islamaumaroc

نظرة الإسلام إلى المال

  دعوة الحق

142 العدد

كان لابد ان يكون للاسلام مقفه الواضح الفذ من المال قيمة و سلوكا..
اذ ان المال عنصر ضروري في الحياة الانسانية او هو قوام الحياة و دعامة التعامل فيها ، كتعبير القرآن حين قال (( و لا توتوا السفهاء اموالكم التي جعل الله لكم قميا )) (1) .
ونحن هنا لا نحتاج الا الى استقراء موقف القرآن و السنة في تقدير المال و تنظيم العلاقات حوله ، مما يصح ان يسمى بالتوجيه الاجتماعي للمال في المجتمع المسلم و نعرض مع ذلك للمواقف التي تعكس نظرة الاسلام الى المال و توجيهه لاتباعه في ذلك المجال.
والانسان لا ينملك ان ينطلق في مثل هذا العرض دون ان تزحمه ذكريات التاريخ و حقائقه ازاء موقف المجتمعات البشرية من (( الثروة)) و تصرفها في تقديرها و تنظيمها .
فمنذ قام المجتمع الانساني المستقر ، لم يقر لناس قرار و لم يهتدوا الى حل عادل يحقق كفاية الحاجة و ينفي الاستغلال و يسد منافذ الشر . و يقضي على نوازع الاستثتار و الشح ، اذ كان هناك الاقوياء الذين يستحوذون على مصادر الكسب و يستاثرون بالخير ، و كان هناك المسخرون الذين يقنعون من الحياة بجلف الخبز ، و يسيل منهم الدم و العرق في مقابل اجتلاب ضروري القوت ..
و اختلفت حظوظ المجتمعات من الاخلاق الاجتماعية ، و تباينت نظراتها الى الرحمة و الاحسان، و كانت رسالات السماء تقوم بدورها جاهدة في رد الامر الى نصابه و تحقيق التوازن بين الاقوياء و الضعفاء ، فتفلح حينا ، و احيانا لا تستطيع مغالبة  دوافع السيطرة و نوازع الاثرة و الطغيان ..
وحقيقة: لقد كان النزاع حول (( الثروة)) او الموارد ذا اثر بارز في الصراع الانساني ، الذي يتمثل في حروب شاملة و ثورات طاحنة ، و دماء مراقة ، و استعمار و استغلال ، او بعبارة اخرى ،كان ذلك الصراع الدموي تعبيرا عمليا عن الصراع النفسي الذي يشعر به البشر نحو الثروات و الموارد .
و لا يقتضي ذلك منا ان نؤمن بالتفسير المادي للتاريخ ، و لكننا فحسب نقدر للما ل  خطره في تاريخ البشرية ، و نرى فيه مشكلة كانت تبحث في كل الاجيال عن حل ، بل ما تزال..
فماذا يرى الاسلام في المال ؟
و ماهي الاوضاع التي يرتضيها لمجتمعه في تقريره و تنظيمه ..؟ و هل تصلح نظرة الاسلام واوضاعه تلك لتحل تلك المشكلة في عصرنا الذي نحاه ..؟

نظرة الاسلام الى المال :
و لتبدا بتوضيح (( نظرة )) الاسلام الى المال و قيمته في مجتمعه ، فهي الاساس الذي تقوم عليه حلوله و نظمه.
ان الاسلام يرى ان المال ، وهو كل ما ينتفع به من ارض و عقار وثمار و معادن و حيوان ، و انما جعل للانتفاع الانساني ، في ضوء علاقات ينظمها الاسلام ، نقف عليها بعد . يقول الهه سبحانه :
(( هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا )) (2)
و معنى ذلك ان الارض بكل ما عليها خلقت لانتفاع الانسان ، و جعلت مجال عمله و كسبه ، وكل الثروات المبثوثة في الارض ظاهرا وباطنا ، نعمة من الخالق سبحانه ، افاضها على الناس جميعا ، فهي الاقوات و الارزاق التي تكفل الحق سبحانه بتدبيرها و تقديرها ، بعد ان خلق الارض  قدر عليها وجود الانسان :
(( وقدر فيها اقواتها ..))
و كان لا بد ان يميل الانسان بفطرته الى الكسب و احتياز الثروة ، اذ يرى ان قوام حياته متعلق بذلك ..
 و انتهى امر بالانسان الى غريزة اصلية ، تعلق قلبه بالمال و تصرفه اليه ..
(( زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الانعام و الحرث ، ذلك متاع الحياة الدنيا ، و الله عنده حسن المآب )) (4) .
(( و انه لحب الخير لشديد ))  (5) .
وفي ذلك يصف القرآن كيف انتهى الامر و خاصة بعد نشأة المجتمع الانساني المستقر ، و بعد تزاحم الناس على الموارد و صراعهم و من اجل خيرات الارض ، الى ان صار المال حافزا اصيلا لدى الانسان ، او قيمة ذات صدى في نفسه ..
فهل يلام الانسان على ذلك ..؟
و كيف يقف الاسلام من (( حب المال)) ؟
اما ان يحب الانسان المال او يسعى لكسبه ، فلا لوم عليه ، ما دام يلتزم جانب العدل و الحق في ذلك ، فلا يغصبه و لا يجتلبه من معصية او ظلم ، و لكن الاسلام لا يريد الا ان يخخف الانسان من غلوائه و يحد من نهمه ، و يصحح نظرته الى المال ، فيراه بمنظار الرشد و الصواب ، و عندئذ يطمئن في سعيه ، و يستريح في كدحه ، ثم لا يحجب المال عن وجوه البذل و مواطن الاحسان ولا يغفل عن الحقوق الاجتماعية المتعلقة به ..
و سبيل الاسلام الى ذلك ان يوضح للانسان حقيقة المال و مآله ، و يكشف له عن المدى الذي يمكن ان يسعده به .. سعيا الى علاج الاثرة ورغبة في التخفيف من حدة الصراع ، و ما يمكن ان يجره على الانسان من شقاء..
ولهذا تكرر في القرآن المفاضلة بين المال في فنائه وزواله عن الانسان او زوال الانسان عنه ، وبين (( الباقيات الصالحات)) او القيم الثابتة في حياة الانسان..
فان ذلك اجدى ان يشفى الانسان من ادواء التكاثر و التفاخر..
يقول الله سبحانه :
(( المال و البنون زينة الحياة الدنيا ، و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير امـــــــلا )) (6).
والحق ان هذه مفاضلة بين الاثرة و الايثار ، او بين (( الانانية)) و الروح الاجتماعية ، فان (( الباقيات الصالحات )) لا تنال الا ببذل المال في نواحي الواجب و الخير ، و الخروج عنه ابتغاء رضوان الله ..
(( ان سعيكم لشتى ، فأما من اعطى و اتقى و صدق بالحسنى ، فسنيسره لليسرى ، و اما من بخل و استغنى و كذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ، و ما يغتي عنه ماله اذا تردى ))  (7).
و يخطيء من يظن ان القران يفاضل بين كسب المال و عدم كسبه ، فان ذلك غل ليد الانسان عن الحياة التي استخلف فيها ، او دعوة الى الخروج منها وهو فيها ، و لكنه يفاضل بين اجتياز المال و تقديسه ، حتى يصير عند صاحبه معبودا يسترضي او املا يناجي ، و بين انفاقه في الحق ووضعه في موضعه المستقيم ..
وحين تقرأ هذه الآية نجد فيها صدق ذلك:
(( زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين  و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة و التعام و الحرث ، ذلك متاع الدنيا ، و الله عنده حست المآب ، قل اؤنبئكم بخير من ذلكم ؟ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وازواج مطهرة ورضوان من الله ، و الله بصير بالعباد ، الذين يقولون ربنا اننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ، الصابرين و الصادقين و القانتين و النتفقين و المستغفرين بالاسحار )) (8).
فان وصف الانفاق هنا تحبه الى ان هؤلاء المتقين يحوزون المال من حله ، ثم يجودون به في سماحة في سبل الخير و يقدمونه في مواطن الحاجة ..
اما ان يفهم ان الاسلام يدعو الى نبذ الدنيا ورفض العمل و الكسب ، نفورا من المال و ايثارا لما عند الله ، فذلك فهم سقيم يتناقض مع روح الاسلام ووجهته في الجمع بين الدنيا و الآخرة ..
وفرق بين هذه النظرة اعادلة من كسب المال من سبله المستقيمة و انفاقه في سبيل رعاية المباديء الفاضلة وسد مواضع الحاجة والعوز ، وبين الشراهة في احتياز المال لذاته ، و استجابة لشهوة التفاخر و التكاثر ، و تنمية لمشاعر الاثرة  و الرغبة في التفوق و الاستحواذ ، فان ذلك تجاوز بالمال عن قدره ، وفساد في التقدير يؤدي بصاحبه الى عبادة المال و النظر الى الحياة و الاحياء بنمظارة ، مما يفسد الفرد و المجتمع على السواء.
ومن هنا يقف القرآن ذلك الموقف الحاسم من حب المال و تقديسه و التعبد له ، و التجاوز به عن قدره .. حتى يحفظ على مجتمعه النظرة المستقيمة و يلود عنه سعار المادية و حدة الصراع و يطهره من دنس التكالب على المال و اتخاذه اداة للافساد في الارض و الاخلال بالحقائق و القيم .
ولذلك يتجه الى الجاهلين ينعي عليهم حبهم للمال ذلك الحب الشديد ، الذي ادى بهم جمعه من غير حله و البخل به عن مواطن البؤس و الفاقة .. (( كلا بل لا تكرمون اليتيم و لا تحضون عن طعام المسكين ، و تاكلون التراث اكلا لما وتحبون المال حبا جما )) وهو في ذلك يصور الداء ويصف اسبابه .. فما يكف الانسان يده عن الاحسان و يجحد حق اليتيم و المسكين ،ولا يشره في جمع المال من اين تاتي له ، الا حين (( يحب المال حبا جما )) فيتعلق قلبه بجمعه ويرى فيه غاية حياته و منتهى اماله ..
وذلك شر يتردى فيه الفرد و المجتمع ، ولابد لطمأنينة الحياة و استقامتها من علاجع و القضاء على اسابه .
ويقرر القرآن ذلك حين يقول ، وهو في مكة لا يزال:
(( كلا انا الانسان ليطغى ان رآه استغنى )) و هي في مناسبتها تعلل طغيان ابي جهل و امثاله من كفار قريش ، حين وقفوا في وجه الاسلام و حاولوا اطفاء نوره استنادا الى جاهمم و ثرائهم ، ورفضوا بحث مضمون الدعوة الجديدة او الاضغاء الى منطق العدل و التأمل ، لاطمئناتهم  اى الاوضاع الاجتماعية الجاهلية ورغبتهم في الا يفقدوا مكانتهم ولا يهبطوا عن جاههم و زعامتهم .
ولذلك نرى آيات الكتاب الكريم تتجه بضربات قوية الى سادة الجاهلية الاثرياء ، و تكشف عن مصيرهم الاليم ، ماداموا يتعبدون للمال ويصمون عن نداء الحق .. حتى تزلزل مكانتهم وتصور باطنهم الكئيب .
انظر الى هذه الصورة الدقيقة يرسمها القرآن لبعض هؤلاء ، من عبيد المال :
(( ويل لكل همزة لمزة ، الذي جمع ماله و عدده ، يحسب ان ماله اخلده ، كلا ، لينبذن في الحطمة )) (9)
انه جمع مالا .. كثيرا.. افنى عمره في احتيازه ، وصار ليده معبودا يسترضيه بالزيادة و النماء ، ثم انطلق يعبث في انحاء مجتمعه بالفساد والايذاء ، مطمئنا الى حماية المال مستندا اليه .. حتى ليوتهم الخلود بسببه .. ولكن ذلك الوهم ضائع ، حين يفارق الدنيا و ينبذ مهينا في جهنم .
انها وسيلة للقرآن ، اراد بها ان يحطم طواغيت المادة و ان يصحح النظرة الى المال حماية للمجتمع و ابتغاء لامنه .
ويتبع القرآن ذلك بتوضيح انه لا علاقة بين حظوظ الناس من المال و احرازهم للثروة وبين حظهم في الآخرة او نيلهم لرضوان الله .. فان الثورة ليست في ذاتها دليلا على مكانة صاحبها عند الله ، و ليست برهانا على استحقاقه للتقدير و التكريم .. حتى لا تكون المبالغة في كسب المال من أي وجه ، مثلا اعلى في المجتمع ، فيزداد الصراع و تضطرب المقاييس و القيم .
فقد يحرز الانسان المال الوفير ، و لكنه لا يكون في حساب الحق شيئا مذكورا ، ولايقع من رضوان الله بمكان.
(( ايحسبون انما نمدهم به من مال و بنين : نسارع لهم في الخيرات ؟ بل لا يشعرون )) (10) .
و لا تقف الآيات عند هذا الحد ، بل تعقب ذلك برسم صورة زاهية للذين يسارع لهم ربهم في (( الخيرات))  حقا .. حتى تتحطم المثل الزائفة التي كانت تعشى الابصار في الجاهلية العربية .. وكل حاهلية ..
فيقول سبحانه :
(( ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون ، و الذين هم بآيات ربهم يؤمنون ، و الذين هم بربهم لا يشكرون ، والين يؤتون نا آتوا وقلوبهم وجلة انهم الى ربهم راعون ، اولئك يسارعون في الخيرات ، وهو لها سابقون )) ((11).
ان هؤلاء الذين يبتغون من حياته تحقيق مثل اعلى يؤمنون به و يعملون له ، و الذين تسقط ليدهم كل قيمة زائفة وكل نظرة الى الحياة مختلة ، فلا يرون في الثروة غاية تبتغى و لا هدفا يذهل الانسان عما وراءه ، هؤلاء ينفوقن ويؤتون في سبيل الخير (( ما اتوا)) (( وقلوبهم وجلة )) تخشى سوء الحساب و تشعر بعظم التبعة و تحس بخط التكليف و ثقل الآمانة التي حملها الانسان..
فهما نوذجان يعرضهما القرآن و يفاضل بينهما ..
الذين يركنون الى المال و يتنافسون في جمعه ، ويعيشون في حمايته ، يتفاعلون مع الحياة بالشر و مع المجتمع بالايذاء ، فتصبح نعمة المال في ايديهم نقمة و مفسدة تلحق الشقاء بالمجتمع و تشارك في اختلال قيمة و اضطراب موازينه .
والذين ينظرون الى المال على حقيقته ، وسيلة يشارك بها الانسان في الخيرات ، وابتلاء ينجح الانسان فيه على قدر احسان التصرف فيما وهب له ، واولئك لا يستذلهم المال، ولا تخفض هاماتهم أي ثروة مهما جلت ،  و لا تحملهم على التخلي عن مبادئهم او الاغضاء عن منكر يرونه او فساد يشعرون به ، واولئك هم المفلحون .

(1) سورة النساء : 5 .
(2) سورة البقرة 2
(3) سورة فصلت 10
(4) سورة آل عمران 14
(5) سورة العاديات 8
(6) سورة الكهف 46
(7) سورة الليل 4- 11 .
(8) سورة آل عمران 14-17
(9) سورة الهمزة : 1-4
(10) سورة المومنون 55-56
(11) سورة المؤمنون 57-61

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here