islamaumaroc

ثقافة.. ودين

  دعوة الحق

العددان 133 و134

سئل أحد الرجال الذين هداهم الله أخيرا إلى اعتناق الإسلام بعد بحث واستقراء لما عرف في هذا الكوكب من ديانات وثقافات.. عن السبب الذي حدا به إلى الإقدام على هذا العمل.. فأجاب على الفور:
انني كنت أبحث عن عقيدة ذات ثقافة.. وفي الوقت نفسه كنت أبحث عن ثقافة ذات عقيدة.. فكانت رحلتي شاقة.. وأتعابي مضنية.. فكم وجدت من ثقافات لا تربطها بالعقائد رابطة.. ولا تجمعها بها جامعة.. وكم  وجدت من عقائد لا تصلها بالثقافات صلة تذكر.. فهي في واد.. وثقافة أهلها في واد ءاخر...
وقد علمتنا التجربة التاريخية ان كل حضارة لم تعمق جذورها في ثقافة ذات عقيدة.. وعقيدة ذات ثقافة.. فإنها تكون في مهب الريح..
ولا يعنينا هنا أن يكون هذا الجواب معبرا صادقا عن واقع هذا الرجل.. ولا يعنينا أيضا أن يكون هذا الجواب صحيحا أو غير صحيح.. وإنما يعنينا أولا وقبل كل شيء أن نعرف أصل الفكرة التي يشير إليها ومقدار عمقها أو سطحيتها...
فالباحث الدارس الذي يستهدف في بحثه النزيه الصلة الوثقى بين الإسلام وثقافته معتتنقيه.. يجد أن الإسلام من حيث هو يتلخص في شيئين اثنين:
دين.. وثقافة.. وكل منهما يعمق في الآخر معاني الخير والطمأنينة من جهة.. ومعاني البحث والفهم والمعرفة من جهة أخرى.. وبذلك تمتد خيوط الصلة بين الدين والمجتمع.. وتقاس أعمال الخير والصلاح والفساد والنفع والضر.. بمقاييس دقيقة تجعل الناس على بينة من أمرهم في كل عمل يربطهم بالآخرين.. كما تجعل الإنسان يسمو في مطامحه الشخصية والاجتماعية عن الأنانية والوصولية والغش والخداع.. لأن عليه رقابة من ضمير شريف...
وإذا كانت نوازع الإنسان متعددة.. يملي بعضها العقل.. بينما يعملي بعضها الآخر القلب والوجدان.. فإن من السخافة والجهل بطبيعة الأشياء.. أن يحاول دين ما .. أو ثقافة ما أن تجعل من الإنسان ذا نوازع عقلية صرفة.. أو ذا نوازع وجدانية صرفة.. في حين أن الإنسان عقل ووجدان...
وهذا ما يشير إليه الجواب الذي قدمناه ءانفا.. حيث أن هذا الرجل الذي هداه الله إلى الدين الحق.. كان يبحث عما يروي ظمأه العقلي.. وظمأه الوجداني في وقت واحد.. ولا شك أن ذلك هو الخط المستقيم الذي يمر عليه كل تفكير مستقيم..
وأخطاء العصر.. ومآسيه.. ومشكلاته.. التي يتخبط فيها الأقوياء والضعفاء.. والمنتصرون والمنهزمون والأثرياء. والبؤساء.. هي نتائج وليست مقدمات.. هي نتائج التنكر لطبيعة الإنسان مفردا.. ومجتمعا.. والتذكر لطبيعة الأشياء في الحسيات والمعنويات.. وحفر هوة عميقة بين عنصري الحيوانية.. والإنسانية.. في بني الإنسان..
فبقدر ما يحقق الإنسان انتصارات علمية.. واختراعات بشرية.. وتقدم يسير.. ويطير بقدر ما يسجل على نفسه في عصر الذرة والصاروخ سخافات وتفاهات وحماقات.. افقدت السعداء سعادتهم.. وضاعفت في الأشقياء شقاوتهم.. ولو كان الإنسان يحقق انتصارات أخرى في الميدان الذي تهيم فيه الأرواح والقلوب.. وتتلوث الأخلاق.. والضمائر.. وتنتهك فيه الحرمات الإنسانية.. لكان بذلك يحفظ توازن الحضارات والثقافات ويضمن استمرار المجتمعات وتسلسل حلقات الحياة.. عبر الزمان والمكان..
ولقد اخطأ الإنسان في ماضيه يوم كان يخرج من وثنية إلى أخرى.. عبد الشمس.. والنار.. والكواكب والأشجار.. والحيوانات.. وقدس الأزمنة والأمكنة.. وهام بعدد من المخلوقات هياما شبيها بالعبادة.. إن لم يكن عينها..
ثم كفر بمعبوداته كلها ونبذها انقلب عليها وءامن بالله.. لأنه أدرك أنه المعبود الحق الذي توحد عبادته بين القلوب.. وتؤلف بين الشعوب.. وتسمو بالإنسانية إلى درجة السمو الممكنة في إطار هذه الحياة..
واليوم يعيد الإنسان سيرته الأولى.. فيعمد إلى المادة.. وإلى المادة وحدها.. ليجعلها علما وعملا.. وثقافة.. وقيمة.. ومقياسا.. وبذلك يجدد عهد الوثنية البغيض...
وعلى العادة.. فيكفر الإنسان بالمادة.. وسيتنكر لها وسينبذها.. أننا ألفنا منه ذلك في تاريخه الطويل.. وسيدرك الإنسان أنه بنى قصورا على الرمال.. وشاد صروحا على الفضاء.. يوم اعتمد على المادة وحدها وجعلها فلكا يدور فيه في كل حركاته وسكناته.. وتنظيماته واستعداداته لأنه بعمله ذاك زرع الخوف.. كما زرع الألم.. وزرع الحقد كما زرع الانحلال..
وإذا صح ما يتنبأ به مفكرو عصرنا فإن مصير الإنسانية بعد عصر الذرة والصاروخ لن يكون إلا إلى الإيمان..!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here