islamaumaroc

الوزارة العباسية

  دعوة الحق

142 العدد

من بين الكتب التي كان لها صدى في دنيا الاستشراق في السنوات الاخيرة كتاب (( الوزارة العباسية)) للأستاذ الجامعي دومنيك سورديل الذي يمكن اعتباره من المع المستشرقين الصاعدين . و قد ظهر له مؤخرا كتاب ضخم عن الحضارة الاسلامية اشترك في تأليفه مع زوجته و هو مجهود قيم سنعرض له في حديث آخر حينما تستتم دراسته.
اما الكتاب الذي نتحدث عنه اليوم فهو العمل الذي نال به المؤلف الدكتوراه . وقد اجري بحثه سنوات عديدة على يد المعهد الفرنسي بدمشق واستقصى موضوعه بما تقتضيه الامانة العلمية من اطلاع واسع و تحقيق مدقق.
و لا غرو . فالموضوع يستحق ذلك و اكثر . فقد اعتدنا منذ المدرسة ان ننظر الى التاريخ الاسلامي من خلال شخصية الخلفاء و القادة و الفاتحين دون ان نمنح ما يكفي من الاهتمام الى الدواليب التي كانت ترتكز عليها الدولة في تصريف شؤونها السياسية و الادارية و المالية و الاقتصادية الخ .. مما يضفي على ذلك التاريخ صبغة القصص و الرواية . والواقع ان الهدف من التاريخ هو غير ذلك . فالتاريخ ليس موضوعا قصصيا او خطابيا او حماسيا ، بل هو موضوع علمي غايته الحقيقة المجردة ، دون تجميل او تمويه . فهو مرآة تعكس الماضي بضلاله وانواره . ولذلك فمن المفيد حقا ان نتجه الى دراسة التاريخ الاسلامي من خلال الادارة التي ارتكزت عليها الدولة الاسلامية في عنفوان شبابها ، اذ بهاته الطريقة سنعرف كيف كانت تعالج شؤون الامة الاسلامية و ما هي الاجهزة التي كانت تسهر يوميا على مصالحها و توفر لها ظروف العيش المستقر .
والوزارة هو احد الاجهزة الرئيسية ، بل نستطيع ان نقول انه كان هو الجهاز الاول الذي ترتبط به الاجهزة الاخرى بحيث ان من يطلع على تاريخها بتدقيق يكون في نفس الوقت قد اطلع على تاريخ الادارة بصفة عامة . و نظام الوزارة لم يأخذ شكله الواضح المستقر الا مع صعود العباسيين الى الحكم . وهذا ما يبينه ابن خلدون في احدى صفحاته اللامعة اذ يقول:
(( فلما جاءت دولة بني العباس و استفحل الملك و عظمت مراتبه و ارتفعت ، عظم شأن الوزير و صارت اليه النيابة في انفاذ الحل و العقد و تبينت مرتبته في الدولة و عنت لها الوجوه و خضعت لها الرقاب و جعل لها النظر في ديوان الحسبان لما تحتاج اليه خطته من قسم الاعطيات في الجند فاحتاج الى النظر في جمعه و تفريقه و اضيف اليه النظر فيه ، ثم جعل لها النظر في القلم و الترسيل لصون اسرار السلطان و لحفظ البلاغة لما كان اللسان قد فسر عند الجمهور ، و جعل الخاتم لسجلات السلطان ليحفظها من الذياع و الشياع و دفع اليه ، فصار اسم الوزير جامعا لخطتي السيف و القلم و سائر معاني الوزارة و المعاونة )) .
من هذا الكلام الوجيز الواضح نستخلص المنزلة الكبر التي ادركتها الوزارة في عهد العباسيين
كجهاز مركزي و شامل في الدولة. و هذا ما يبين لنا اهمية الموضوع الذي اراد المستشرق (( سورديل)) ان يسلط عليه اضواء جديدة كاشفة . ومما لا يعني مطلقا ان العرب لم يهتموا بتاريخ الوزارة .  بل هنالك كتب كثيرة خصصت لهذا الموضوع بالذات نذكر منها ، على سبيل المثال :
- كتاب الوزراء و الكتاب للجهشياري ( القرن الرابع )
- كتاب الوزراء للصولي ( القرن الرابع )
- تحفة الامراء في تاريخ الوزراء لهلال الصابي ( القرن الخامس)
- اعتاب الكتاب لابن الابار ( القرن السابع)
- قوانين الوزارة للماوردي ( ق 5 )
- كتاب الخراج و صناعة الكتابة لقدامة بن جعفر البغدادي ( ق4) الخ ..
- و لطن هذه الكتب القديمة ، على كثرتها ، هي اما كتب اخبار تقدم الغث و السمين معا و تجمع الروايات على اختلافها من حيث الصحة او الكذب ، و اما كتب ارشاد و نصح و توضيح للجانب الشرعي في مهمة الوزير . فهي اذن ، مليئة بالمادة الاولية التي يعتمد عليها المؤرخ و لكنها لا يمكن ان تعتبر كتاريخ ، و بخاصة اذا طبقنا عليها المقاييس الحالية لهذا العلم . فالمزية التي يجب التنويه بها في كتاب (( سورديل)) هي انه جمه هذه المواد الاولية بكامل الاستقصاء و طبق عليها المقاييس العلمية العصرية ، فاستخرج منها تاريخا للوزارة العباسية في حقبة تمتد على قرنين ، تقريبا ، من سنة 132 الى 324 / 749 الى 936 ، و هي الحقبة التي تقترن مع عهد الازدهار في خلافة بغداد .
- و الكتاب يقع في مجلدين كبيرين و يضم بين دفتيه ما يقرب من تمانمائه صفحة كلها كلام لا لغو ولا حشو فيه اذ يتتبع المؤلف تطور الوزارة مع قيام الدولة العباسية في الثلث الاول من القرن الثاني الهجري الى عصر ما سمي بأمرة الامراء الذي سبق عهد البويهيين في القرن الرابع . الا ان  المؤلف ، سيرا مع القواعد العلمية السليمة ، لا يدخل توا في الموضوع قبل ان يقوم بدراسة نقدية للمصادر و الدراسات المتعلقة بالموضوع ، ثم ينتقل الى توضيح نقطة خطيرة جدا من الوجهة التاريخية و هي الاصل الذي انحدرت منه و ظيفة الوزارة عند العباسيين .
فقد كانت الفكرة الرائجة ، سواء لدى المؤرخين العرب او الاروبيين ، هي ان و ظيفة الوزارة عند العباسيين من جملة التقاليد الحضارية التي نقلها العرب عن الايرانيين . وقد بين المؤلف خطأ هذه النظرية من الاساس ، مستندا على حجج تاريخية لا تقبل الناقشة . فخلافا للآراء التي شاعت لدى عدد من الباحثين ، كلمة وزير ليس لها أي اصل سواء من حيث اللغة او من حيث التاريخ عند الفارسيين ، و بخاصة عند الدولة الساسانية التي تعتبر الخلافة العباسية وريثة لها من بعض الوجوه . و يخرج المؤلف من هذا البحث باستنتاج واضح وهو ان وظيفة الوزارة من ابتكار العرب  والمسلمين ، في عهد الدولة العباسية بالخصوص و يقول مؤكدا :
(( ان حرص الخلفاء على ان يتخدوا لانفسهم مؤازرين ، بدل نواب ، يساهم وجودهم في تقوية هيبتهم كملوك و سلطتهم كائمة ، اقترن مع الضرورات الادارية ، فساعد الكتاب من العجم على ان يستحدثوا في الدولة الاسلامية و ظيفة تبين اهمية الدور الذي يقومون به و حقيقة تفانيهم في الاخلاص للخليفة )) .
والوصول الى مثل هذا الاستنتاج له اهميته التي لا تخفى ، بالنسبة لتاريخ العرب او المسلمين و حدهم ، بل كذلك بالنسبة للتاريخ العام ، اذ ان الوزارة كمؤسسة اجتماعية ، صارت و ظيفة ذات صبغة عالمية لا تخلو منها دولة من الدول . وسيكون الفضل الواضح البين للحضارة العربية الاسلامية لكونها كانت سباقة الى ابتكار هذه الوظيفة ، او ، على الاقل ، لكونها ادخلت عليها تطورا عميقا في بنيتها ، اتجه بها النظام العصري للوزارة .
و المستشرق سورديل يرى ، بعد ذلك ، ان الوزارة العباسية تحددت اختصاصاتها مع التجربة و الممارسة فيستعرض المراحل التي مرت منها .
فهنالك مرحلة اولى تمتد من سنة 132 الى 218 ه / 749-833 م  سماها المؤلف عهد البداية و خصص لها عدة فصول . و في هذا التطور لا تزال الوزارة غير محددة المعالم ، و ان كان المؤلف يلاحظ ان صفاتها الرئيسية بدات تظهر منذ اواخر القرن الثاني ، اذ تصبح حسب قوله (( تكليفا شرفيا ووظيفة نصفها اداري و نصفها حكومي ، قابلان كلاهما لتحولات كبيرة حسب شخصية كل خليفة (( فيمكن تحديد الوزارة ، اذن ، كمساعدة معترف بها رسميا ، و مشتملة على مسؤوليات جد واسعة تجعلها مقترنة بمنزلة خاصة في البلاط )) . ( ص 698)
واول من حمل هذا اللقب ابو سلمة الخلال الذي كان رئيسا مركزيا للدعوة العباسية بالكوفة  و كان يدعى وزير آل محمد و شغل هذا المنصب الى جنب ابي العباس السفاح الذي لم يتردد في التخلص منه لانه كان يتهمه بالميل الى العلويين . و من الشخصيات التي لمع نجمها في هذه الحقبة البرامكة الذين استطاعوا ان يحصلو على سلطات واسعة تكد تشمل سائر الاختصاصات الحكومية ، فكان الرشيد فوض اليهم الحكم بطريقة دستورية ، و كذلك الفضل ابن الربيع الذي لعب دورا في نكبة البرامكة و كان له نفوذ في بلاط الرشيد و الامين . و هنالك بالطبع الفضل بن سهل الذي كان وزيرا للمأمون و حصل على سلطات واسعة سواء في الشؤون المدينة او العسكرية حتى انه دعى ذا الرياستين . لكن الخلفاء كانوا يسترجعون السلطات الى ايديهم ، بصورة عنيفة احيانا ، اذا احسوا باستبداد الوزراء عليهم . مما يفسر تكرر النكبات بالنسبة لوزراء في هذا العهد . وعلى كل ، فان الوظيفة لم تبلغ بعد استقرارها في هذه المرحلة .
و تأتي مرحلة ثانية في تاريخ الوزارة تمتد من سنة 218 الى سنة 296 / 833 – 908 ، و قد دعاها المؤلف (( مصاعب الوزارة)) و قد نتجت هذه المصاعب قبل كل شيء عن الدور الرئيسي الذي اصبح يلعبه المماليك الاتراك سواء في الجيش او في الدولة . فقد كان الوزراء يجردون احيانا من كل سلطة لصالح القادة الاتراك .
و قد استطاع المتوكل ، طيلة سنوات ، ان يعتمد على هؤلاء وحدهم و ان يستغني عن الوزير . وفي الازمة التي عاشتها الخلافة بسامرا ، كان الرؤساء الاتراك هم الذين يفرضون على الخليفة وزيرا من اختيارهم .
و سيتغير هذا الوضع ابتداء من عهد المعتضد الذي كان خليفة مقتدرا قوي الشكيمة . فقد استعاد الوزير آنذاك سلطاته الطبيعية و لم يعد يخشى منافسة القواد العسكريين . الا ان شخصية الخليفة ظلت مع ذلك طاغية عليه .
بعد هذا نصل الى مرحلة ثالثة و اخيرة تمتد من سنة 296 الى 324 ه / 908-936  م  أي  من عهد الخليفة المقتدر الى عهد الراضي . وقد دعاها المؤلف (( عهد ازدهار الوزارة )) . فقد تمكن الوزراء آنذاك من جمع سلطات واسعة في ايديهم ، لما لها من حنكة و دراية في الشؤون المالية و الادارية و لما لهم من علاقات شخصية و ارتباطات باحدى الفرق الدينية ذات النفوذ كالشيعة او السنة التي كانت بمثابة احزاب سياسية . و هكذا برزت شخصيات وزارية قوية لامعة مثل ابن الفرات او على بن عيسى او ابن مقلة . و قد اشتهر علي بن عيسى بالتقوى و الفضيلة ، بالاضافة الى ما كان  يتحلى به من مزايا  السياسي المقتدر و الاداري الحازم و ظهر دوره الفعال في حل عدد من الازمات الخانقة التي تعرضت لها الخلافة . و بانتهاء هذه المرحلة تكون الوزارة قد عرفت نهايتها كوظيفة محدد مستقلة ليحل محلها نظام امرة الامراء الذي سيدخل بنا الى منعرج جديد في عمر الدولة العباسية الطويل.
و يعقد المؤلف فصولا مهمة في نهاية كتابه يحلل فيها مهمة الوزارة ، متحدثا على عدد من النقط التي تهم المؤرخ كما تهم رجل القانون . فيعرض ، مثلا ، للوسط الاجتماعي الذي كان ينتمي اليه الوزراء ، عادة ، و للثقافة و التكوين اللذين يكونون محصلين عليهما ، و للوظيفة الادارية التي تكون منوطة بالوزير و التي تشمل تصريف الشؤون المالية و الاشراف على عدد من الدواوين المركزية ، كما يعرض لوظيفته الحكومية أي السياسية و التي تشمل السلطات المفوضية من الخليفة و السياسية الدبلوماسية و العسكرية . و لا ينسى ، في الاخير ، ان يتحدث عن الجوانب التشريفية في مهمة الوزير من منح الالقاب الخاصة و الخلع و مراعاة رسوم و تقاليد في الاستقبالات و ذكر اسم الوزير في ثياب الطراز و منزلة خاصة في البلاط تعطيه مقام الاولوية الخ ..
هذه نظرة جد مختصرة تبين لنا اهمية الكتاب وقيمته كمساهمة في التعريف بتاريخ الوزارة بوصفها احدى الوظائف التي ابتكرتها الحضارة العربية الاسلامية و التي اصبحت ، فيما بعد ، احدى مكاسب الحضارة العالمية الى الوقت الراهن .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here