطفها ووفائها وصاف أن أخذت أميرة القرية (داهيا) الفاتنة اللعوب تتردد دوما على الكنيسة فتخلو إلى المحراب متعبدة، فكان سادن المرآة يقف من بعيد متأملا جمالها فتتراءى له ملاكا من ملائكة الفردوس ضل طريقه فوقع في شباك الأرض كانت تحمل إليه معاني الجمال والحب، لذا كان يتحسس طريقه إليها في غيبة عن إرادته، ويظل يحملق في وجهها الملائكي الجميل من بعيد دون أن تراه فتفتنه عن صلاته ونسكه، ويصبح راهبا في محراب الجمال أمام ملاك في محراب السماء!حتى إذا عاد إليه وقاره وتراءت له مرآة الاعتراف اطمئن إلى نفسه وعمله ووثق في المرآة ألا تفشي خلجات قلبه، وهكذا كان يقضي يومه في أحلامه وإلى المرأة الجميلة التي أخذت بلبه وقلبه ثم مع مرآة الاعتراف التي لن يخشى شهادتها وهو ابنها البار وسادنها الوفي! أما الجميلة (داهيا) فلم تشك أول الأمر أن سادن المرآة راهب طاهر الذيل، لا يدغدغ الشيطان وجدانه، وأنى لإبليس أن يكون له عليه سلطان وهو الراهب الأمين وسادن مرآة الاعتراف، وليس في لحظاته المتوالية ولا في ابتساماته المتلهفة أكثر من دعابة أب رحيم لقلب امرأة لعوب يحرس نزواتها أن تستجيب كلما آنست غيبة الرقباء وقسر المجتمع! واعتادت داهيا على زيارة الكنيسة كلما سنحت لها الفرصة، وكان لا بد أن يسرف الراهب نظراته ويطيل التأمل في وجهها الجميل، بل عودته الأيام أن يحدق إليها فيطيل النظر، حتى أصبحت صورة داهيا مرتسمة من عينيه لا تمسحها إلا دمعة الوجد وخوف الرقيب، هذا الرقيب الذي كان راهب الكنيسة المرتل لأدعية الإنجيل في ساعات الخشوع والصلاة حيث كان يلقي إلى صديقه بنظرات فيها شيء الحسد والعتب، وفيها شيء من التربص والحذر، وفي دنيا النظرات والحذر والتربص والاتياب كانت عواطف الراهب السادن تنزلق إلى عالم الشهوات والجسد وكانت داهيا تتداعى إرادتها أما عاشق ولهان لن يخشى المرآة ولا شهادتها، وكان راهب المحراب ينبس دوما بأدعية والتراتيل متربصا بزميله ليفشي أسراره ويتعقب زلته! كانوا ثلاثة يحملون ليوم الخطيئة راهب المرآة يحلم بالثمرة الحلوة التي سيقطفها دون خشية أو رهبة، والفاتنة داهيا تحلم بالقلب الجديد الذي ستدميه بين أصابعها، أما راهب المحراب فينتظر ذلك اليوم الذي يصبح فيه سيد الكنيسة التقي، وآدم الذي لم يتذوق التفاحة المحرمة! ترى أيمكن لمرآة الاعتراف أن تغفر لسادنها زلته حتى إذا أرجف المتقولون وقدموا داهيا للمحاكمة قطبت المرآة جبينها وأبت على ولدها البار أن يرجم بيد سكان القرية الحانقين، أما السادن وقد زين له الشيطان عمله فاطمأن إلى أن مرآة الاعتراف ستغضي الطرف عن زلة فتاها الأمين الذي سوف لا يجلو عنها صدا الأيام وغبار الزمان ليعسر على وجه الإنسان أن يتراءى في نضارتها متلبسا بخطيئته، وأما داهيا فقد خيل إليها أن الراهب سيكون مجنها العتيد يرد عنها أقوال الحانقين وكلمات الشاكين، أليس هو سادن المرآة وسيد الكنيسة. وأما راهب المحراب فقد آمن أن المرآة لن تتخلى عن رسالتها مهما كانت قرابة السادن بها وخدمته لها ولذا فلن يتسامح في محاكمة صديقة منها كان الثمن، وعندما تتخلى المرآة عن إظهار الحقيقة وإفشاء السر فسيتولى بنفسه محاكمة صديقة لتبقى للقرية قدسيتها وللكنيسة مكانتها.
ودأبت داهيا على زيارة الكنيسة كل مساء حيث يقتبلها سادن المرآة في انتظار العاشق ورقابة راهب المحراب وما عتم زوجها أمير القرية أن تراءى له في ترددها على الكنيسة وإيثارها للوحدة ما يثير الشك والقلق فطالما رغب أن يصحبها فاعتذرت، وكم من مرة وقف منتظرا فعادت وفي ملامحها ما لا تقدر المرآة على حمله من أسرار القلوب، ولواعج النظرات ولكن الأمير عز عليه أن يترك للشك طريقا إلى قلبه ما دامت زوجته داهيا تتردد على بيت العبادة في رقابة مرآة الاعتراف وبين يدي سدنتها الأوفياء، وإذا كانت معاول إرادة الزود حطمت الشكوك والأوهام فإن الأيام ربطت بين قلب الراهب وداهيا وغيرة راهب المحراب وحقده، فكأن يوم الخطيئة يقترب ليواجهوا جميعا المصير المحتوم.
لم تعد داهيا وقد دأبت أن تقصد محراب الكنيسة تتم خطواتها إليه، وإنما كانت تقصد لتوها زاوية مرآة الاعتراف لتجتلي محاسن وجهها ولتجلي للراهب العاشق، فيعترف لها بحبه وآلامه وأحلامه، وقد نسي أو أنسي أن راهب المحراب يترصد أخطاءه ويقتفي زلاته وينتظر الفرصة المواتية ليعلن خيانة دهيا لزوجها وخيانة السادن لمرآته. فلم يكن سادن المرآة في غفلة عن رقابة زميله راهب المحراب ولم تكن داهيا في حمى من استطلاعات زوجها واقتفائه لآثاره كما خطت في الشارع خطوة، أو انزوت في ظلال الكنيسة برهة بل كان يعيش مشاعرها النفيسة وهواجسها القلبية وهل تستطيع العيون أن تخفي دوما لواعد القلوب؟ بل هل تستطيع المرآة تحمل سر الأنوثة دون أن تعلن قسمات وجهها عن تباريح وجدانها وظلت دهيا في غفلتها عن الرقيب والزمان تتردد على الراهب في كنيسته دون أن يعلم أن عليها من العيون نطاقا ودون أن تشعر أن البركان سوف يقذف الدخان ليوالي الحمم والصخور والأحجار، وتلاحق رنين ناقوس الخطر مؤذنا بانبلاج فجر لخطيئة، فقد أصبحت داهيا تستبطن وليدا جديدا سينكره أبوه، وسيفجع المدينة الآمنة في مرآتها الصادقة، ولم يستطع الزوج أن يطيق على اقتراف زلتها صبرا فصاح في داهيا بملء فيه: إنك آثمة يا داهيا إنك آثمة وإن خطواتك إلى الكنيسة كانت خطوات شيطان إلى الجحيم، إني أباهيك يا داهيا، لقد أضمرت لك الحب في قلبي فأضمرت في أحشائك ثمرة جريمتك! ولم تستطع داهيا أ تفلت من يديه المفتولين ولا من شرارة الغضب المتوهج في عينيه بل عقد الإثم لسانها وخانتها ركبتاها أن تعدو مسرعة إلى الراهب ليحميها غضب زوجها فلم تحر جوابا.
أمام صريح التهمة وعظيم الجريمة.. ان سكان القرية الآمنة لن يصدقوا المرآة إذا كشفت عن وجه الراهب السادن النقاب.. وربما كتمت خطيئة فتاها الأمين وفي لحظة خاطفة كالبرق فكر الزوج عما عسى تقول المرآة أما جريمة زوجته؟ ترى ان تظل مخلصة للحقيقة كما كانت من قبل، أم تتردد في مهاوي الخداع والتضليل احتراما لسادنها الذي يرتبط معها بمودة خدمتها ورعايتها، إنه يتهم داهيا بعلاقة أثيمة مع سادن المرآة وإذا فسيصبح السادن الخصم والحكم معا.. وانقشعت عن بصيرته الظنون، وعاد إلى صوابه متذكرا عدالة مرآة الاعتراف ونزاهة حكمها، لأنها فوق الأهواء والعواطف البشرية انه يذكر عدالتها دائما كلما لجأت القرية إليها لاستجلاء حقيقة الأسرار والأهواء، لقد عودتهم حقيقة الجاني وصدق الصورة المنطبعة عليها ثم من عساه يحكم بينه وبين داهيا إلا هذه المرآة الصادقة التي لم تخن قط سكان القرية الآمنة ولو رفض اللجوء إليها فهل يثق سكان القرية في غير حكمها وهل يركنون لغير عدالتها لذلك فلن يختار سبيلا آخر غير الالتجاء إلى عدل المرآة ومن يدري فلعلها لن تخونه كما لم تخن الأزواج من قبل! وتعالى صياح الزوج مرة ثانية بتهمة زوجته داهيا، وتعال صيحاتها منكرة قوله، ومتهمة عقله، وما أسرع ما تجمهر سكان الحي حولهما بين متفق ومتشفي وبين مصدق ومكذب وبين متلهي وجاد، وكلهم رضوا بحكم المرآة التي كانت ولا تزال خير من يحكم ويعدل وتجلي الشك ليثبت اليقين! وهل صدقت القرية غير حكم مرآتها الصافية وتسارع الجميع إلى الكنيسة في مسيرة متدفقة كالسيل يلتقط في منعرجاته الغثاء والحجارة والصخور كان الرجال يسارعون الخطو فيلتحق بهم النساء لاهثات وبجانبهم الأطفال صائحين وما أسرع ما أصبح موكب السيل الجارف أمام الكنيسة يدحرج المتهمة إلى المرآة مرة بالشفقة وتارة في قسوة وعنف وبهت السادن حين رأى حبيبته داهيا تتقاذفها أمواج الأيد كالزبد في البحر ولو كان له في الأمر من شيء لحال بينهم جميعا وبينها، ولا وصد باب الكنسية في وجوههم جميعا ولكنه القدر ترصد له في يقظة عارمة فألقى إليه مباغتا بهذا السيل للزبد من الناس ولا سبيل إلى رده ولا أمل في صده، فلينتظر حكم المرآة وليتبتل إليها في سره ونجواه عسى أن ترحم بلواه وساد الكنيسة صمت مطبق ووقف الجمع أمام المرآة تتقدمهم داهيا وقد اصفر وجهها حتى أصبحت في عداد الأموات، وانتظر الزوج أن يرى الحقيقة في المرآة أو يهوى عليها بيده العقبيتين لقد وقف الزمان وانفلت عقد الأملاك فأصبحت الثواني تعد بالسنين والأعوام وإذا وجه سادن المرآة يتجلى واضحا في مرآة الاعتراف فتهوى داهيا على الأرض ضارعة بغير لسان باكية بدون دموع منتحبة دون نفس وإذا الراهب السادن ينقلب وجومه إلى سخرية رعناء، وهياج مزيد، لقد استيقظ حين هدا الجمهور فاندفع من وراء القوم إلى مرآة الاعتراف كالصخرة العاتبة ووثب كالنمر الغاضب وبيد حديدية هوى على المرآة بضربة قاضية فتساقط الزجاج متحاتا على أرض الكنيسة كحبات العقد حين ينفلت، ثم صاح مدمدما حانقا يلعن سكان القرية الأغبياء أنهم يثقون في حكم مرآة ويحتكمون إلى الجماد وصاح لملء فيه فطلب عدالة القضاء وشهادة العدل واعتراف المجرم أن لن أقبل حكم المرآة وثار السادن ساخطا في الجمهور وهو يقول: لقد كنت دائما سادن المرآة التي لم تكن أكثر من وقن خداع، إن ظنونكم جميعا تتجلى في المرآة، ظنونكم جميعا إيها الأغبياء هي التي تتراءى لكم خداعا، إنكم جميعا ترون الوجه الذي تريدون.
وبهت القوم جميعا لهول ما رأوا وما سمعوا، كيف ينقلب السادن التقي الورع إلى فاجر آثم؟ وكيف يتجرآ حاقدا يكسر المرآة في قسوة وعنف؟ وكيف ينكر حكمها عليه بعد أن كان المصدق المؤمن بها؟ وكيف يسبهم جميعا ويتهم عدالتها وهي الصادقة الآمنة، وثار القوم غاضبين تتسابق أيديهم جميعا إليه ممسكة بتلابيبه لئلا ينفلت من غضبهم، فاستسلم مذعورا حائرا وسط ضجيج لا يستبين فيه كلاما وحملق في وجه الجميع مودعا دهيا بدموع حائرة فإذا بوجه يتراءى له واضحا بين الوجوه وعين محدقة إليه في حقد واحتقار لم يكن وجهه هو في المرآة إنما هو وجه راهب المحراب. لقد كان يلقي عليه نظرة عتاب مريرة ويلقي على شظايا المرآة المتساقط نظرات لهفة على البلور الذي لن يلتئم قط، لقد انتهت خديعة السادن وماتت مرآة الاعتراف ولكن عدالة المرآة لم تغدر ولم تخن ولم تراع سادنها المخلص ولا خديمها الأمين لأنها فوق الأهواء والعواطف أما وقد تكسرت المرآة فقد حقت اللعنة على المدينة الآمنة فسوف تعيش بؤرة الرذيلة والانحراف وسوف تلجأ إلى افتراء الشهود، وعبث الحكام وتزوير العابثين، فوداعا أيتها العدالة ووداعا أيتها المرآة ووداعا أيتها القرية الآمنة ولتحل اللعنة بالقرية الآمنة لتصبح القرية الظالمة، تسفك فيها الدماء وتنتهك الأعراض وتأوي اللقطاء لا ترحم السماء أرضها إن أجدبت، ولا يسطع النور في أفقها إن  أظلمت، ولا تشمل عناية الله ربوعها.. !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here