islamaumaroc

بين ابن خلدون وابن الأزرق [إعداد دعوة الحق]

  دعوة الحق

العددان 133 و134

ظهرت الفلسفة الخلدونية واضحة المعالم في كتابه القيم (المقدمة) ولم تكن النظرية الخلدونية في تفسير التاريخ في حاجة إلى مجلدات لتصبح مفهومة واضحة لأن ابن خلدون له من القدرة على التعبير ما جعل أفكاره واضحة فسرته في كتابه.. غير أن المؤرخين أسرفوا في اتهام عصر ابن خلدون بالجمود الفكري ناسين أن هذا العصر عرف أكبر نكبة في العالم العربي والإسلامي وهي سقوط غرناطة التي بدأ معها سقوط العالم الإسلامي كله وبذلك صرف الناس زمامهم عن الدراسات العلمية إلى التبتلات الصوفية كما يفعل المريض ساعة الاحتضار، ورغم ذلك فقد عرف عصر ابن خلدون كتابا اهتموا بالمقدمة وعلى رأسهم القاضي ابن الأزرق مؤلف كتاب بدائع السلك في نظام الملك.. (أو بدائع السلوك في نظام الملوك) وهو تحليل ونقد لفلسفة ابن خلدون وتصحيح لبعض نظرياته.. وقد استعمل ابن الأزرق نفس الاصطلاحات الخلدونية وأعطى للكلمات تفسيرات واضحة لا تدع مجالا للشك أن ابن الأزرق عرف الخلدونية حق المعرفة وتجاوزها إلى مصادرها وبذلك فسوف نتفادى احتمالات التفسير اللغوي للمعجم الخلدوني.
وسأنقل فصلا مصححا من كتاب ابن الأزرق مول موضوع (الاجتماع البشري) الذي تحدث عنه ابن خلدون في مقدمته لنبين أسلوب ابن الأزرق، وإطاره الفريد في العرض والنقد والتحليل ونقيصه للموضوع على أساس علمي مركز.
                                                                                          ح. س...
المقدمة الأولى للنظر في الملك عقلا وفيه عشرون سابقة، السابقة الأولى في الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم ضروري، ومن ثم قال الحكماء الإنسان مدني بالطبع، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة عندهم ليحفظ به  وجوده وبقاء نوعه إذ لا يمكنه انفراد بتحصيل أسباب معاشه وإعداد ما يدفع به عن نفسه دون معين من أبناء جنسه فيضطر إلى اجتماع يتكفل له بذلك على أيسر مرام لتتم حكمة إيجاده وغاية ما خلقله.
السابقة الثانية أن من العوارض الطبيعية لهذا الاجتماع أمورا خمسة (البدو) وهو الذي يكون في الضواحي والجبال، وفي الحلل المنتجعة القفار وأطراف الرمال والتغلب الذي غايته الملك بالعصبية القاهرة، والحضر الذي يستقر بالأمصار والمدن والقرى والمداشر اعتصاما بها وتحصنا والمعاش المبتغى به التماس الرزق كسبا وصناعة واكتساب العلوم تعليما وتحصيلا ولما كان الملك مسبوقا بالبدو ومبدأ التغلب ومتأخرا عنه فالمقدم ما سبق طبعا من ذلك.
السابقة الثالثة أن الموجب لانقسام العمران إلى بدو وحضر أن للتعاون مقصدين أحدهما ان يتقرر بحسب الضروري فقط وهذا هو البدو وضروري أن انتحال الفلح فيه يضطر إلى البدو المتسع المسارح للحيوان والمزارع للغرس والزرع وإذ ذاك الفلح فيه والدفء إنما هو بقدر ما يحفظ الحياة خاصة الثاني ان يتجازو إلى الحاجي والتكميلي وهذا هو الحضري لأجل أن التوسع بحصول ما فوق الحاجة يدعو إلى السكون والدعة واختطاط المدن والأمصار وعند ذلك يتزايد الترف فتجيء عوائد الترف ويتكسب بالصنائع والتجارة.
السابقة الرابعة أن تقدم البدو على الحضر كما أنه مادة له ظاهر من وجهين (أحدهما) أن البدو لما اقتصر فيه على الضروري الذي هو أقدم من الحاجي الذي يجوز إليه في الحضر، وكان الضروري أصلا والحاجي فرعا دل ذلك على أن البدو متقدم على الحضر واصل له ومادة. (الثاني) أن العيان شاهد بأن أولية أهل الأمصار في الأكثر إنما هي من أهل البدو عدولا إلى الدعة والترف لما أيسروا وارتشوا وهو يدل على أن ناشئة عن أحوال الحضارة ثانية عن أحوال البداوة.
السابقة الخامسة أن أهل البدو أقرب إلى الخير من الحضر بوجهين أحدهما النفس متى بقيت على الفطرة الأولى تهيأت لقبول ما يرد عليها من خير أو شر، والبدو أقرب إليها من الحضر لما انطبع في نفوسهم من سوء المنكات بعوائد الحضارة وحينئذ فعلاج أهل البدو أسهل وهو معنى أنهم أقرب إلى الخير، الثاني أن الحضارة كما يرد بعد أن شاء الله هي النهاية في إكمال العمران الخارج به إلى الفساد والغاية في الشر البعيد عن الخير ومن سلم عن ذلك فلا خفاء في قربه من الخير قلت ومع ذلك فللحضري من الفضل على البدوي ما لا يخفى وإنما هذا باعتبار ما يعرض من الشر بالقصد الثاني.
السابقة السادسة أن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر لأن تعود أهل الحضر لما نشئوا عليه من الانغماس في النعم والاعتماد في المدافعة على النفس والمال على الولاة والحماة صار لهم كالخلق الطبيعي حتى تنزلوا به منزلة النسوان والولدان وأصبحوا لأجله عالة على من وكلوا إليه أمرهم، وأهل البدو لتوحشهم وانفرادهم عن الحامية قائمون بالدفاع عن أنفسهم لا يكلونه إلى غيرهم أدلالا بالبأس ووثوقا بالشجاعة إذ قد صار لهم ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه فالذي ألفه حتى صار له خلقا وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة والله يخلق ما يشاء).
السابقة السابعة أن معاناة أهل الحضر للأحكام مفسد للبأس وذاهب بالمنعة لأن الغالب أن الإنسان إنما هو في ملكة غيره والأمراء المالكون لأمر الناس قليل ما هم وحينئذ فأحكام هذه الملكة أنواع (أحدها) العادلة التي يعاني منها جور وهذه لا تغير ما في النفس من شجاعة وجبن أو وثوقا بالعدل الوازع وإدلالا، (الثاني) القاهرة التي يعاني بها شدة سطوة وهذه كاسرة من سورة البأس وذاهبة بقوة المنعة لما ينشأ عن ذلك من التكاسل في النفس المقهورة (الثالثة) الجائزة بالعقاب المؤلم وهذه بلا شك مذهبة للبأس جملة لأن وقوعه به ولم يدافع عن نفسه يكسبه الذل الذي لا يرفع به رأسا، الرابع التعليمية التي أخذ بها من عهد الصبا تأديبا وتقويما وهي تؤثر في ذلك بعض الشيء لمرباه على المخالفة والانقياد (برهان وجود) قال ابن خلدون (ولهذا تجد المتوحشين من بدو العرب أشد بأسا ممن تأخذه الأحكام والذين يعانون وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في صناعة أن علم أو ديانة ينقص ينقص ذلك من بأسهم كثيرا (قال) وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والأخذ عن المشائح والأيمة الممارسين للتعليم والتأديب في مجالس الوقار والهيبة (اعتذار) قال يستنكر ذهاب ذلك بالبأس والمنعة بما وقع في الصحابة رضي الله عنهم من أخذهم بأحكام الدين ولم ينقص ذلك من بأسهم بل كانوا أشد الناس بأسا لأن وازعهم إنما كان من أنفسهم لا بتعليم صناعة ولا تأديب تعليمي إنما هي أحكام الدين وآدابه المتلقاة نقلا أخذوا بها أنفسهم لما رسخ فيها من عقائد الإيمان فبقيت سورة بأسهم على أولها ولم تخدش فيها أظفار التأديب والحكم.
السابقة الثامنة أن سكنى البداوة لا يتم إلا للقبائل ذي العصبية وذلك لأن الظلم واقع من النفوس البشرية بالطبع الآن أن يصد عنه وازع عند ذلك فالوازع عن الظلم في الحضر إنما هو السلطان القاهر بالدولة الغالبة وفي البدو أما في أحيائه بالمشائخ والكبراء لما وقر لهم في النفوس من الوقار والتجلة، وأما في جعله قائما يذوذ عنها من خارج حامية الحي وشجعانه ولا يصدق ذلك إلا إذا كانوا ذوي عصبية مشتبكة. وأهب تشيع واحد، وحينئذ تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم لما جبل في القلوب من الشفقة والنعرة على ذوي الرحم والقرابة، ومن ثم قال إخوة يوسف عليه السلام لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون، والمفترقون في النسب قل أن يجد أحد منهم نعرة على صاحبه يوم الكفاح على حد ما هي من ذوي الأرحام فلا يقدرون لذلك على سكنى القفر، وإلا كانوا فريسة من سواهم (تمهيد) قال ابن خلدون: (وإذا تبين ذلك في السكنى المفتقرة إلى المدافعة فبمثنه يتبين في كل أمر يحمل الناس عليه من نبوة أو إقامة ملك أو دعوة إذ لا يتم بلوغ الغرض من ذلك إلا بالقتال لما في طباع البشر من الاستعصاء ولابد في القتال من العصبية كما تقرر)، قال (فاتخذه إماما تقتد به).
السابقة التاسعة استدل على الاعتبار بطهوره في مواضع أحدها المدح والثناء بقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم إشارة لبلوغ الغاية من المجد الثاني العقوبة والؤاخذة ففي التوراة أن معناه أن ربك طابق غثور مطالب بذنوب الآبار لنبنين على الثوالث وعلى الروابع قال هذا يدل على أن قديما وحديثا في كتاب الأغاني في أخبار عويف الغواني إن كسرى قال للنعمان هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة قال نعم قال بأي شيء قال من كانت له ثلاثة اباء متوالية رؤوسا اتصل بذلك بكمال الرابع فالبيت من قبيلة وتمام الخير مذكور حيث أشير إليه.
السابقة التاسعة أن العصبية لا تحصل إلا بالتحام النسب أو ما في معناه أما بالنسب فلان من صلة الرحم الطبيعية في البشر غالبا نعرة ذوي القربى بعضهم على بعض حتى لا ينالهم ضيم أو هلكة فإذا قرب النسب وصلت به وصلة الالتحام استدعي لمجرد أقصى مقدور عليه في التناصر ومتى بعد بعض الشيء كفى في الحمل عليه ما هو مشهور منه قرارا من الفضاضة المتوهمة من هضم من يشارك في النسب بوجه، واما بالذي في معناه فكالولاء والحلف لأن الأنفة اللاحقة للنفس من اهتضام جار أو قريب أو نسب بوجه ما تحمل على النعرة على أهل الولاء والحلف حتما (فائدة حكمية) قال ابن خلدون (ومن هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن النسب فائدته الالتحام والوصلة التي بها المناصرة والنعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وذهبت لاحقيقة له ونفعه ان ظهرت فائدة حمل النعرة الطبيعية وان استفيد من الخبر فحسب ضعف ذلك الوهم وذهبت فائدته وصار الشغل به مجانا، ومن أعمال اللهو المنهي عنه ومن ثم قيل النسب علم لا ينفع وجها آلة لا تضر أي أن النسب إذا خرج عن الموضوع وصار من قبل العلوم ذهبت فائدتها لوهم فيه وانتفت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلا منفعة فيه حينئذ والله أعلم انتهى باختصار.
السابقة العاشرة أن الرياسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم بوجهين (أحدهما) أن الرياسة لا بد فيها م التغلب الموقوف على العصبية وذلك يوجب أن تغلب عصبيتها سائر العصائب وحينئذ تسلم لصاحبها (الثاني) انها لا تكون إلا في منبت واحد تعين له التغلب بالعصبية القاهرة وعند ذلك فالساقط في غير نسبه لا تحصل له رياسة على أهل العصبية لفقد العصبية أولا وعدم إرثها ثانيا (غفلة) قال ابن خلدون (وقد يتشرف كثير من الرؤساء على القبائل إلى أنساب ينزعوه إليها لفضلها ويتورطون بالدعوة في شعوبها ولا يعملون ما يوفقون فيه أنفسهم من القدح في رياستهم والطعن في شرفهم هو كثير من الناس لهذا العهد كادعاء زناتة جملة أنهم من العرب وادعاء بني زيان ملوك بني عبد الوادي أهم من ولد القاسم بن إدريس قال: الملك إنما كان بعصبيتهم لا بادعاء علوية ولا عباسية وإنما يحمل على هذا المتقربون إلى الملوك بمنازعهم ويشتهر حتى يبعد عن الرد (قلت) وإلى الآن ما زال ذلك يدعى لهم (انصاف) قال ولقد بلغني عن يغمر أسرى بني ريان موثل سلطانهم أنه لما قيل له ذلك أنكره وقال بلغته الزناتية أما الملك فنلناه بسيوفنا لا بهذا النسب وأما نفعه في الآخرة فمردود إلى الله وأعرض عن المتقرب إليه بذلك.
السابقة الحادية عشرة أن شرف البيت بالإحالة والحقيقة إنما هو لأهل العصبية واما لغيرهم فبالمجازاة (بيان) الأول ان الشرف إنما هو بالحلال ومعنى البيت عدد أشراف الآباء المعظم بهم من له عليه ولادة لشرفهم بالخلال وحينئذ فهو راجع إلى النسب، وقد تقدم أن فائدته إنما هي العصبية ومتى كانت مرهوبة مع زكاء المنبت وتلك الفائدة أوضح وتعديد أشراف الآباء يزيدها رسوخا فيكون الحسب به أصيلا (بيان) الثاني أن فاقد هذه الثمرة من أهل الأمصار ظاهر فيه أنه لا يبيت له إلا بالمجاز من أهل الأمصار ظاهر فيه أنه لا يبيت له إلا بالمجاز وأن توهمه يزخرف من الدعاوى، لأن حسبه إنما يعد ما له من سلف في خلال الخير مع الركون إلى العافية وهو مغابر لسر العصبية التي هي ثمرة النسب وتعديد الآباء وحينئذ فهو حسب بالمجاز لعلاقة تعديد الآباء المتعاقبين عن طريقة واحدة من الخير وليس حسبا بالحقيقة وعلى الإطلاق (تنبيه) قال وقد يكون للبيت شرف أول بالعصبية والخلال ثم يتسلخون منه لذهابها بالحضارة ويختلطون بالغمار ويبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب وليسوا من ذلك في شيء لذهاب العصبية مجملة وكثير من أهل الأمصار والناشئين في بيوت العرب والعجم لأول عهدهم موسومون بذلك قال وأكثر ما رسخ الوسواس في ذلك لبني إسرائيل لما سبق لهم من شرف البيت بتعديد الأنبياء والرسل ثم بالعصبية والملك الذي وعدوا به وبعد انسلاخهم عن جميع ذلك وضرب الذلة وانفرادهم بالاستعباد آلافا من السنين ما زال هذا الوسواس مصاحبا فيقولون هذا هاروني أمي من قبيل يوشع أو من سبط كذا مع ذهاب ما أوجب ذلك أولا ورسوخ ما عفا بعد على أثره قال وكثير من أهل الأمصار وغيرهم المنقطعين في أنسابهم عن العصبية يذهب إلى هذا الهذيان (غلطة) قال وقد غلط ابن رشد في هذا لما ذكر الحسب في كتابه الخطابة من تلخيص كتب أرسطو فقال والحسب أن يكون من قوم قديم نزلهم بالمدينة وليت شعري ما الذي ينفعه قدم نزولهم إن لم يكن له عصابة يرهب بها جانبه ويحمل غيرهم على القبول منه لأنه أطلق الحسب على تعديد الآباء فقط، مع أن الخطابة إنما هي استمالة من تؤثر استمالته وهم أهل الحل والعقد وأما من لا قدرة له البتة فلا يلتفت إليه ولا يقدر على استمالة أحد، قال إلا أن ابن رشد ربي في جيل وبلد لم يمارسوا العصبية ولا أنسوا أحوالها فبقي في أمر البيت والحسب على الأمر المشهور عن تعديد الآباء على الإطلاق ولم يراجع فيه حقيقة العصبية وسرها في الخليقة والله بكل شيء عليم، انتهى.
السابقة الثانية عشر أن البيت والشرف للموالي والمصطنعين إنما هو بمواليهم لا بأنسابهم لما سبق أن الشرف بالحقيقة إنما هو لأهل العصبية فمتى اصطنعوا أو استرقوا أو حالفوا من ليس منهم والتحم بهم ضرب فيهم نسبهم في تلك العصبية وليس جلدتها كأنها عصبية وحصل من الانتظام في سلكها مساهمة في نسبها وحينئذ فنسب ولادته غير نافع له فيها لمباينتها لنسبه وفقدان عصبيتها لذهاب سرها عند التحاقه بهذا النسب الآخر، فإذا تعدد له الآباء في هذه العصبية كان له بينهم شرف وبيت على نسبة ولائه واصطناعه لا يتجاوزه إلى شرفهم بل أن يكون أدون منهم على كل حال (اعتبار) قال ابن خلدون وهذا شأن الموالي والخدمة إنما يشرفون بالرسوخ في ولاء الدولة وخدمتها وتعدد الآباء في ولايتها كموالي الأتراك في دولة بني العباس وبني برمك وبني نوبخت أدركوا البيت والشرف وبنوا المجد والأصالة بالرسوخ في ولاء الدولة لا ينسب ولادتهم لاضمحاله ولغو اعتباره، وحينئذ فالاعتداد به وهم توسوس به النفوس الطامحة ولا حقيقة له قال والوجود شاهد لذلك وأكرمكم عند الله أتقاكم.
السابقة الثالثة عشرة، أن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء وبيانه أن العيان شاهد بأن العالم العنصري بما فيه من ذوات وأحوال كائن فاسد والحسب من العوارض الإنسانية فهو كائن فاسد بلا شك ولا يوجد لأحد من الخليقة شرف متصل في آبائه من لدن آدم إليه إلا ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم كرامة وحياطة على شرفه وأول كل شرف خارجي أي عدمه سابق عليه وكذا يلحقه بعد الوجود شأن كل محدث وعند ذلك فتلك النهاية فيه لأن باني المجد هي سبب إدراكه وابنه من بعده مباشر له وأخذ عنه إلا أنه مقصر في ذلك تقصير من لم يعان فإذا جاء الثالث كان حظه التقليد فقط فقصر عن الثاني تقصير المقلد عن المجتهد فإذا الرابع قصر عن طريقهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم وتوهم أن ذلك لم يكن بمعاناة ولا تكلف وإنما وجب لهم منذ أول النشأة بمجرد النسب خاصة فيربي بنفسه عن أهل عصبيته ويرى الفضل عليهم وثوقا بما ربي فيه من استتباعهم وجهلا بما وجب ذلك من الخلال التي منها التواضع الآخذ بمجامع القلوب وإذ ذاك ينتفضوه عنه ويديلون منه شواء من فروع منتبه في غير ذلك العقب فينهدم بناء بيت لا محالة هذا في الملوك وأما في بيوت القبائل وذوي العصبية ثم في بيوت أهل الأمصار فكذلك إذا انحطت بيوت نشأت أخرى من ذلك النسب، إن يشأ يذهبهم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز. (تنبيه) قال واشتراط أربعة في الأنساب إنما هو في الغالب فقد يندثر البيت من دون ذلك ويتلاشي وقد يتصل إلى الخامس والسادس إلا أنه في انحطاط وذهاب، قال واعتبار الأربعة من قبيل بان ومباشر ومقلد وهادم وهو أقل ما يمكن (استظهار) استدل على هذا الاعتبار بظهوره في مواضع (أحدها) المدح والثناء بقوله عليه السلام إنما الكريم بن الكريم إلخ.. الحديث إشارة لبلوغ الغاية من الجد (الثاني) العقوبة والمواخذة ففي التوراة ما معناه انا الله ربكم سابق غيور مطالب بذنوب الآباء على الثوالث وعلى الروابع قال وهذا يدل على أن الأربعة غاية في الحسب (الثالث) تسليم الشرف قديما وحديثا فمن كتاب الأغاني أن كسرى قال للنعمان هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلتين قال نعم قال فبأي شيء قال من كان له ثلاثة آباء متواليات رؤساء ثم اتصل ذلك بكمال الرابع فالبيت من قبيلته وتمام الخير مذكور حيث أشير إليه.
السابقة الرابعة عشرة، ان الأمم الوحشية أقدر على التغلب لأن الشجاعة لما تمكن فيهم، بسبب البداوة كما تقدم فهم لذلك أقدرعلى التغلب وأقوى على انتزاع ما بيد سواهم وحينئذ فمن كان منهم أعرق في البداوة وأرسخ في خلق التوحش فهو إلى ذلك أقرب ومراميه عليه أيسر، ومن نزل منهم الأرياف وألف عوائد خصبها نقص من شجاعته بقدر ما بعد عن توحشه (اعتبار بالخليقة) قال ابن خلدون واعتبر ذلك في الحيوانات العجم بدواجن الظباء وحمر الوحش وبقره، إذ زال توحشها بمخالطة الآدمي وأخصب عيشها اختلف حالها في الانتهاض والشدة في مشيها وحسن أديمها، وكذا الآدمي في المتوحش إذا أنس وألف (برهان وجودي) قال وانظر في ذلك شأن مضر من قبلهم من حمير وكهلان السابقين للملك والنعيم مع ربيع المستوطنين أرياف العراق ونعيمه لم بقيت مضر بداوتهم، وتقدمهم الآخرون إلى خصب العيش ونضارة النعيم كيف أرهقت البداوة وحدهم في التغلب فغلبوهم على باقي أيديهم وانتزعوه منهم قال وكذا كل حي من العرب يلي نعيما وعيشا خصبيا دون الحي الآخر فالمصاحب لبداوته أغلب له وأقدر عليه إذا تكافأ بالقدرة والعدد سنة الله في خلقه.
السابقة الخامسة عشرة أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط لأن من طبيعة توحشهم نهب ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر ثم فرارهم به إلى منتجعهم بالقفر ولا قصد لهم في المحاربة إلا عند الدفاع بها عن أنفسهم وعند ذلك فكل صعب عليهم من المعاقل والهضاب فهم تاركون ما سهل من البسائط والبطاح فلا يزالون يرددون عليها الغارة خصوصا عند فقدان حاميتها حتى يصير أهلها كالمستعبدين لهم إلى أن ينقرض عمرانها بسوء الملكة وفساد النظام.
السابقة السادسة عشرة، أنهم إذا تغلبوا على الأوطان أسرع إليها الخراب وذلك لأن طبيعة توحشهم منافرة للعمران من وجوه (أحدها) أن استحكام عوائده صار لهم خلقا موافقا لأهدافهم لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم المراعاة للسياسة ومنافاة ذلك للعمران واضحة (الثاني) ان غاية الأحوال العادية عندهم إنما هو الرحلة والتغلب، فالحجر والخشب حاجتهم إليه نصب واتخاذ الأعمدة والأوتاد للخيام والبيوت، فلا جرم يخربون عليهم المباني والسقف كذلك، وكل ذلك مناف للعمران الذي لا يكون إلا بالسكان والمباني، (الثالث) من طبيعتهم انتهاب ما بين الناس كما تقدم ولا حد لهم في ذلك يقفون عنده بل كل ما تمتد إليه أعينهم فهم منتهبون وذلك مبطل لحفظ المال ومؤدي لخراب العمران (الرابع) أهم يكلفون على أهل الصنائع والحرف أعمالا لا يرون لها قيمة ولا استحقاق عوض وفسادها بذلك يقبض اليد عنها ويضعف الأمل في المكاسب فيفسد العمران لا محالة، (الخامس) أنهم لا عناية لهم بالأحكام الواجبة شرعا وسياسة بل إذا توصلوا إلى أخذ المال نهبا أو مغرما أو عرضا عن عقوبة بجريمة كفاهم ذلك عن النظر فيما يصلح الخلق جلبا ودفعا ومصيرا لعمران بذلك إلى الخراب لا يخفى. (السادس) أن تنافسهم في الرياسة حتى بين الأب والابن يؤدي إلى تعدد الأحكام واختلاف أيدي الأمراء على الرعية جباية وحكما، وذلك موجب لفساد العمران (يحكى) أن أعرابيا وفد على عبد الملك فسأله عن الحجاج فقال مخبرا عنه تركته يظلم وحده (قلت) وقد اعتذر بذلك من تلك الجهة ضد الدولة فيروي أن رسول ملك غزة لما انصرف عنه قال له ماذا أقول لأخيك قال قل آه جئت من عند سلطان يظلم وحده (عاطفة اعتبار) قال ابن خلدون انظر إلى ما تقلبوا عليه من أول الخليقة كيف خرب عمرانه وبدلت فيه الأرض بغير الأرض، فاليمن قرارهم خرب إلا قليلا، وعرق العرب كذلك، والشام لهذا العهد كذلك، وإفريقيا والمغرب لما أجاز إليهما بنو هلال وبنو سليم عند المائة الخامسة قد لحقا بذلك وعادت بسائطها خرابا بعد أن كان ما بين السودان والبحر الرومي عمرانا والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
السابقة السابعة عشرة: أن البوادي من القبائل والعصائب مغلوبون لأهل الأمصار ما لم يحصل لهم عليها غلب ولا ملك وذلك لاحتياجهم بالطبع للحضر في أمرين، أحدهما ضروري ما لا بد منه في المعاش مما هو معدوم عندهم أو غير واف بالمقصود وأهمه الصنائع التي هي مادة الفلح الموجود لديهم كالتجارة والحدادة وشبه ذلك، الثاني ثمن ما لديهم مثمونه من غلة زرع أو عين حيوان أو فضلته مما يحتاج إليه أهل الأمصار وهو الدينار والدرهم المفقودان في البدو ولكن حاجتهم إلى الأمصار في يهم ضروري، وحاجة أهلها إليهم فن حاجي أو تكميلي (مزيد ثمرة) لا خفاء أن هذا الاجتماع ناشئ عن بعض العمران البدوي عن الحضري والكامل رئيس الناقص فمن تمجد لبادية منصرفين في مصالح الحضر وطاعتهم متى دعوا إلى ذلك وطلبوا به (قال ابن خلدون) فإن كان في المصر ملك كانت طاعتهم لغلبة الملك وإلا فلابد فيه من رياسة وإلا انتقض عمرانه وذلك الرئيس يحملهم على طاعته دوما يبذل المال لهم على أن يبيح لهم ما يحتاجون إليه في عصره فيستقيم عمرانهم، أو حتى كرها إن تمت قدرته على ذلك ولو بالتضريب بينهم حتى يصل له جانب منهم يغالب به الباقين فيضطر الآخرون إلى طاعتهم بما يتوقعون لذلك من فساد عمرانهم وربما لا يسعهم التحول عن تلك النواحي لعمران كل الجهات بمن غلب عليها ومنعها عن غيره وحينئذ فلا ملجأ لهم إلا طاعة المصر فهم بالضرورة مغلبون لأهل الأمصار والله القاهر فوق عباده.
السابقة الثامنة عشرة: أن الصريح من النسب إما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم لأن مقامهم بالقفر الذي دعاهم إلى التوحش فيه قيامهم على الإبل مانع لمن سواهم من النزوع إليهم منضما لما فيه من بكد لعيش وشظف الحال فيومن عليهم بذلك من اختلاط النسب وفساده فلا يزال فيهم صريحا محفوظا (اعتبار) قال واعتبر ذلك في مصر من قريش وكنانة وثقيف وبني أسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة لما كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع ولا ضرع كانت أنسابهم صريحة لم يدخلها اختلاط ولا عرف فيها ثوب والعرب الذين كانوا بالتلول في معادن الخصب من حمير وكهلان كلخم وجذام وغسان وطي وقضاعة واياد اختلطت أنسابهم وتداخلت شعوبهم ففي كل واحد من بيوتهم من الخلاف ما قد علمت وإنما جاءهم ذلك من قبل مخالطة العجم لإهمالهم بالمحافظة على النسب قال عمر رضي الله عنه تعلموا النسب ولا تكونوا كنيط السواد إذا سئل أحد عن أصله قال من قرية كذا (تعريف) قال وقد كان وقع في صدر الإسلام الانتماء إلى المواطن فيقال جند قنسرين جند دمشق، وانتقل ذلك إلى الأندلس ولم يكن لاطراح أمر النسب بل في اختصاصهم بالمواطن بعد الفتح حين عرفوا بها وصارت علاقة زائدة على النسب يتميزون بها عند الأمراء ثم وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم، وفقدت الأنساب بالجملة، وفقدت ثمرتها من العصبية فأطرحت ثم تلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبية بدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان والله وارث الأرض ومن عليها.
السابقة التاسعة عشرة: ان اختلاف الأنساب يقع بسقوط بعض من أهلها إلى نسب آخر لنزوع إليهم أو حلف أو ولاء أو بفرار من قومه لجناية أصحابها فيدعى نسبهم ويعد منهم في ثمرته من النعرة والقود وحمل الديات وغير ذلك ومتى وجدت ثمرة النسب فكأنه وجد لاسيما والنسب الاول قد يتناسى بطول الزمان وذهاب أهل العلم به فيخفى على الأكثرين.
(شهادة واقع قال ومازالت الأنساب تسقط من شعب إلى شعب ويلتحم قوم بآخرين في الجاهلية والإسلام والعرب والعجم قال ومنه شاب بجيلة في عرفجة بن هرثمة لما ولاه عمر رضي الله عنه فسألوه الأعضاء منه وقالوا هو فينا نزيف أي دخيل ولصيق، وطلبوا أن يولي عليهم جريرا فسأله عمر رضي الله عن ذلك فقال عرفجة صدقوا يا أمير المومنين أنا رجل من الازد أصبت دما في قومي ولحقت بهم (قال) وانظر منه كيف اختلط عرجفة بجيلة ولبس جلدهم حتى ترشح للرياسة عليهم لولا علم بعضهم بوشائجه ولو غفلوا عن ذلك وامتد الزمان لتنوسي بالجملة، وعد منهم بكل وجه فأفهمه واعتبر سر الله في خليقته ومثل هذا كثير لهذا العهد ولما قبله.
السابقة العشرون: ان جيل العرب في الخليقة طبيي وبيانه أن المعاش الطبيعي الذي اقتصر أهل البدو على الضروري منه أصناف ثلاثة.
أحدهما الزراعة والمقام لأجلها ولو في الغيران والكهوف أولى من الظعن فضلا عن سكنى المداشر والقرى كما عليه عامة البربر والأعاجم.
الثاني: سائمة الغنم والبقر والظعن لارتياد مسارحها ومواردها أولى من المقام وأربابها يسمون شاوية.
أي قائمون على الشاة والبقر ولا يبعدون في القفر إذ لا مسارح فيه طيبة وهم التركي والصقالبة.
الثالث: الإبل والظعن لأجلها أبعد في القفر مجالا لعدم استغنائها في قوام حياتها عن مراعي شجرة وموارد مياهه وطلب مضامن انتاجها في رمانه فأهلها لذلك ولما قد يدعوهم إليه منع الحامية من التلول يضطرون إلى التوغل في القفار ابعادا في النجعة ونفرة عن النصفة فيشتد توحشهم وينزلون من الحواضر منزلة الحيوان المفترس والوحش غير المقدور عليه.
(تعيين) قال وهؤلاء العرب وفي معناهم ظواعن البربر وزناتة بالمغرب والأكراد والتركمان بالمشرق. قال إلا أن العرب أبعد نجعة وأشد بداوة لاختصاصها بالقيام على الإبل فقط وهؤلاء يقومون عليها وعلى الشاة والبقر وبه يتبين أن جيل العرب طبيعي لا بد منه...
وبعد فهذه صفحات من كتاب بدائع السلك في نظام الملك لابن الأزرق قدمتها للقارئ الكريم لأول مرة عسى أن يجد فيها متعة الظفر بالدراسة الخلدونية في أواخر القرن الثامن، أي في القرن الذي عاش فيه ابن خلدون فليس بين الكاتبين قدر فواقي ناقة بالنسبة لتاريخ العصور... ولست أشك أن القارئ يسجد في هذه الصفحات من عمق الفكر وجمال الأسلوب وقوة الاطلاع ولباقة النقد ما يجعل ابن الأزرق خليقا بمكانته العظيمة في تاريخ الفكر الأندلسي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here