islamaumaroc

الريحان والريعان لأبي القاسم محمود بن خيرة المواعيني الإشبيلي -1-

  دعوة الحق

العددان 133 و134

عندما أخذ العلماء بالتأليف في اللغة العربية وآدابها، بدأوا بالمباحث اللغوية منها فألفوا كتبا في الألفاظ اللغوية التي تستعمل حين الحديث عن نوع من الكائنات كالإنسان أو الحيوان أو النبات أو الظواهر الطبيعية، وذلك ككتب خلق الإنسان وتسمية أعضائه وكتب الخيل والإبل والشاء، والشجر والنبات، والأنواء والسحاب والمطر إلى غير ذلك من المؤلفات التي وضعها العلماء المتقدمون من أمثال الأصمعي وأبي حنيفة الدينوري وأبي عبيدة معمر بن المثنى وأبي عمرو الشيباني وغيرهم في القرنين الثاني والثالث.
ثم رأى العلماء أن يضيفوا إلى هذه المؤلفات بعض المباحث النحوية والطرائف الأدبية إلى جانب ألفاظ اللغة، فكان أن ألف محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي المعروف بالمبرد كتابه المعروف بالكامل، وجمعت مجالس أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب في الكتاب المعروف بمجالس ثعلب، كما صحب ذلك التأليف في الكتب التي تتميز بالطرائف والنوادر الأدبية وبمختارات من أقوال البلغاء ككتب الجاحظ وابن قتيبة وغيرهما، كل ذلك بهدف تعليم الناشئة والمتأدبين أصول الأدب وتبصرهم بفنون الكتابة بما أثر عن العرب من اللغة الصحيحة وبديع القول ورائع الحكمة.
والواقع أن العلماء المسلمين قد اهتموا بتثقيف الناشئة وتربيتها وتوجيهها اهتماما كبيرا، وكثير جدا من تراثنا العربي مؤلف لهذه الغاية وإن لم يذكر فيه هذا صراحة. على أن بعض العلماء وجه كتبه إلى المربين والناشئة وعنونها باسمهم وذلك كما فعل المحدث الكبير ابن حجر العسقلاني في كتابه «تحرير المقال في آداب وأحكام وفوائد يحتاج إليها مؤدبو الأطفال(1)»، وكما فعل الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الشهير «أيها الولد»، والإمام أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي حين ألف لابنه كتابه المعروف «ألف با للألبا» (2)، ومحمد عاقل ابن محمد كاشف البخاري في كتابه «إرشاد الولد لما يلزم لكل أحد» (3)، وغير ذلك من المؤلفات التي تمتلئ بالعاطفة الحانية نحو النشء والتي وضع العلماء فيها خلاصة تجاربهم الطويلة وتأملاتهم العميقة في الحياة، وقراءاتهم الجادة والطريفة في أسلوب سهل بقصد تثقيفها وإرشادها إلى ما يجب أن تقرأه من عيون الأدب وروائع الفكر.
من هذه الكتب، هذا الكتاب الذي وصفه الصلاح الصفدي بأنه ممتع، والذي سماه مؤلفه «ريحان الألباب وريعان الشباب في مراتب الآداب»
أما المؤلف فهو أبو القاسم محمد بن إبراهيم بن خيرة المواعيني الإشبيلي المتوفى سنة 564 ه، ولسنا نعرف الكثير عن حياته، وخلاصة ما في المراجع عنه أنه كان من أعيان إشبيلية، وقد سما بفضله وسمو فرعه على أصله وارتقى إلى أن كتب عن ملك إشبيلية السيد أبي حفص الموحدي، وعلى ما يبدو فلقد صنف هذا الكتاب للأمير أبي يعقوب ابن أمير المؤمنين أبي حفص الذي كان فتى تحت رعايته يقوم عل تأديبه وأودع فيه ما يجب على الشباب أن يتعلمه من بديع النظم ورائع النثر وبليغ الخطب ومأثور الحكمة إلى جانب طرف من علم العربية وجانب من علم الأنساب وغير ذلك مما لا غنى عنه للشباب في مقتبل عمره.
ونرى المؤلف في مقدمة كتابه والباب الأول منه يلخص المفاهيم الكلية للتربية التي استقر عليها علماء المسلمين، فهو يعرض لحديث الرسول الكريم صلوات الله عليه: «مثل الذي يتعلم في صغره كالنقش على الصخر، والذي يتعلم في كبره كالذي يكتب على الماء»، فيشرح الحديث مبينا لم كان التعليم في الصغر له هذا الأثر فيقول: لأن قلوب الصغار أفرغ ونفوسهم أخوف وتدريجهم أمكن والتحكم عليهم ألزم، ويستشهد على ذلك بقول الأحنف: الكبير أكبر عقلا ولكنه أشغل قلبا.
ثم يذكر في مكان آخر الذي يختاره في الوسيلة إلى تربية النشء وتهذيبه، وهو الرفق والتدريج دون الغلظة والتعنيف إلا لضرورة، ويشرح ذلك بقوله: فالتدريج في أصل الوضع وسوس الطبع، وعلى هذا فيجب أن نسر باللمحة الدالة على فهم الطفل ونزيده عليها تشجيعا ويعجبه في هذا قول أحدهم:
سدد مرامي الطفل في شأنه        بلفظة تشدد بها أزره
واغتنم اللمحة من فهمه            إن المبادئ أبدا نزره
وعلى العكس من ذلك لا يميل إلى الأخذ برأي أبي العلاء المعري في قوله:
اضرب وليدك وادللـه على رشد     ولا تقل هو طفل غير محتلم
فرب شق برأس جر منفعة            وقس على نفس شق الرأس للقلم
فربما كان ذلك قياس مع الفارق. وفي رأي المؤلف أن المعلم يجب أن يكون القدوة أمام أعين تلاميذه، وهو إن أراد النصيحة الخالصة التي تقربه من قلوبهم، وتأخذ بيده إلى هدفه فلن يجد خيرا من هذه الكلمات التي وجهها عتبة بن أبي سفيان إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب ولده حين قال له:
«ليكن أول ما تبدأ به في إصلاح بنيك إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت، علمهم كتاب الله ولا تكرهم عليه فيملوه ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روهم من الشعر أعفه ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام متى اتسع مضلة للفهم، وعلمهم سير الحكام وأخلاق الأدباء».
ثم يستطرد إلى نصيحة الرشيد لمؤدب ولده حين قال له:
«.. أقرئه القرآن وعرفه الآثار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره مواقع الكلام وامنعه الضحك إلا في أوقاته، ولا تمرر عليه ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيدها إياه من غير أن يحزن بها فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستملي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة، وبالله توفيقكما».
أما العلوم التي يجب أن يتعلمها الطفل، فإن أول ما يجب أن يبدأ به هو القرآن الكريم، فهو «مبدأ العلم وتمامه وفرعه وأصله، وافتتاحه ومآله، وهو أول مجهول وآخر معلوم، وإنما علمه الولدان أولا وهجم بهم عليه سابقا لأنه المراد والمقصد والمراد الذي إليه يصمد».
وهو يقول إن تعلمه في الأغلب يجبر الولدان على التزامه، بمعنى أنه مهما نسيه فسيظل مستقرا في قرارة نفسه يهديه ويرشده ويسدد خطاه دون إرادة منه إلى الطريق القويم والنهج الصالح المستقيم.
ومن القرآن الكريم تأتي سائر العلوم، فإن الناشئ وقد تلا المنزل وحفظ النص يحتاج إلى أن يجود مخارج الحروف وينطق بحقيقة تقطيع الألفاظ، فإذا به قد شرع في علم القراءات، ثم يحتاج إلى أن يضبط حروفه وكلماته بالإعراب ويعرف بالقانون المطرد بالأمثلة حقيقة الصواب.. فإذا به قد نظر في علم النحو، ثم يحتاج أن يعلم معاني ألفاظه التي لم يدركها بطبعه ولا بلغة بلده.. فإذا به قد أخذ في علم اللغة، ثم يحتاج أن يعلم أسباب تلك الآيات وقصصها وناسخها ومنسوخها فإذا به قد دخل في علم التفسير، ثم يحتاج أن يعلم ما فيها من أحكام الشريعة المتعبد بها والحدود المنزلة التي لا يتعداها فإذا به قد تغلغل في علم الفقهاء والمستنبطين، ثم يحتاج أن يتعرف الأصول التي تنبعث عنها فروع الديانة ويجمع بين المتغايرات والمتعارضات من ظاهر المخاطبة فإذا به قد تبحر في علوم الأصوليين والنظارين.
أما العلوم الدنيوية الأخرى فلقد حث الله تعالى على تعلمها، وكيف لا وقد قال عز ذكره: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء)  [الأنعام: 38] ثم إن أفعال الله في ملكه هي التي سببت تلك العلوم وأوجدتها.
أما الحساب فإن الفرائض المنزلة لا يتوصل إليها إلا به، ولقد حث الله على تعلمه وورد ذكره في أكثر من آية، قال تعالى: « (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) [الإسراء: 12]، وقال عز وجل: «(فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا)‏ [الأنعام: 96]، وقال تعالى (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) [الرحمن: 5]، وقال تعالى: «(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ...) [يس: 39]، ومنه يتعلق إلى علم النجوم.. الخ.
أما الطب فمنصوص عليه في قوله تعالى عن النحل: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ) [النحل: 69], وعليه مدار الطب.
وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) [الانفطار: 6-7] فتعديل الأعضاء في الباطن والظاهر فيه فهم التشريح.
أما الموسيقى، ففي قصة داود عليه السلام وما أوتي من المزامير إذ يتلو الزبر ومواقعها من أمزجة النفوس بالإضحاك والإبكاء هو الموصوف عن الموسيقى.
وكل هذا من علوم الأولين، والأمر أكبر والعالم أكثر، والله تعالى يقول: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: 76].. ولو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نبي الله موسى إذ قال للعبد الصالح: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)» [الكهف: 66].
وبعد، فهذه نتف من مقدمة الكتاب، أما أبوابه وفصوله فهي حافلة بالنصوص الأدبية المختارة التي تتمثل في عيون من الأدب الأندلسي شعرا ونثرا ورسائل وخطبا، لا يوجد معظمها في مصدر آخر، فضلا عن اختياراته الموفقة من عيون الأدب المشرقي.
ولقد تأنق المؤلف في ترتيب أبوابه، وابتكر أسماء جديدة للأبواب والفصول لم يسبق إليها، ولم ترد بعده حسب ما نعلم في كتاب آخر، وهو يشرح فكرة الكتاب وموضوعاته وأبوابه بقوله:
«هذا كتاب نمقته باجتماع الفكر تنميق القاطف لأزهار البساتين، وروقته من زلال الذكر بالعرف النمير المعين، ومن علق نزهتي النطاف الصافية والجمام، والروض فارق الكمام، وشارف التمام والكمال، فاقتضبت اسمه مما اقتضاه رسمه، فسميته ريحان الألباب وريعان الشباب في مراتب الآداب»، بغيتي فيه ألا أخليه من عيون الفنون التي يستمدها من عني بمزاولة المنثور والموزون، وآتي فيه من كل شيء بسبب من أنواع الأدب والحديث ذو شجون، ومن يستقل بمن اقتصر على أفكاره من الإمعان في دواوين من الآداب عون، إذا ظفر من شوارده وفوائده بحور عين، ووجد منه فيما يحاوله ويتناوله الجد معين، وقسمته على سبعة مراتب رؤوس كتب، تنفصل إلى مراقب ثم إلى ثنايا تطلع من آفاق النجوم الثواقب، فالمرتبة عرض من الكتاب والمرقبة بمثابة الباب، والثنية بمنزلة الفصل، وربما سنحت التفاتة زيادة في الإفادة.
فالمرتبة الأولى: مرتبة تدريج النمو والارتقاء إلى مراقي السمو والاعتلاء.
والثانية: مرتبة لمع من قانون العربية ونبذ من الألفاظ اللغوية.
والثالثة : مرتبة الإبهام بالمعاريض والكلام المحتمل والتعريض.
والرابعة: مرتبة الفصاحة والبلاغة وجامع في لوازم إنشاء الصناعة.
والخامسة: مرتبة نظام القريض وألقاب ميزان العروض.
والسادسة: مرتبة اقتضاب شجرة النسب ومنتهاه من ولد آدم ونوح إلى جذم العرب.
والسابعة: مرتبة اختيار الأشعار والأخبار وما يتعلق بها من مأثور الأحاديث والآثار.
هذا ويقع الكتاب في جزءين، عدتهما مائة وسبع وسبعون ورقة، وثمة نسخة قيمة منه بخط مغربي مضبوط الحركات، كانت في ملك الصلاح الصفدي وعليها تقريظ منه للكتاب، وتوجد في معهد المخطوطات مصورة عن مكتبة الفاتح باستامبول.
والجدير بالذكر أن الكتاب قد لفت أنظار الكثير من الباحثين وصوره عدد منهم، أخص منهم هنا الدكتور إحسان عباس الأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت، والدكتور رضوان الداية المدرس بآداب دمشق، وغيرهما من الباحثين إلا أن واحدا من تلك الجهود لم ير النور بعد، وما زال الكتاب مخطوطا ينتظر النشر.

(1) لم يطبع هذا الكتاب من قبل، وثمة نسخة جيدة منه في معهد المخطوطات
(2) يعاد الآن طبع هذا الكتاب في مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة.
(3) لم يطبع هذا الكتاب، ومنه مخطوطة بمعهد المخطوطات.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here